وسُئِل الإمام أحمد -﵀- عن ذلك، فقال: هاهنا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهرُهُ كالفضة بيضاء، وباطنه كالذهب إبريز، فبينما هو كذلك إذ انصدع جدار، فخرج منه حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن وصوت مليح. يعني بذلك البيضة
_________________
(١) ومن الاستنباطات الجميلة في تفسير الآية ما رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٤٢٦/ ط هجر) عَنِ الْحَسَنِ -وهو البصري-، قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِقُلُوبِ بَنِي آدَمَ، كَانَتِ الْأَرْضُ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ طِينَةً وَاحِدَةً، فَسَطَحَهَا وَبَطَحَهَا، فَصَارَتِ الْأَرْضُ قِطَعًا مُتَجَاوِرَاتٍ، فَيَنْزِلُ عَلَيْهَا الْمَاءُ مِنَ السَّمَاءِ، فَتُخْرِجُ هَذِهِ زَهْرَتَهَا، وَثَمَرَهَا، وَشَجَرَهَا، وَتُخْرِجُ نَبَاتَهَا، وَتُحْيِي مَوَاتَهَا، وَتُخْرِجُ هَذِهِ سَبَخَهَا، وَمِلْحَهَا، وَخَبَثَهَا، وَكِلْتَاهُمَا تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ كَانَ الْمَاءُ مَالِحًا قِيلَ: إِنَّمَا اسْتَسْبَخَتْ هَذِهِ مِنْ قِبَلِ الْمَاءِ، كَذَلِكَ النَّاسُ خُلِقُوا مِنْ آدَمَ، فَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ تَذْكِرَةً، فَتَرِقُّ قُلُوبٌ فَتَخْشَعُ وَتَخْضَعُ، وَتَقْسُو قُلُوبٌ فَتَلْهُو وَتَسْهُو وَتَجْفُو ". قَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ مَا جَالَسَ الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ مِنْ عِنْدِهِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء].
(٢) تفسير ابن كثير ت سلامة (٤/ ٤٣٢).
[ ١ / ٩٥ ]
إذا خرج منها الفرخ. فهذه عند التفكر والتأمل ليست عبثًا، بل إنَّ لها موجدًا، وهو الله -﷾-. وسئل أبو نُوَاس الشاعر المعروف فأنشد:
تأمَّلْ في نباتِ الأرضِ وانظر … إلى آثار ما صَنَعَ المليكُ
عيونٌ من لُجَينٍ شاخصاتٌ … بأحداقٍ هي الذهبُ السبيكُ
على قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهداتٌ … بأنَّ اللهَ ليس له شريكُ (^١)
هذا النبات وهذا الكون كله يشهد بوجود الله -﷾-.
وذكر ابن المعتز عن أبي العتاهية أنه كتب:
أيا عجبَا كيف يُعصَى الإلـ … ـهُ أم كيف يجحدُهُ الجاحدُ!؟
ولله في كلِّ تحريكةٍ … وتسكينةٍ أبدًا شاهدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ … تدُلُّ على أنه واحدُ
فرأى هذه الأبيات أبو نواس فكتب:
سبحانَ منْ خَلَقَ الخَلْـ … ـــقَ مِنْ ضعيفٍ مَهينِ
فساقه مِنْ قرارٍ … إلى قرارٍ مَكينِ
يحول شيئًا فشيئًا … في الحجب دون العُيون (^٢)