إذا عرفنا ذلك عرفنا أنَّ الإيمان يزيد وينقص. يزيد بطاعة الله -جل وعلا- وينقص بعصيانه. والناس والمؤمنون يشاهدون ذلك ويرونه من أنفسهم.
وقد أشار -جل وعلا- إلى هذا وبيَّنه في كتابه الكريم، فقال -﷾-: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] فالآية صريحة في أنَّ الإيمان يزيد.
وقال -جل وعلا-: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]
وقال -جل وعلا-: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]
إلى غير ذلك من الأدلة التي تدل على زيادة الإيمان.
وكلُّ شيء قَبِلَ الزيادة فهو قابل للنقصان.
وقال النبي -ﷺ- في حديث النهي عن المنكر: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (^٢)
فهناك مؤمن قوي، وهناك مؤمن ضعيف، كما أخبر النبي -ﷺ-.
وقد جاء في الحديث: «أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» (^٣).
فدَلَّ هذا على أن المؤمنين أيضًا يتفاوتون في الإيمان؛ وبعضهم يكون أكمل إيمانًا
_________________
(١) تقدم تخريجه في المجلس الأول.
(٢) مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٦٨٢) والترمذي (١١٩٦) من حديث أبي هريرة -﵁-. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٤) وحسنه شيخنا الوادعي في الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين (٣٠٧).
[ ١ / ٤٩ ]
من بعض، وعلى هذا جرى عملُ السلف واعتقادُ الصحابة ومن تَبِعَهم بإحسان.
وجاء عن معاذ بن جبل -﵁- أنه كان يقول لبعض أصحابه: «اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً» (^١).
وفي المسند عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-، قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ -﵁- إِذَا لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ، يَقُولُ: تَعَالَ نُؤْمِنْ بِرَبِّنَا سَاعَةً …» الحديث (^٢).
قال العلماء: وهذا واضح الدلالة على أنَّ الإيمان يزيد، وأن المعنى: تعالوا نجلس نتذاكر؛ لنزداد إيمانًا.
وكان ابن مسعود -﵁- يقول: «اللَّهُمَّ زِدْنَا إِيمَانًا وَيَقِينًا وَفِقْهًا» (^٣).
وأُثِرَ عن كثير من السلف أنهم قالوا: الإيمان يزيد وينقص.
قال شيخ الإسلام -﵀-: «وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان منه عن الصحابة -﵃-، ولم يُعرَف فيه مخالِفٌ من الصحابة» (^٤).
ونختم مجلسنا هذا بكلمة عن الإيمان وردت عن الإمام البخاري -﵀- تدل على رعاية العلماء وعنايتهم بأمر الإيمان وتعريفه.
يقول -﵀-: «لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٨)، وأخرجه موصولًا ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٨٤٣)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الإيمان (٢٠) وابن بطة في الإبانة الكبرى (١١٣٥). والبيهقي في "الشعب " (٤٤) وسنده صحيح.
(٢) مسند أحمد (١٣٧٩٦) وفي سنده ضعف.
(٣) رواه عبد الله بن أحمد في السنة (٧٩٧)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٠٥/ ٨٥٤٩) والبيهقي في الشعب (٤٥)، وفي إسناده شريك النخعي، وهو صدوق يخطئ، والأثر صححه الحافظ ابن حجر في الفتح، (١/ ٤٨).
(٤) الإيمان، ص ١٧٧، ١٧٦.
(٥) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٤٧)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٥٦) وعزواه للَّالكائي في السنة، وصحَّحا إسناده، وهو في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، (٥/ ٨٨٩) رقم: (١٥٩٧) بنحوه، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٥٢/ ٥٨).
[ ١ / ٥٠ ]
فانظر كيف طاف -﵀- البلاد، فخرج من بخارى يطلب العلم ويتعلمه، وأدرك ولقي المئات من أهل العلم؛ فما لقي أحدًا منهم إلا وهو يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وهذا يدلنا على أنَّ البخاري -﵀- كان يحرص على انتقاء شيوخه ثم هو يستفهم ويسأل مشايخه عن هذه المسألة العظيمة وغيرها من أمور الاعتقاد.
ثم تأملوا حالنا في هذه الأيام التي صار الإنسان فيها اتِّكاليًّا على قليل من العمل.
فوا عجبًا لحالنا وا عجبًا! … الواحد منا ضعيف الإيمان! … ضعيف في صلاته، وصيامه، وفي الأعمال الصالحة مع ما يرتكب من المعاصي، ومن الذنوب، ومن الآثام، مع ضعف في الخشوع، والخضوع والخوف والخشية.
ومع هذا تجده يأمن على نفسه، ويحسن الظن بها، ويرى أنه لم يفعل شيئًا يعيبها (^١)، وإذا نزلت المصائب ونزلت البلايا لم يكن عن الله راضيًا، بل تجده كثيرَ الشكوى، يرى أنه لا يستحق كلَّ ذلك، وما هذا إلا بسبب الغفلة وضعف الإيمان، نسأل الله السلامة والعافية.
وبهذا يكون قد اتضح لنا معاني هذه الكلمات الخمس التي عرَّف بها العلماء -﵏- حقيقة الإيمان بأنه: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان.
والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) يقول ابن القيم في «مدارج السالكين» (١/ ٢٦٢ ط عطاءات العلم): حسنَ الظّنِّ بالنّفس يمنع من كمال التّفتيش ويُلبِّس عليه، فيرى المساوئَ محاسنَ، والعيوبَ كمالًا، فإنَّ المحبَّ يرى مساوئ محبوبه وعيوبه كذلك … ولا يسيءُ الظّنَّ بنفسه إلّا مَنْ عرفها. ومَن أحسن ظنَّه بها فهو من أجهل النّاس بنفسه ا. هـ
[ ١ / ٥١ ]