أما الدليل العقلي على وجود الله-سبحانه- فهو ما نبَّهْنا عليه في الدرس الماضي: وهو: أن هذا الكون الذي أمامنا، ونشاهده على هذا النظام البديع الذي لا يمكن أن يضطرب، ولا يتصادم، ولا يُسقِطَ بعضُه بعضًا، بل هو في غاية ما يكون من النظام كما قال ربنا سبحانه: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس]. فهو نظام بديع إذا تأملت رأيت عجبًا. فهل يعقل كما ذكرنا عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- أن يكون هذا الكون البديع والفسيح بهذا النظام
_________________
(١) كان في يوم الأربعاء التاسع والعشرين من شهر شعبان ١٤٤١ هـ.
[ ١ / ١٠٨ ]
البديع لا خالق ولا موجد له؟! والآيات في هذا كثيرة، منها:
قول ربنا -﷾-: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء].
وذكر البيهقي -﵀- في شعب الإيمان: أنه قيل لأم الدرداء: ما كان أفضلُ أعمالِ أبي الدرداء -﵁-؟ قالت: «التَّفَكُّرُ» (^١).
وهذا التفكر يدعونا إليه القرآن، ويحتاج إليه جميع الناس.
فالمسلم في حاجة إلى أن يتفكر ويتأمل ليحصن نفسه وليكون داعية إلى الله -﷾- فقد تواجه هؤلاء الملاحدة إما مواجهة حقيقية وإما أن تواجههم على صفحات الإنترنت؛ فليكن لديك حصيلة دينية تستطيع أن تدعو بها إلى الله -جل وعلا- و«لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» (^٢).
ويقول ربنا -﷾-: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد]
وقد ذكرنا هذا الدليل في الدرس الماضي عن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-.
ولهذا لما سُئِل أعرابي عن ذلك قال: "يا سبحان الله! إن البعرة لَتَدُلُّ على البعير، وإن أثر الأقدام لَتَدُلُّ على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؟
_________________
(١) تقدم في المجلس السابق.
(٢) أخرجه البخاري (٢٩٤٢) واللفظ له، ومسلم (٢٤٠٦) من حديث سهل بن سعد -﵁-.
[ ١ / ١٠٩ ]
ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟! " (^١).
هذا هو إعمال التفكر والتأمل في هذا الكون وفي هذه الآيات العظيمة.
وربنا -جل وعلا- يدعونا إلى أن ننظر في أنفسنا: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات].
ويقول الله -﷾-: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾. ويقول بعد ذلك: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ مَنْ الذي يستطيع أن يحيِيَ هذه الأشياء؟! ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾ [الواقعة].
كل هذه الآيات خطاب: يعني أخبروني عن هذه الأشياء كيف هي؟
وفي سورة عبس يقول ربنا -﷾-: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ [عبس] أي: تفكَّرْ وتأمَّلْ في طعامك.
قال الطبري -﵀-: أي: فَلْيَنْظُرْ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ الْمُنْكِرُ تَوْحِيدَ اللَّهِ إِلَى طَعَامِهِ كَيْفَ دَبَّرَهُ؟ (^٢)
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧)﴾ [عبس] الآيات ..
إذًا هذه كلُّها أدلة لو تفكر الإنسان فيها بعقله وتأمل لعرف أنَّ الله -﷾- موجود.
وانظر إلى خطابات القرآن:
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ [الأنعام]
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)﴾ [النمل]
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [العنكبوت]
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ١٩٧) وانظر: مفيد العلوم ومبيد الهموم للخوارزمي (ص ٢٥)
(٢) تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (٢٤/ ١١٥)
[ ١ / ١١٠ ]
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الروم]
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ [السجدة]
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ في سبعة مواضع من كتاب الله [يونس: ٣، هود: ٢٤ و٣٠، النحل: ١٧، المؤمنون: ٨٥، الصافات: ١٥٥، الجاثية ٢٣]
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾ في موضعين [الأنعام: ٨٠، السجدة: ٤]،
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة]،
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ [يس]،
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام]،
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾ [غافر]
وقال تعالى في موضعين من كتابه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢، محمد: ٢٤]،
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية]
وقال ربنا سبحانه: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ [يونس]
وقال تعالى في مواضع: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾ [النحل: ٧٩، النمل: ٨٦، العنكبوت: ٢٤، الروم: ٣٧، الزمر: ٥٢]
وقال سبحانه في موضعين من كتابه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس:، ٦٧، الروم: ٢٣]
وقال تعالى في موضع ثالث: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)﴾ [النحل: ٦٥]
وقال تعالى في مواضع من كتابه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾ [الرعد:
[ ١ / ١١١ ]
٣، الروم: ٢١، الزمر: ٤٢، الجاثية: ١٣]
وقال في موضعين من سورة النحل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ [النحل: ١١، و٦٩]
وقال تعالى في مواضع: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد: ٤، النحل: ١٢، الروم: ٢٤]
وقال سبحانه في سورة النحل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ [العنكبوت]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ [الأنفال]
وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة]
فهذه نحو أربعة وأربعين موضعا من القرآن -وغيرها كثير- وكلها داعية إلى التفكر والتأمل والذم لمن ترك ذلك.