وأَختِمُ معكم هذا المجلس بالتأمل في آية من كتاب الله -جل وعلا- فيها عظة واعتبار لما نحن فيه. يقول الله -﷾- في سورة الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ [الأحزاب].
هذه الآية فيها إخبار من الله -﷾- أنَّ المؤمنين لمّا رأوا البلاءَ الذي نزل بهم يوم الأحزاب واجتماعَ الناس على حربهم تذكَّرُوا قولَ الله -جل وعلا- لهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة]. فزادت الطمأنينة في قلوبهم، وزاد الإيمان عندهم مع اشتداد البلاء بهم، وهكذا هم أهل الإيمان. (^١) وقال الحسن البصري -رحمه الله تعالى- في قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ [الأحزاب]: "ما زادهم البلاء إلا إيمانًا بالربِّ وتسليمًا بالقضاء" (^٢).
وعن يزيد بن رومان -﵀- قال: "أي صبرًا على البلاء وتسليمًا للقضاء وتصديقًا
_________________
(١) تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (١٩/ ٥٩)
(٢) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٦/ ٥٨٥) ورواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥/ ١٠٢٣) رقم (١٧٣١) وفي سنده ضعف.
[ ١ / ٥٩ ]
بتحقيق ما كان الله وعدهم ورسوله" (^١).
هؤلاء قوم عرفوا أن الله لا يقول إلا حقًا، ولا يأتي عن الله إلا صدقا، عرفوا ذلك يقينًا، فلما رأوا البلاء عرفوا أنَّ ذلك خيرٌ لهم، فزادهم إيمانًا وتسليمًا لأمر الله وقضائه.
وبعض الناس ما زادهم البلاء إلا تسخطًا على الله -جل وعلا- وعلى شرعه وقدره.
ونحن في وقتٍ انتشر فيه البلاء، وعمَّ فيه الوباء، فنحتاج أن نتفكر، ونتأمل؛ فإنَّ الله -جل وعلا- لا يُقدِّر عليك -أيها المؤمن- إلا خيرًا.
قال النبي -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْضِي لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَه» (^٢).
وقَالَ -ﷺ-: «عَجِبْتُ مِنْ قَضَاءِ اللهِ -جل وعلا- لِلمُؤْمِنِ، إِنِ أصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ رَبَّهُ وَشَكَرَ، وَإِنِ أصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ حَمِدَ رَبَّهُ وَصَبَرَ، الْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِهِ» (^٣)
وفي صحيح مسلم عَنْ صُهَيْبٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^٤) وفي رواية: «وَكُلُّ قَضَاءِ اللهِ لِلْمُسْلِمِ خَيْرٌ» (^٥)
فحين يتأمل المسلم في هذا -وهو من جملة تأمله لأسماء الله وصفاته -جل وعلا- يعرف أن هذا السبيل هو الذي أمر به الله -﷾- ولا يعارض ذلك أن يذهب ويأخذ بالأسباب، فإن هذا مما أمر الله به، لكنه يُسلِّم لأمر الله، ويرضى ويدعو، ويتقرب إلى الله -جل وعلا- فيصبح هذا الوقتُ العصيبُ فرصةً عظيمة للإقبال على الله -جل وعلا- ودعائه والتفكر والتأمل في آلائه -﷾-.
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٠/ ٢٣٦).
(٢) أخرجه أحمد (١٢٩٠٦) من حديث أنس -﵁-.
(٣) أخرجه أحمد (١٤٨٧) من حديث سعد بن أبي وقاص -﵁-.
(٤) صحيح مسلم (٢٩٩٩)
(٥) مسند البزار (٢٠٨٨) والمعجم الكبير للطبراني (٨/ ٤٠) رقم (٧٣١٦) والمعجم الأوسط (٧٣٩٠) وشعب الإيمان للبيهقي (٩٤٧٦).
[ ١ / ٦٠ ]