أبي عمار محمد بن عبد الله باموسى حفظه الله
القائم على دار الحديث ومركز السلام العلمي للعلوم الشرعية اليمن -الحديدة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للَّه الذي جعل الإِيمان شُعبًا، والصلاةُ والسَّلام على نبينا محمد -ﷺ- الذي بمبعثه حُرِسَت السَّماء، ورُجمت الشياطين شُهبًا، وآله وصحبه الحائزينَ الشرف والفضل النُّجَبَا، والتَّابعين لهم بإحسان ومَنْ إليهم انتسبا (^١). أما بعد:
فإن الإيمان الذي يشمل الأعمال، وأنواعها، وأجناسها بضعٌ وسبعون شعبة، وهذه الشعب هي الأعمال الشرعية، التي تتشعب وتتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن. وتتفاوت هذه الشعب في مراتبها من الإيمان، فمنها ما يكون في أعلى مراتب الإيمان، ومنها ما يكون في أدناها، وما بين أعلى الإيمان وأدناه شعب متعددة.
قال ابن القيم -﵀-: الإيمان أصل له شعب متعددة، وكل شعبة تسمى إيمانًا ظاهرًا كان أو باطنًا، فالصلاة من الإيمان، والزكاة من الإيمان، والحج من الإيمان، والصيام من الإيمان، والأعمال الباطنة من الإيمان، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتًا عظيمًا ا. هـ (^٢).
وقول النبي -ﷺ-: «الإيمان بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شُعْبة»، المراد بذلك أنَّ خصال الإيمان لا تخرج عن هذا العدد (^٣)، وأنَّها متفاوتة، فتدخل فيها أعمال القلوب،
_________________
(١) مقتبسة من مقدمة الزبيدي -﵀-، على «شعب الإيمان».
(٢) «الصلاة وأحكام تاركها» (ص: ٥٥) بتصرف.
(٣) قد يشكل هنا أن تفاصيل أفعال الخير من واجبات ومستحبات تفوق العدد المذكور في الحديث، وقد أجاب أهل العلم عن هذا الإشكال بعدة أجوبة، ذكرها ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (١/ ٣٠ - ٣١).
[ ١ / ١٢ ]
وأعمال الجوارح، وأعمال اللسان، والحديث جمع هذه كلها.
فمثَّل لأعمال اللسان بقول: «لا إله إلا الله». ولأعمال القلوب بـ: «الحياء». ولأعمال الجوارح: بـ: «إماطة الأذى عن الطريق».
والحديث كذلك جمع أركان الإيمان الثلاثة المجمع عليها: القول والعمل والاعتقاد (^١).
وكتاب "شعب الإيمان" للإمام البيهقي -﵀- يعتبر من الموسوعات العلمية الكبرى التي صنفها الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي -﵀-، وهو عبارة عن شرح لحديث: «الإيمان بضعٌ وسبعون شُعْبة»، وقد حاول -﵀- سرد هذه الشعب وذِكر الأدلة المتعلقة بها، وقد أبدع -﵀- في ذلك غاية الإبداع.
والكتاب على جلالة قدره فيه أحاديث مختلفة المراتب، ففيه الصحيح، والحسن، والضعيف، وشديد الضعف، وفيه بعض الموضوعات وهي قليلة.
هذا وقد قام فضيلة الشيخ المحدِّث أبي حمزة غازي بن سالم أفلح، وفقه الله، بعقد مجالس للمدارسة في هذا الكتاب المبارك بلغت أكثر من مائة مجلس، فُرِّغ منها سبعة وثلاثون مجلسًا، وعمله وفقه الله، في كتاب البيهقي كعمل المزي -﵀- في "الكمال" (^٢):
* فقد اختار الشارح من كتاب البيهقي الصحيح وما قاربه،
* ثم زاد عليه زيادات صحيحة من خارج الكتاب، كما زاد البيهقي نفسه على كتاب الحليمي -﵀- المسمى بـ: "المنهاج المصنَّف في شعب الإيمان".
* ثم قام وفقه الله، بشرح المهذب منه شرحًا ميسرًا سهلًا ممتنعًا قريبًا من جميع القرَّاء على اختلاف ثقافاتهم ومستوياتهم وطبقاتهم العلمية،
_________________
(١) انظر: «التمهيد» لابن عبد البر (٩/ ٢٣٨)، «الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٣٣٠)، «اجتماع الجيوش الإسلامية» لابن القيم (ص: ٢١٨)، رحمة الله على الجميع
(٢) انظر: مقدمة «تهذيب الكمال» (١/ ٤٣ - ٤٨) لبشار عواد؛ لمعرفة عمل المزي -﵀- في كتاب «الكمال في أسماء الرجال» للحافظ الكبير أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الجماعيلي -﵀-.
[ ١ / ١٣ ]
* وقد نثر في هذه المجالس العلمية المباركة:
• دررًا من العلوم والفنون وبدائع الفوائد،
• وفوائد القلائد،
• وغرائب الفرائد،
• ونوادر الشوارد،
• فهو كتاب جليل القَدْر، والكتاب يترجم لكاتبه.
أسأل الله العظيم أن يحيينا بشعب الإيمان وفي شعب الإيمان،
وأن يتوفانا على أعلى مراتب شعب الإيمان،
والله تعالى أعلم، وهو أعز وأكرم،
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه:
العبد الفقير إلى مولاه الغني القدير
أبو عمار محمد بن عبد الله (باموسى)
القائم على دار الحديث ومركز السلام العلمي للعلوم الشرعية اليمن -الحديدة
عفا الله عنه وعن والديه ومشايخه وجميع المسلمين.
٢٩/ جمادى الآخرة/ ١٤٤٣ هـ
مكة المكرمة، شعب عامر، جبل السودان
[ ١ / ١٤ ]