إن مجمل قول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة هو أن الاستثناء في الإيمان جائز مشروع؛ لأن الإيمان عندهم شامل للاعتقادات والأقوال والأعمال، فإذا سئل أحدهم هذا السؤال استثنى في إيمانه مخافة عدم تكميل الأعمال التي بكمالها يكمل الإيمان فيقول أحدهم إذا أجاب أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو أو نحو ذلك.
وليس هذا منهم شكًا في أصل الإيمان معاذ الله. فهم أعلى وأرفع من ذلك، وإنما هو ترك لتزكية النفس والشهادة لها بتكميل الأعمال لهذا وقع منهم الاستثناء في الإيمان.
ولهم على ذلك دلائل وشواهد كثيرة من الكتاب والسنة يأتي ذكرها قريبًا وعلى هذا مضى مذهبهم واتفقت كلمتهم.
قال يحيى بن سعيد القطان: "ما أدركت أحدًا من أصحابنا ولا بلغنا إلا على الاستثناء"١.
وقال الوليد بن مسلم: "سمعت أبا عمرو يعني الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز ينكرون أن يقول أنا مؤمن ويأذنون في
_________________
(١) ١ رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٩٥)، وعبد الله في السنة (٩/٣١٠)، والآجري في الشريعة (ص ١٣٨)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٧١) .
[ ٤٦٣ ]
الاستثناء أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله"١.
وقال البيهقي: "وقد روينا هذا - يعني الاستثناء في الإيمان- عن جماعة من الصحابة والتابعين والسلف الصالح ﵃ أجمعين"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما مذهب سلف أصحاب الحديث كابن مسعود وأصحابه والثوري وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء أهل البصرة، وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة، فكانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواتر عنهم.. "٣.
وقال: "والمأثور عن الصحابة وأئمة التابعين وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث وهو المنسوب إلى أهل السنة أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنه يجوز الاستثناء فيه"٤.
وقال: "الاستثناء في الإيمان سنة عند أصحابنا وأكثر أهل السنة"٥، ومعنى قوله الاستثناء سنة أي: جائز، ردا على من نهى عنه وحرمه.
وسيأتي في مبحث مستقل، إن شاء الله نقل أقوال السلف وعباراتهم الدالة على ذلك والمبينة أن مذهبهم في الاستثناء هو أنه جائز مشروع.
وأما مأخذ السلف في الاستثناء، ووجه استثنائهم في الإيمان، فالمتأمل لأقوالهم الواردة في ذلك يجد أنهم عندما كانوا يستثنون
_________________
(١) ١ رواه عبد الله في السنة (١/ ٣٤٧)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٧٣) . ٢ شعب الإيمان للبيهقي (١/٢١٢) . ٣ الفتاوى (٧ / ٤٣٨، ٤٣٩) . ٤ الفتاوى (٧/ ٥٠٥) . ٥ الفتاوى (٧/ ٦٦٦) .
[ ٤٦٤ ]
يلحظون أمورًا أربعة - وإن كان في بعضها نوع تداخل يأتي التنبيه عليه في محله إن شاء الله - وهي:
١- أن الإيمان المطلق شامل لكل ما أمر الله به والبعد عن كل ما ينهى عنه، ولا يدعي أحد إنه جاء بذلك كله على التمام والكمال.
٢- أن الإيمان النافع هو المتقبل عند الله.
٣- البعد عن تزكية النفس، وليس هناك تزكية لها أعظم من التزكية بالإيمان.
٤- أن الاستثناء يكون في الأمور المتيقنة غير المشكوك فيها كما جاءت بذلك السنة.
فهذا مجمل الأمور التي كان يستثني من أجلها السلف في إيمانهم، وتفصيل هذه الأمور كما يلي:
١- فالمأخذ الأول:
للسلف في استثنائهم في الإيمان هو اعتبارهم أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين، القائمين بفعل جميع ما أمروا به وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله١. ولا يدعي مسلم عاقل هذا لنفسه.
لهذا كان السلف يستثنون مخافة واحتياطًا أن لا يكونوا كملوا الأعمال وأتوا بها على وجهها المطلوب، فقول أنا مؤمن عندهم كقول
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٤٤٦) .
[ ٤٦٥ ]
أنا ولي أو أنا تقي، ولا يجزم أحد أنه كمل مراتب التقوى وأتم مراتب الولاية إلا من خسف عقله وقل خوفه، فكذلك لا يجزم أنه كمل مراتب الإيمان وأتم درجاته، فعندئذ لزمه الاستثناء في إيمانه مخافة واحتياطًا.
فهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون في الإيمان لأن الإيمان عندهم قول وعمل؛ والقول كل يجزم أنه أتى به، وأما العمل فلا، إذ الناس متفاوتون في القيام به تفاوتًا عظيمًا، وأقوال السلف في هذا كثيرة.
قال الإمام أحمد: "أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان، لأن الإيمان قول وعمل، والعمل الفعل فقد جئنا بالقول ونخشى أن نكون قد فرطنا في العمل فيعجبني أن نستثني في الإيمان، بقول: أنا مؤمن إن شاء الله"١.
وقال: "لو كان القول كما تقول المرجئة أن الإيمان قول ثم استثنى بعد على القول لكان هذا قبيحًا أن تقول لا إله إلا الله إن شاء الله ولكن الاستثناء على العمل"٢.
وقال: "لا نجد بدًا من الاستثناء لأنه إذا قال أنا مؤمن فقد جاء بالقول، فإنما الاستثناء بالعمل لا بالقول"٣.
وقال له رجل: قيل لي أمؤمن أنت؟ قلت: نعم. هل علي في ذلك شيء هل الناس إلا مؤمن وكافر؟ فغضب أحمد وقال: هذا كلام
_________________
(١) ١ رواه الخلال في السنة (٣/٦٠٠)، وابن هانىء في مسائله (٢/١٦٢)، وذكره شيخ الإسلام، انظر الفتاوى (٧/٤٤٧) . ٢ رواه الخلال في السنة (٣/ ٦٠١) . ٣ رواه الخلال في السنة (٣/٥٩٧) .
[ ٤٦٦ ]
الإرجاء، قال الله ﷿: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ﴾ ١ من هؤلاء؟ ثم قال أحمد: أليس الإيمان قولًا وعملًا؟ فقال الرجل: بلى، قال فجئنا بالعمل؟ قال: لا. قال: كيف نعيب أن تقول إن شاء الله وتستثني٢؟
وعن الميموني أنه سأل أبا عبد الله عن قوله ورأيه في مزمن إن شاء الله. قال: أقول مؤمن إن شاء الله ومؤمن أرجو؛ لأنه لا يدري كيف أداؤه للأعمال على ما افترضت عليه أم لا٣.
وقال الإمام أحمد: "إنما نصير الاستثناء على العمل؛ لأن القول قد جئنا به"٤.
قال شيخ الإسلام بعد أن ذكر طائفة من هذه النقول: "ومثل هذا كثير في كلام أحمد وأمثاله "٥.
وقال محمد بن حسين الآجري: ".. هذا طريق الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان، عندهم إن الاستثناء في الأعمال، لا يكون في القول والتصديق بالقلب، وإنما الاستثناء في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان، والناس عندهم على الظاهر مؤمنون به يتوارثون، وبه يتناكحون، وبه تجري أحكام ملة الإسلام ولكن الاستثناء منهم على حسب ما بيناه لك، وبينه العلماء من قبلنا. روي في هذا سنن
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ١٠٦. ٢ رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٩٧)، وأبو داود في مسائله (ص ٢٧٣)، وبنحوه الآجري في الشريعة (ص ١٣٧) . ٣ رواه الخلال في السنة (٣/٦٠١) وذكره شيخ الإسلام الفتاوى (٧/ ٤٤٨)، وانظر تعليق شيخ الإسلام عليه. ٤ رواه عبد الله في السنة (١/٣٠٨) . ٥ الفتاوى (٧/ ٤٤٨) .
[ ٤٦٧ ]
كثيرة"١.
٢- وأما المأخذ الثاني:
فهو الاستثناء بالنظر إلى تقبل الأعمال من الله تعالى، إذ إن من قام بالعمل وأتى به لا يدري هل تقبل منه عمله أو لا؟
قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ ٢.
وقد سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ عن هؤلاء فقالت: يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر، ويخاف أن يعذب؟ قال: "لا، يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه" ٣.
وهكذا كان دأب السلف الصالح من صحابة وتابعين، يقومون بالأعمال الكثيرة الجليلة، ثم يخافون ألا نكون قد تقلبت منهم.
قال ابن بطة العكبري: "فهذه سبيل المؤمنين وطريق العقلاء من العلماء لزوم الاستثناء والخوف والرجاء لا يدرون كيف أحوالهم عند الله ولا كيف أعمالهم أمقبولة هي أم مرودة، قال الله ﷿: ﴿إنما
_________________
(١) ١ الشريعة للآجري (ص ١٣٦) . ٢ سورة المؤمنون، الآية:٦٠. ٣ رواه الحميدي في مسنده (١/١٣٢)، وأحمد (٦/١٥٩، ٢٠٥)، والترمذي (٥/ ٣٢٧)، وابن ماجه (٢/١٤٠٤)، والحاكم (٢/ ٣٩٣) وقال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وصححه الألباني انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/٢٥٥) .
[ ٤٦٨ ]
يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ١ وأخبر عن عبده الصالح سليمان ﵇ في مسألته إياه ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ ٢.
أفلا تراه كيف يسأل الله الرضا منه بالعمل الصالح لأنه قد علم أن الأعمال ليست بنافعة وإن كانت في منظر العين صالحة إلا أن يكون الله: ﷿ قد رضيها وقبلها، فهل يجوز لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجزم أن أعماله الصالحة من أفعال الخير وأعمال البر كلها مرضية وعنده زكية ولديه مقبولة، هذا لا يقدر على حتمه وجزمه إلا جاهل مغتر بالله، نعوذ بالله من الغرة بالله والإصرار على معصية الله.
أما ترون رحمكم الله إلى الرجل من المسلمين قد صلى الصلاة فأتمها وأكملها وربما كانت في جماعة وفي وقتها وعلى تمام طهارتها فيقال له: صليت فيقول: قد صليت إن قبلها الله، وكذلك القوم يصومون شهر رمضان فيقولون في آخره صمنا إن كان الله قد تقبله منا، وكذلك يقول من قدم من حجه بعد فراغه من حجه وعمرته، وقضاء جميع مناسكه إذا سئل عن حجه إنما يقول قد حججنا ما بقي غير القبول، وكذلك دعاء الناس لأنفسهم ودعاء بعضهم لبعض: اللهم تقبل صومنا وصلاتنا وزكاتنا، وبذلك يلقى الحاج فيقال له قبل الله حجك وزكى عملك، وكذا يتلاقى الناس عند انقضاء شهر رمضان فيقول بعضهم لبعض قبل الله منا ومنك.
بهذا مضت سنة المسلمين وعليه جرت عادتهم وأخذه خلفهم عن
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية: ٢٧. ٢ سورة النمل، الآية: ١٩.
[ ٤٦٩ ]
سلفهم فليس يخالف الاستثناء في الإيمان ويأبى قبوله إلا رجل خبيث مرجيء ضال قد استحوذ الشيطان على قلبه نعوذ بالله منه"١.
وقال شيخ الإسلام: "وخوف من خاف من السلف أن لا يتقبل منه، لخوفه أن لا يكون أتى بالعمل على وجهه المأمور، وهذا أظهر الوجوه في استثناء من استثنى منهم في الإيمان وفي أعمال الإيمان كقول أحدهم أنا مؤمن إن شاء الله، وصليت إن شاء الله، لخوف أن لا يكون أتى بالواجب على الوجه المأمور به، لا على جهة الشك فيما بقلبه من التصديق"٢.
وسئل ابن المبارك فقيل له. إن قومًا يقولون: إن سفيان الثوري حين كان يقول إن شاء الله كان ذاك منه شك، فقال ابن المبارك: أترى سفيان كان يسبقني في وحدانية الرب أو في محمد ﷺ إنما كان استثناؤه في قبول إيمانه وما هو عند الله٣.
وقد نقل الإمام أحمد عن سليمان بن حرب أنه كان يستثني ويحمل هذا على التقبل يقول نحن نعمل، ولا ندري يتقبل منا أو لا٤؟
فهذا وجه من أوجه الاستثناء عند السلف الصالح وهو النظر إلى التقبل، وهو في الحقيقة عند التأمل يعود إلى الوجه الأول، وهو النظر إلى الأعمال وتكميلها؟ لأن القبول متعلق بالإتيان بالأعمال على الوجه المطلوب، فمن كان عمله كذلك قبل منه.
_________________
(١) ١ الإبانة لابن بطة (٢/ ٨٧٢، ٨٧٣) . ٢ الفتاوى (٧/ ٤٩٦)، وانظر السلسلة الصحيحة للألباني (١/ ٢٥٧) . ٣ رواه إسحاق بن راهوية في مسنده (٣/٦٧٠) . ٤ رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٩٧)، وابن بطة في الإبانة (٢/٨٧٣) .
[ ٤٧٠ ]
لذا يقول شيخ الإسلام عقب ذكره لأثر سليمان بن حرب المتقدم: "والقبول متعلق بفعله كما أمر. فكل من اتقى الله في عمله، ففعله كما أمر فقد تقبل منه لكن هو لا يجزم بالقبول، لعدم جزمه بكمال الفعل"١ ثم ذكر حديث عائشة المتقدم.
٣- المأخذ الثالث:
في الاستثناء عند السلف، هو البعد عن تزكية النفس٢. وليس هناك تزكية للنفس وراء الشهادة لها بالإيمان، الذي قال الله في وصف أهله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٣.
فمن قال عن نفسه إنه مؤمن فقد زكاها بأعظم تزكية ونعتها بأكمل الصفات وأجملها، والله قد نهى عن ذلك في محكم تنزيله، قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٤.
قال الحسن في معنى الآية: "علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة، فلا تزكوا أنفسكم فلا تبرئوها عن الآثام ولا تمدحوها بحسن أعمالها"٥.
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/٤٤٧) . ٢ انظر الفتاوى (٧/٦٦٨) . ٣ سورة الأنفال، الآية: ٢، ٣، ٤. ٤ سورة النجم، الآية: ٣٢. ٥ تفسير البغوي (٤/٢٥٣) .
[ ٤٧١ ]
فإذا علم أن الله قد نهى عباده عن الثناء على أنفسهم وتزكيتها، فأي وصف وثناء أبلغ من الثناء عليها بالإيمان وأي تزكية أعظم من هذا، يقول الخليل النحوي: "إذا قلت إني مؤمن فأي شيء بقي"١.
ومن لطيف ما روي في هذا أن أعرابيًا سئل أمؤمن أنت، فقال: "أزكي نفسي"٢. وتأمل كيف وفق هذا الأعرابي بفطرته السليمة إلى هذا الفقه المسدد، الذي لا يتهيأ مثله لمن شغل أوقاته بالفلسفات الكلامية والآراء المنطقية، التي هي أشد ما يكون خطرًا على الإيمان والفطر.
فينبغي للعقلاء أهل الإيمان أن يتجنبوا قول ما فيه تزكية نفوسهم، كما قال ابن بطة ﵀ في ذكر بعض أوصاف أهل الإيمان: "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن من شأن المؤمنين وصفاتهم وجود الإيمان فيهم، ودوام الإشفاق على إيمانهم، وشدة الحذر على أديانهم، فقلوبهم وجلة من خوف السلب، قد أحاط بهم الوجل، لا يدرون ما الله صانع بهم في بقية أعمارهم، حذرين من التزكية، متبعين لما أمرهم به مولاهم الكريم حين يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٣ " ٤.
فهذا مأخذ ثالث للسلف في الاستثناء، يستثنون مخافة تزكية النفس، فكلمة مؤمن تعدل عندهم كلمة بر وتقي ومن أهل الجنة.
قال شيخ الإسلام: "فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا
_________________
(١) ١ رواه الخلال في السنة (٣/٥٦٨) وعبد الله في السنة (١/ ٣١٦)، واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٦١) . ٢ رواه اللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/١٠٠٧) من طريق الأصمعي وسليمان بن حرب عن حماد، وقال في آخره سليمان: "وكان حماد يعجبه قوله". ٣ سورة النجم، الآية: ٣٢. ٤ الإبانة لابن بطه (٢/ ٨٦٢) .
[ ٤٧٢ ]
يصبح جنبًا يصوم؟ فقال: "إني لأفعل ذلك ثم أصوم " فقال: إنك لست مثلنا أنت قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك، فقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله" ١ وهذا كثير وأشباهه على اليقين.
ودخل عليه شيخ فسأله عن الإيمان فقال: قول وعمل، فقال له يزيد قال: يزيد وينقص. فقال له: أقول مؤمن إن شاء الله؟ قال نعم، فقال له: إنهم يقولون لي: إنك شاك. قال بئس ما قالوا. ثم خرج فقال: ردوه، فقال: أليس يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قال: نعم. قال هؤلاء مستثنون، قال له: كيف يا أبا عبد الله؟ قال قل لهم زعمتم أن الإيمان قول وعمل، فالقول قد أتيتم به، والعمل فلم تأتوا به، فهذا الاستثناء لهذا العمل، فقيل له: فيستثنى في الإيمان قال: نعم أقول: أنا مؤمن إن الله شاء الله، استثني على اليقين لا على الشك، ثم قال: قال الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٢ فقد علم ﵎ أنهم داخلون المسجد الحرام٣.
قال شيخ الإسلام معلقًا على كلام أحمد هذا منبهًا على ما فيه من فوائد: "فقد بيّن أحمد في كلامه أنه يستثني مع تيقنه بما هو الآن موجود فيه، يقوله بلسانه وقلبه لا يشك في ذلك، ويستثنى لكون العمل من الإيمان وهو لا يتيقن أنه أكمله بل يشك في ذلك، فنفى الشك وأثبت اليقين فيما يتيقنه من نفسه وأثبت الشك فيما لا يعلم وجوده، وبين أن الاستثناء مستحب
_________________
(١) ١ رواه مسلم في صحيحه (٢/٧٧٩) عن عمر بن أبي سلمة ﵁ وهو صاحب المسألة. ٢ سورة الفتح، الآية: ٢٧. ٣ رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٩٥، ٥٩٦) .
[ ٤٧٤ ]
لهذا الثاني الذي لا يعلم هل أتى به أم لا، وهو جائز أيضًا لما يتيقنه، فلو استثنى لنفس الموجود في قلبه جاز كقول النبي ﷺ: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله"وهذا أمر موجود في الحال ليس بمستقبل وهو أخشانا،
فإنه لا يرجو أن يصير أخشانا لله، بل هو يرجو أن يكون حين هذا القول أخشانا لله، كما يرجو المؤمن إذا عمل عملًا أن يكون الله تقبله منه ويخاف أن لا يكون تقبله منه"١.
وعن محمد بن الحسن بن هارون قال: سألت أبا عبد الله عن الاستثناء في الإيمان؟ فقال: نعم الاستثناء على غير معنى شك مخافةً واحتياطًا للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره وهو مذهب الثوري، قال الله ﷿ ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٢، وقال النبي ﷺ لأصحابه: "إني لأرجو أن كون أتقاكم لله" ٣ وقال في البقيع: "عليه تبعث إن شاء الله" ٤.
قال شيخ الإسلام موضحًا كلام الأمام أحمد هذا: "فقد بين أحمد أنه يستثني مخافةً واحتياطًا للعمل، فإنه يخاف أن لا يكون قد كمل المأمور به، فيحتاط بالاستثناء وقال على غير معنى شك يعني من غير شك مما يعلمه الإنسان من نفسه، وإلا فهو يشك في تكميل العمل الذي خاف أن لا يكون كمله، فيخاف من نقصه ولا يشك في أصله"٥.
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٤٥٢) . ٢ سورة الفتح، الآية: ٢٧. ٣ تقدم تخريجه قريبًا. ٤ رواه الخلال في السنة (٣/٥٩٣)، وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/٢٨٩) . ٥ الفتاوى (٧/ ٤٥٠) .
[ ٤٧٥ ]
وقال الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله يقول إذا قال أني مؤمن إن شاء الله ليس هو بشاك، قيل له: إن شاء الله ليس هو شكًا؟ قال معاذ الله أليس قد قال الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ وفي علمه أنهم يدخلون، وصاحب القبر إذ قال: "عليه تبعث إن شاء الله"فأي شك ها هنا وقال النبي ﷺ: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" ١.
وقال حرب بن إسماعيل سمعت أحمد يقول في التسليم على أهل القبور أنه قال: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون"٢ قال: هذا حجة في الاستثناء في الإيمان؟ لأنه لابد من لحوقهم ليس فيه شك وقال الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٣ وهذه حجة أيضًا لأنه لا بد داخلوه٤.
وقال أبو بكر الأثرم سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن الاستثناء في الإيمان ما تقول فيه؟ قال: أما أنا فلا أعيبه، قال أبو عبد الله إذا كان تقول أن الإيمان قول وعمل فاستثني مخافةً واحتياطًا، ليس كما يقولون على الشك، إنما يستثنى للعمل، قال الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٥ فهذا استثناء بغير شك، وقال النبي ﷺ: "إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله ﷿" ٦ قال: هذا كله
_________________
(١) ١ رواه ابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٧٤)، والآجري في الشريعة (ص ١٣٨) . ٢ تقدم تخريجه قريبًا. ٣ سورة الفتح، الآية: ٢٧. ٤ رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٩٥) . ٥ سورة الفتح، الآية: ٢٧. ٦ تقدم تخريجه قريبًا.
[ ٤٧٦ ]
تقوية للاستثناء في الإيمان١.
وقال المروذي قيل لأبي عبد الله إن استثنيت في إيماني أكن شاكًا؟ قال: لا٢.
وقال حماد بن زيد: "يسموننا الشكاك والله ما شككنا في ديننا قط، ولكن جاءت أشياء، أليس ذكر أن اليسير من الرياء شرك، فأينا لم يراء؟ "٣.
فبهذه النقول الجليلة والأقوال الجميلة يندفع عن أهل السنة والجماعة شناعة المشنعين من أهل البدع والأهواء بأنهم شكاك، وحاشاهم ﵏، بل هم أهل دين وورع وعلم ويقين.
وبعد، فهذه وجوه أربعة من أجلها استثنى من استثنى من السلف في إيمانه وملخص هذه الوجوه ما ذكره شيخ الإسلام بقوله: "فإذا كان مقصوده - أي المستثنى في إيمانه - إني لا أعلم أني قائم بكل ما أوجب الله علي، وأنه يقبل أعمالي، ليس مقصوده الشك فيما في قلبه فهذا استثناؤه حسن، وقصده أن لا يزكي نفسه، وأن لا يقطع بأنه عمل عملًا كما أمر فقبل منه، والذنوب كثيرة والنفاق مخوف على عامة الناس"٤. فجمع ﵀ في كلمته هذه الجامعة الوجوه الأربعة التي كان ليحظها السلف عند استثنائهم في الإيمان.
وعلى كل فهذا ما كان يستثنى السلف لأجله في إيمانهم ولم يكن احد
_________________
(١) ١ رواه الآجري في الشريعة (ص ١٣٧)، وذكره شيخ الإسلام في الفتاوى (٧/٢٥٤) ٢ رواه ابن بطة في الإبانة (٢/ ٩٥٥) . ٣ رواه عبد الله في السنة (١/٣٤٧) . ٤ الفتاوى (١٣/٤١) .
[ ٤٧٧ ]
من السلف يستثني في إيمانه بحسب الموافاة كما يظنه بعض أهل الأهواء بل هذا من الغلط عليهم، وفي بيان سبب هذا الغلط يقول شيخ الإسلام: "فهؤلاء لما اشتهر عندهم عن السلف أنهم يستثنون في الإيمان، ورأوا أن هذا لا يمكن إلا إذا جعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه، وهو ما يوافي به العبد ربه، ظنوا أن الإيمان عند السلف هو هذا، فصاروا يحكون هذا عن السلف، وهذا القول لم يقل به أحد عن السلف، ولكن هؤلاء حكوه عنهم بحسب ظنهم، لما رأوا أن قولهم لا يتوجه إلا على هذا الأصل "١.
وسيأتي مناقشة هؤلاء في قولهم عند ذكر مذهبهم إيجاب الاستثناء في الإيمان بحسب الموافاة، إذ المقصود هنا بيان قول السلف ومأخذهم في الإيمان.
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/٤٣٦) .
[ ٤٧٨ ]