أما الأمر الثاني وهو قول اللسان أو الإقرار باللسان فإن العلماء قد ذكروا أن قول اللسان جزء من مسمَّى الإيمان، وركن من أركانه. والمقصودُ بقول اللسان: الأعمالُ التي تُؤَدَّى باللسان، كالشهادتين، والذكر وتلاوة القرآن، والصدق، والنصيحة، والدعاء، وغير ذلك مما لا يُؤَدَّى إلا باللسان، وهي أعمال صالحة كثيرة، منها: ما هو واجب، ومنها: ما هو مستحب، ومنها: ما هو شرط لصحة الإيمان.
تأمل قول الله -جل وعلا- في كتابه الكريم: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة] ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة].
ففي هذه الآية يأمرنا الله -جل وعلا- أن نقول: ﴿آمَنَّا﴾ ثم يقول بعد ذلك: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ فأمرنا أن نقول: آمنَّا بهذا كله ونحن له مسلمون.
قال شيخ الإسلام -﵀-: «أخبر أنهم إن تولوا عن الإيمان ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ المتضمن قولكم: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ أي: مشاقون لله
[ ١ / ٤٣ ]
ورسوله» (^١).
فسمَّى الله -جل وعلا- قولهم مثل ذلك إيمانًا؛ لأنه قال: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ فالله أمر المؤمنين بالقول.
ثم تأمل قول الله -﷾-: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]
هذه الآية في قوم نطقوا بالإيمان بألسنتهم، لكنهم أتوا به في غير وقته، فلم ينفعهم انتقالهم من الكفر إلى الإيمان؛ لأنهم قالوا ذلك لما رأوا بأس الله وعذابه.
وقد جاء في الصحيحين قول النبي -ﷺ-: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^٢) الحديث. فهذا بيان أنه لا بُدَّ في الإيمان من قول اللسان؛ فالحديث أصل في دخول الأعمال والأقوال في مسمَّى الإيمان.
وكما هو معروف من قصة أسامة بن زيد -﵄- حِبِّ رسول الله -ﷺ- وابن حبِّه- لما بعثه رسول الله -ﷺ- إلى الحرقة من جهينة، قال أسامة: فصبَّحْنا القوم، فهزمناهم، ولحقت أنا ورجلٌ من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكفَّ عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي -ﷺ- فقال لي: «يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: قلتُ: يا رسول الله، إنما كان مُتَعَوِّذًا، قال: فقال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم (^٣).
وعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ -﵁-، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ، بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ: رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا تَقْتُلْهُ» قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا، أَفَأَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٣/ ٧٧)
(٢) أخرجه البخاري (١٣٩٩)، مسلم (٢٠) من حديث أبي هريرة -﵁-. والبخاري (٢٥) ومسلم (٢٢) من حديث ابن عمر -﵁-. والبخاري (٣٩٢) عن أنس -﵁-. وهو بلفظ: «… حَتَّى يَشْهَدُوا …».
(٣) البخاري (٤٢٦٩، ٦٨٧٢)، مسلم (٩٦) من حديث أسامة -﵁-.
[ ١ / ٤٤ ]
تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ» (^١) أي «لَا تَقْتُلْهُ» فإنه معصومُ الدم، مُحَرَّمٌ قتله بعد قوله: (لا إله إلا الله)، كما كنت أنت قبل أن تقتله، وإنك بعد قتله غير معصوم الدم، كما كان هو قبل قوله: (لا إله إلا الله)، لولا عُذرك بالتأويل المسقط للقصاص عنك. (^٢)