أما الأمر الأول وهو أن الإيمان اعتقاد بالجنان أو اعتقاد بالقلب، فتأملوا قولَ الله -﷾-: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ في قوله -جل وعلا-: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]
إذا تأملتَ هذه عرفتَ أن الآية تدل على أن إيمان القلب ركن لا بد منه في الإيمان، ولا بُدَّ من العناية بأعمال القلوب كالخوف، والخشية، والرجاء، والإيمان بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر؛ فاعتقاد هذه الأمور أمرٌ لا يتم إيمان المرء إلا به.
ثم تأمل -حفظك الله- قولَ الله -﷾-: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧]. تأمل قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ لتعلم أنه لا يصح الإيمان إلا بإيمان القلب، وأن إيمان القلب إذا وُجِدَ سَرَى ذلك إلى الجوارح ولا بُدّ. لأنَّ إيمان القلب ليس مجردَ العلم والمعرفة والتصديق بالله -جل وعلا- والتصديق بخبر النبي -ﷺ- وإنما هو إيمانٌ يقود صاحبه إلى الانقياد، والاستسلام، والخضوع، والإخلاص،
_________________
(١) كان في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر شعبان ١٤٤١ هـ.
[ ١ / ٤٠ ]
وغير ذلك مما يدخل تحت عمل القلب.
ولهذا نحن في هذه الأيام نعرف كثيرًا من اليهود أو النصارى ممن يُصرِّح بصدق النبي -ﷺ- وبأن الحلَّ في الإسلام، وبأنَّ الخير مع المسلمين، ونجد من الناس من يُصرِّح أنَّ الإسلام دين حق، ومع ذلك هو باقٍ على كفره، مما يدل على أنَّ مجرَّدَ المعرفةِ واعتقادِ أنَّ هذا حقٌّ ليس بكافٍ في تحقيق الإسلام والدين.
وقد جاء في الصحيح أنَّ يهوديًا جاء إلى النبي -ﷺ- فَقَالَ له: جِئْتُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أيَنْفَعُكَ شيءٌ إنْ حَدَّثْتُكَ؟» (يعني: هل تؤمن؟) فَقَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، (يعني: لا ألتزم المتابعة، وإنما أسمع بأذني وأنظر فيما أسمع، وسيأتي أنه سيقر بصدق نبينا -ﷺ- لكنه لا يلتزم الإيمان به ومتابعته، وهذا دليل على أن مُجرَّدَ التصديق من غير التزام الشريعة، ولا دخول فيها لا ينفع؛ إذ لم يحكم له بالإسلام) فنكت رسول الله -ﷺ- بعود معه، فَقَالَ: «سَلْ» (وهذا من سعة أخلاقه وحلمه -ﷺ-، فسألَ النبيَّ -ﷺ- خمسة أسئلة، فأجابه عنها، فلما انتهى قال اليهودي لرسول الله -ﷺ-: صدقت وإنك لنبي ثم انصرف (^١). فأقرَّ بأنه نبيٌّ لكنه لم يؤمن بهذا، ولم يشهد أنه لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله وخاتمُ النبيين بعثه الله إلى الناس كافة.
فدلَّ هذا على أنَّ مجرد المعرفة والتصديق في القلب ليست كافية، بل المقصود بإيمان القلب: ذلك الإيمانُ الذي يقود إلى الانقياد، والاستسلام، والخضوع، والإخلاص.
يقول شيخ الإسلام -﵀-: «إنَّ الإيمان أصلُه الإيمانُ الذي في القلب، ولا بُدَّ فيه من شيئين: تصديق بالقلب، وإقراره ومعرفته ويقال لهذا: قول القلب. قال الجنيد بن محمد: «التوحيد: قول القلب، والتوكل: عمل القلب» (^٢)، فلا بُدَّ فيه من قول القلب، وعمله، ثم قول البدن وعمله، ولا بُدَّ فيه من عمل القلب، مثل حبِّ الله ورسوله، وخشية الله، وحبِّ ما يحبُّه الله ورسوله، وبُغضِ ما يبغضه الله ورسوله، وإخلاصِ العمل لله وحده، وتوكُّلِ القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣١٥) من حديث ثوبان -﵁-.
(٢) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (١٠/ ٢٥٦) بلفظ: قال: " … وَإِنَّمَا الْيَقِينُ اسْمٌ لِلتَّوْحِيدِ إِذَا تَمَّ وَخَلُصَ، وَإِنَّ التَّوْحِيدَ إِذَا تَمَّ تَمَّتِ الْمَحَبَّةُ وَالتَّوَكُّلُ وَسُمِّيَ يَقِينًا، فَالتَّوَكُّلُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَالتَّوْحِيدُ قَوْلُ الْعَبْدِ (كذا)، فَإِذَا عَرَفَ الْقَلْبُ التَّوْحِيدَ وَفَعَلَ مَا عَرَفَ فَقَدْ تَمَّ" … إلخ
[ ١ / ٤١ ]
ورسوله، وجعلها من الإيمان. ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سَرَى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عمَّا يريده القلب؛ ولهذا قال النبيُّ -ﷺ- في الحديث الصحيح: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» (^١). وقال أبو هريرة -﵁-: «القلب مَلِكٌ والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خَبُثَ الملك خبثت جنوده» (^٢)، وقولُ أبي هريرة تقريبٌ، وقولُ النبي -ﷺ- أحسنُ بيانًا؛ فإنَّ الملك وإن كان صالحًا فالجند لهم اختيار، قد يعصُون به ملكهم وبالعكس، فيكون فيهم صلاح مع فساده، أو فساد مع صلاحه، بخلاف القلب؛ فإنَّ الجسد تابع له لا يخرج عن إرادته قط، كما قال النبي -ﷺ-: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ». فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملًا قلبيًّا، لزم ضرورةً صلاحُ الجسد بالقول الظاهر، والعملُ بالإيمان المطلق» (^٣). فهذا أمر مهم.
ويقول الإمام محمد بن نصر المروزي -﵀-: «أصل الإيمان هو التصديق بالله، وما جاء من عنده، وإياه أراد النبي -ﷺ- بقوله: «الإِيمانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ» (^٤) وعنه يكون الخضوع لله؛ لأنه إذا صدَّق بالله خضع له، وإذا خضع أطاع» (^٥)
وقال الإمام أحمد -﵀-: «وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِيمَانَ الْإِقْرَارُ، فَمَا يَقُولُ فِي الْمَعْرِفَةِ؟ هَلْ يَحْتَاجُ إِلَى الْمَعْرِفَةِ مَعَ الْإِقْرَارِ؟ وَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا بِمَا أَقَرَّ؟» (^٦).
إلى غير ذلك من كلام العلماء الذي يدل على أن قولَ القلب وعملَه المقصودُ به الإيمان الجازم الذي يقود إلى العمل، إلى عمل الجوارح وإلى تصديق الجوارح.
_________________
(١) هذا اللفظ رواه البزار في مسنده (٣٢٧٦) من طريق مجالد عن الشعبي عن النعمان بن بشير -﵄-، ومجالد ليس بالقوي والحديث في صحيح البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) من طريق أخرى عن الشعبي بنحوه.
(٢) رواه بنحوه معمر في جامعه (١١/ ٢٢١) رقم (٢٠٣٧٥) ومن طريقه البيهقي في الشعب (١٠٨). وسنده حسن وروي مرفوعا بسند ضعيف انظر: السلسلة الضعيفة (٤٠٧٤).
(٣) كتاب الإيمان (ص ١٤٩)
(٤) أخرجه البخاري (٥٠) ومسلم (٩) من حديث أبي هريرة -﵁- ومسلم (١) من حديث عمر -﵁- وهو حديث جبريل المشهور.
(٥) تعظيم قدر الصلاة، (٢/ ٦٩٦).
(٦) السنة لأبي بكر بن الخلال (٤/ ٢٤) وانظر: مجموع الفتاوى، (٧/ ٣٩٣).
[ ١ / ٤٢ ]
وتأملوا قول الله -﷾- في الكافرين إذ قال -جل وعلا-: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]
وفي قوله تعالى في قوم آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]
فإنَّ ذلك يدل على أن معرفة القلب لا تنفع حتى يكون مع ذلك إيمان بالله، وتصديق بوعده، وإيمان برسوله -ﷺ- وعمل بشريعته.
ولذلك فإنَّ الكفار والمنافقين غالبًا ما يُقرِّون بالربوبيَّة، ويُقرِّون بالرسالة، ولكنَّ الكِبْرَ، والبُغضَ، وحُبَّ الرياسة، وحُبَّ الشهوات يصُدُّهم عن الطاعة، وعن الإخلاص، وعن المتابعة، وعن الإيمان بالله -جل وعلا- وتوحيدِه. فهذا يوضح لك -أخي في الله- ما يتعلق بالأمر الأول، وهو اعتقاد القلب، وأنه لا بُدَّ منه.