أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من السنة
لقد ثبت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة فيها دلالة ظاهرة على زيادة الإيمان ونقصانه، بل إن بعضها فيه التصريح بذلك.
وفي هذا المبحث أورد بعض ما جاء عنه ﷺ مما يدل على ذلك إما تصريحًا أو تضمنًا، مع بيان وجه دلالته، وأتبع ذلك بذكر بعض أقوال أهل العلم ممن احتج بهذه الأحاديث على الزيادة والنقصان.
وليعلم قبل مطالعة هذه الأدلة أن كل دليل على زيادة الإيمان فهو دليل على نقصانه، وكذا العكس، لأن الزيادة تستلزم النقص ولأن قبول الشيء للزيادة دليل على قبوله للنقص، وقد سبق التنبيه على هذا في صدر المبحث الأول بأوسع من هنا فليراجع.
وفيما يلي أورد أدلة من السنة على زيادة الإيمان ونقصانه مستمدًا العون من الله وحده:
١- حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:"لا
يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن) ١.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٥/١١٩، ١٠/ ٣٠، ١٢/٥٨، ١٢/ ١٤ فتح)، ومسلم (٢/٤١ نووي) .
[ ٦٧ ]
فالمراد بهذا الحديث نفي كمال الإيمان الواجب عمن اقترف هذه المعاصي وأنه"لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره، كما يقال لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة، ومما يدل على هذا التأويل حديث أبي ذر وغيره:"من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق" ١، وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه ﷺ على ألا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا، إلى آخره، ثم قال:"فمن وفى فأجره على الله ومن فعل شيئًا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه" ٢.
فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣، مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولًا، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة"٤.
_________________
(١) ١ رواه البخاري (١٠/٢٨٣ فتح) ومسلم (١/٩٥) . ٢ رواه البخاري (١/ ٦٤ فتح) ومسلم (٣/١٣٣٣) . ٣ سورة النساء، الآيتان: ٤٨، ١١٦. ٤ شرح مسلم للنووي (٢/٤١) بتصرف يسير، وانظر شعب الإيمان للبيهقي (١/١٧٩) ومنهاج السنة لابن تيمية (٥/٢٩٧) والفتاوى (١١/٦٥٣، ٦٥٤)، ومجموعة الرسائل والمسائل (٣/ ٣٤٢)، والرد على الأخنائي (ص ٣١٦) .
[ ٦٨ ]
قال ابن عبد البر١ بعد أن ذكر حديث أبي هريرة:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" وبين أن مراد النبي ﷺ بقوله وهو مؤمن: أي مستكمل الإيمان، قال:"ولم يرد نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك، بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر إذا صلوا للقبلة وانتحلوا دعوة الإسلام من قرابتهم المؤمنين الذين آمنوا بتلك الأحوال.
وفي إجماعهم على ذلك مع إجماعهم على أن الكافر لا يرث المسلم أوضح الدلائل على صحة قولنا: إن مرتكب الذنوب ناقص الإيمان بفعله ذلك، وليس بكافر كما زعمت الخوارج في تكفيرهم المذنبين"٢.
ودلالة الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه ظاهرة مما- تقدم، فالمؤمن قد يرتكب هذه المعاصي فينقص إيمانه فيكون مؤمنًا ناقص الإيمان، معه مطلق الإيمان وانتفى عنه الإيمان المطلق، فإذا تاب وأقلع عن هذه المعاصي زاد إيمانه. وقد احتج جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه، منهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀.
قال إسحاق بن إبراهيم٣: سألت أبا عبد الله عن الإيمان ونقصانه
_________________
(١) ١ هو الإمام العلامة حافظ المغرب شيخ الإسلام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي القرطبي المالكي صاحب التصانيف الفائقة توفي سنة ثلاث وستين وأربع مائة انظر ترجمته في السير للذهبي (١٨/١٥٣) . ٢ التمهيد لابن عبد البر (٩/٢٤٣) وانظر تهذيب الآثار للطبري السفر الثاني (ص ٦٥٠) وجامع العلوم والحكم لابن رجب (ص ٢٧) . ٣ هو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم النيسابوري، خدم الإمام أحمد وهو ابن تسع سنين، وكان دينًا ورعًا، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة توفي في بغداد سنة خمس وسبعين ومائتين انظر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/١٠٨) وسير أعلام النبلاء للذهبي (١٣/١٩) .
[ ٦٩ ]
قال: نقصانه قول النبي ﷺ "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن" ١.
وقال المروذي٢: سمعت أبا عبد الله يقول:."الإيمان قول وعمل يزبد وينقص وقال: الزيادة من العمل، وذكر النقصان إذا زنى وسرق٣.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت أبي ﵀ وسئل عن الإرجاء فقال: نحن نقول الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص إذا زنى وضرب الخمر نقص إيمانه٤.
وممن احتج به أبو داود فقد خرّجه في سننه في باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه٥ وقال ابن القيم ﵀ في تهذيبه للسنن بعد أن أضاف إلى هذا الحديث جملة من الأحاديث الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه:"وكل هذه النصوص صحيحة صريحة لا تحتمل التأويل في أن
_________________
(١) ١ رواه الخلال في السنة (برقم: ١٥٤٥) وابن هاني في مسائله (٢/ ١٦٤)، وأما الحديث فقد تقدم تخريجه. ٢ هو الإمام المحدث شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروذي، صاحب الإمام أحمد كان إمامًا في السنة شديد الإتباع، له جلالة عجيبة ببغداد، روى عن الإمام أحمد مسائل كنيرة توفي سنة خمس وسبعين ومائتين انظر سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٧٥) . ٣ رواه الخلال في السنة (برقم: ١٠٣٥) وابن بطة في الإنابة (برقم: ١٠٤٥) . ٤ السنة لعبد الله (١/٣٠٧) . ٥ سنن أبي داود (٤/ ٢٢١) .
[ ٧٠ ]
نفس الإيمان القائم بالقلب يقبل الزيادة والنقصان"١.
واحتج به البيهقي فقد أخرجه في باب القول في زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهل الإيمان في إيمانهم من كتابه الشعب ثم قال بعده:"وإنما أراد- والله تعالى أعلم-"وهو مؤمن"مطلق الإيمان، لكنه ناقص الإيمان بما ارتكب من الكبيرة، وترك الانزجار عنها، ولا يوجب ذلك تكفيرًا بالله ﷿.."٢واحتج به الخلال٣ والآجري٤ وابن بطة٥ وابن مندة٦ وغيرهم من أهل العلم.
٢- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" ٧.
ففي هذا الحديث"بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء، له أعلى وأدنى، فالاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق- بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبها وتستوفي جملة أجزائها، كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها"٨.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن لابن القيم (٧/ ٥٥، ٥٦) بهامش مختصر السنن للمنذري. ٢ شعب الإيمان للبيهقي (١/١٧٩) . ٣ في السنة (٢/٦٩٣) . ٤ في الشريعة (ص ١١٣) . ٥ في الإبانة (٢/ ٧٤١) . ٦ في الإيمان (٢/ ٥٧٤) . ٧ أخرجه البخاري (١/ ٥١ فتح) ومسلم (٢/ ٦ نوري) وهذا لفظ مسلم. ٨ معالم السنن لخطابي (٧/٤٣،٤٤) .
[ ٧١ ]
وهذه الشعب متفاوتة ليست على درجة واحدة في الفضل، بل بعضها أفضل من بعض، كما هو ظاهر لفظ الحديث في قوله:"أعلاها "وقوله:"أدناها"، فشعب الإيمان منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعًا كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعًا كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتًا عظيمًا منها ما يقرب من شعبة الشهادتين، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى"١.
وجميع هذه الشعب والخصال متفرعة، إما عن أعمال القلب، أو أعمال اللسان أو أعمال الجوارح، ونصيب العبد من الإيمان بحسب نصيبه من هذه الشعب قلة وكثرة، قوة وضعفًا، تكميلًا وتقصيرًا، تمامًا ونقصًا، ولا شك أن الناس متفاوتون في ذلك تفاوتًا عظيمًا فقيامهم بهذه الشعب والخصال ليس على درجة واحدة، بل بعضهم أكمل من بعض، فمنهم المحسن ومنهم المسيء، فهذا من أوضح الدلائل على زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل أهله فيه.
وقد استدل به الترمذي على زيادة الإيمان ونقصانه، فخرجه في باب"ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه"، من سننه٢.
وبوب له ابن حبان في صحيحه بقوله:"ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص"٣ثم ذكر حديث أبي هريرة.
وقال ابن مندة بعد ذكره لحديث الشعب في كتابه الإيمان:"والعباد
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص ٣٢٢) . ٢ السنن (٥/١٠) . ٣ انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان لابن بلبان (١/ ١٩٤) .
[ ٧٢ ]
يتفاضلون في الإيمان على قدر تعظيم الله في القلوب والإجلال له والمراقبة لله في السر والعلانية، وترك اعتقاد المعاصي، فمنها قيل الإيمان يزيد وينقص"١.
وقال الخطابي:"وفي هذا الباب إثبات التفاضل في الإيمان، وتباين المؤمنين في درجاته"٢.
وقال صديق حسن خان بعد أن ذكر حديث الشعب:"وفي هذا دليل على أن الإيمان فيه أعلى وأدنى وإذا كان كذلك كان قابلًا للزيادة والنقصان"٣.
وقال الشيخ العلامة ابن سعدي بعد ذكره لحديث أبي هريرة:"وهذا صريح في أن الإيمان يزيد وينقص بحسب زيادة هذه الشرائع والشعب، واتصاف العبد بها أو عدمه، ومن المعلوم أن الناس يتفاوتون فيها تفاوتًا كثيرًا، فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فقد خالف الحس، مع مخالفته لنصوص الشرع كما ترى"٤.
وقال الشيخ الهراس في شرحه للواسطية:"ومن ذهب إلى أن الإيمان غير قابل للزيادة أو النقصان فهو محجوج بقوله ﷺ "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" فالإيمان المطلق مركب من الأقوال والأعمال والاعتقادات، فهي ليست كلها بدرجة
_________________
(١) ١ الإيمان (١/ ٣٠٠) . ٢ معالم السنن (٧/ ٤٤) وانظر أعلام الحديث له (١/ ١٤٤) والإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (١/ ١٩٢) . ٣ فتح البيان في مقاصد القرآن (٤/ ٦) . ٤ التوضيح والبيان لشجرة الإيمان (ص ١٤) .
[ ٧٣ ]
واحدة"١.
ثم إن في الحديث دلالة أخرى على زيادة الإيمان ونقصانه، وذلك بجعل النبي ﷺ في هذا الحديث، الحياء من الإيمان، ومن المعلوم المسلم به عظم اختلاف الناس في القيام بهذه الخصلة وتفاوتهم فيها، لذا قال ابن حبان في صحيحه بعد أن ذكر الحديث:" فمن الناس من يكثر ذلك فيه"أي الحياء"، ومنهم من يقل ذلك فيه، وهذا دليل صحيح على زيادة الإيمان ونقصانه، لأن الناس ليسوا كلهم على مرتبة واحدة في الحياء، فلما استحال استواؤهم على مرتبة واحدة فيه صح أن من وجد فيه أكثر كان إيمانه أزيد، ومن وجد فيه منه أقل كان إيمانه أنقص"٢.
ومما يدل على تفاضل الناس في الحياء قوله ﷺ في حديث آخر "الحياء من الإيمان وأحيا أمتى عثمان" ٣.
قلت: وفي هذا أيضًا أبين دلالة على أن الزيادة والنقصان في الإيمان كما أنها شاملة لأعمال الجوارح الظاهرة فهي كذلك شاملة لأعمال القلوب الباطنة.
٣- حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"لا إيمان لمن لا أمانة له" ٤.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الواسطية (ص ١٤٩) بتصرف. ٢ انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان لابن بلبان (١/ ١٩٤، ١٩٥) . ٣ أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في الجامع الصغير للسيوطي (١٥٣/١) وصححه الألباني انظر السلسلة الصحيحة (٤/ ٤٤٢) . ٤ أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه (١١/١١) وفي الإيمان (ص ٥) وابن حبان في صحيحه (١/ ٢٠٨ الإحسان) والبغوي في شرح السنة (١/ ٧٥) وقال البغوي:"هذا حديث حسن وصححه الألباني في تحقيقه للإيمان لابن أبي شيبة.
[ ٧٤ ]
فهذا الحديث دليل على أن من لا أمانة له، فقد نقص فيه شيء من واجبات هذا الدين، فيذهب عنه كمال الإيمان الواجب وتمامه، ويكون بذلك مؤمنًا ناقص الإيمان١.
يوضح الاستدلال بهذا الحديث ويبينه ما جاء عن عروة بن الزبير ﵀ أنه قال:"ما نقصت أمانة عبد قط إلا نقص إيمانه"٢، فنقص الأمانة في العبد دليل على نقص الإيمان وضعفه فيه
ولهذا لما سئل الإمام أحمد ﵀ مرة عن نقصان الإيمان احتج بهذا، قال الفضل بن زياد٣ سمعت أبا عبد الله وسئل عن نقص الإيمان فقال: حدثنا وكيع عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه قال:"ما انتقصت أمانة رجل إلا نقص إيمانه"٤.
وقاد الشيخ عبد الرحمن بن حسن حفيد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵏:"إذا عرفت أن كلًا من الأعمال الظاهرة والباطنة من مسمى الإيمان شرعًا، فكل ما نقص من الأعمال التي لا يخرج نقصها
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (١١/٦٥٣) . ٢ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ١٢) وفي الإيمان (ص ٦)، وعبد الله في السنة (١/٣٦٨) والخلال في السنة (ق ١٥٩/ ب) والآجري في الشريعة (ص ١١٨) والبيهقي في الشعب (١/١٩٧) وابن بطة في الإبانة (برقم:١١٤٧) . ٣ هو أبو العباس الفضل بن زياد القطان البغدادي، كان من المتقدمين عند أبي عبد الله، وكان أبو عبد الله يعرف قدره ويكرمه روى عن الإمام مسائل كثيرة جياد، وحدث عنه جماعة انظر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/٢٥١) . ٤ رواه الخلال في السنة (برقم: ٧٨٩) والآجري في الشريعة (ص ١١٨) وابن بطة في الإبانة (برقم ١١٤٨) .
[ ٧٥ ]
من الإسلام فهو نقص قي كمال الإيمان الواجب كما في قوله ﷺ "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" فالمنفي في هذا الحديث كمال الإيمان الواجب، فلا يطلق الإيمان على مثل أهل هذه الأعمال إلا مقيدًا بالمعصية أو بالفسوق، فيقال مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته"١.
٤- حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير وبخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير" ٢.
فهذا الحديث، ومثله حديث الشفاعة الطويل٣ ونحوهما من الأحاديث الدالة على أن القائلين"لا إله إلا الله"متفاوتون في إيمانهم، وأن منهم من يدخل النار بتفريطه وتقصيره في الطاعة إلا أنه لا يخلد فيها لوجود أصل الإيمان معه، فيها دلالة واضحة على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهل الإيمان فيه.
فلا يسوى في الإيمان بين من منعه إيمانه من دخول النار كلية، وبين من لم يمنعه إيمانه من دخولها لتفريطه وكثرة معاصيه، وكذلك لا يسوى بين من استوجبت له معاصيه أن يمكث فترة قصيرة في النار، وبين من استوجبت له أن يمكث فترة أطول.
_________________
(١) ١ الدرر السنية (١/ ١٦٢، ١٦٣) ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٢/ ٣، ٤) بتصرف. ٢ أخرجه البخاري (١/ ١٥٣ فتح) ومسلم (٣/ ٥٩ نووي) . ٣ أخرجه البخاري (١٣/ ٤٧٣ فتح) ومسلم (١/١٨٢) عن أنى بن مالك ﵁.
[ ٧٦ ]
فالحديث من أظهر الأدلة وأوضحها على زيادة الإيمان ونقصانه، وهو أحد أدلة أهل السنة والجماعة الكثيرة على زيادة الإيمان ونقصانه.
قال أبو بكر الأثرم١: قيل لأبي عبد الله: فنقول الإيمان يزيد وينقص فقال:"حديث النبي ﷺ يدل على ذلك قوله"أخرجوا من في قلبه كذا، أخرجوا من كان في قلبه"فهذا يدل على ذلك"٢.
وقال عبد الملك بن عبد الحميد٣ سمعت أبا عبد الله: ذكر نقصان الإيمان واستدل له بحديث:" يخرج من النار من في قلبه حبة" وحديث:"لا يزنى الزاني" ٤.
وقد احتج البخاري في جامعه الصحيح بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه، فخرجه في"باب زيادة الإيمان ونقصانه من كتاب الإيمان٥.
_________________
(١) ١ هو الإمام الجليل الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن هانىء الطائي الأثرم الاسكافي، نقل مسائل كثيرة عن الإمام أحمد وبوبها ورتبها، توفي في سنة إحدى وستين ومائتين أو في حدودها انظر ترجمته في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٦٦) والعبر للذهبي (١/٣٧٤) . ٢ رواه الخلال في السنة (برقم: ١٠٤١) وذكره شيخ الإسلام في كتابه الإيمان (ص ٢٤٢) . ٣ هو الإمام العلامة الحافظ الفقيه أبو الحسن عبد الملك بن عبد الحميد بن شيخ الجزيرة ميمون بن مهران الميموني الرقي، تلميذ الإمام أحمد، ومن كبار الأئمة، كان عالم الرقة ومفتيها في زمانه، توفي سنة أربع وسبعين ومائتين. انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (١٣/٨٩) . ٤ رواه الخلال في السنة (برقم: ١٠٤٦) ونقلته منه بمعناه. ٥ صحيح البخاري (١/١٠٣ فتح) .
[ ٧٧ ]
وكذلك احتج به ابن خزيمة في كتابه التوحيد حيث قال:"باب ذكر الأخبار المصرحة عن النبي ﷺ أنه قال إنما يخرج من النار من كان في قلبه في الدنيا إيمان دون من لم يكن في قلبه في الدنيا إيمان ممن كان يقر بلسانه بالتوحيد خاليًا من الإيمان مع البيان الواضح أن الناس يتفاضلون في إيمان القلب، ضد قول من زعم من غالية المرجئة أن الإيمان لا يكون في القلب، وخلاف قول من زعم من غير المرجئة أن الناس إنما يتفاضلون في إيمان الجوارح الذي هو كسب الأبدان فإنهم زعموا أنهم متساوون في إيمان القلب الذي هو التصديق وإيمان اللسان الذي هو الإقرار "١.
ثم أورد بعض الأحاديث في الباب، منها حديث أنس بن مالك ﵁.
وقال البيهقي بعد أن ذكر الحديث وغيره محتجًا بها على زيادة الإيمان ونقصانه:"والأحاديث في أن الإيمان يزيد وينقص سوى ما ذكرنا كثيرة"٢.
وقال أبو حامد الغزالي"وقد ظهر أن ما قاله السلف من زيادة الإيمان ونقصانه حق، وكيف لا وفي الأخبار"أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"وفي بعض المواضع في خبر آخر"مثقال دينار"فأي معنى لاختلاف مقاديره إن كان ما في القلب لا يتفاوت"٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:" وأما الصحابة وأهل السنة والحديث فقالوا: إنه يزيد وينقص، كما قال النبي ﷺ:"يخرج من النار
_________________
(١) ١ التوحيد (ص ٢٩٣، ٢٩٤) . ٢ الاعتقاد (ص ١١٩) . ٣ الاحياء (١/٢١٣) .
[ ٧٨ ]
من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان" ١.
واحتج به الذهبي في السير٢ وابن القيم كما في تهذيبه لسنن أبي داود٣.
وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم بعد هذا الحديث:"وفي هذا الحديث دلالة لمذهب السلف وأهل السنة ومن وافقهم من المتكلمين في أن الإيمان يزيد وينقص، ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة"٤.
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀:"قوله سبحانه في الحديث"أخرجوا من النار من في قلبه مثقال ذرة"إلى آخره، يوافق ما ذكرناه٥ فإن الإيمان أعلى من الإسلام، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام الذي ينفعه وإن كان ناقصًا"٦.
٥- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" ٧.
_________________
(١) ١ منهاج السنة النبوية (٥/ ٢٠٥) وانظر الفتاوى (١١/٦٥٤) . ٢ انظر سير أعلام النبلاء (١١/٣٦٣) . ٣ تهذيب السنن (٧/ ٥٥) . ٤ شرح صحيح مسلم (٣/٦٣)، وانظر شرح صحيح البخاري للنووي (ص ٢٢٤) . ٥ يقصد تفريقه بين الإسلام والإيمان. ٦ الدرر السنية (١/١١٧) ومجموع مؤلفاته" قسم السيرة والفتاوى" (ص ٥٧) . ٧ رواه أحمد (٢/٢٥٠/ ٤٧٢) وابن أبي شيبة في المصنف (١١/٢٧) وفي الإيمان (ص ٨) وأبو داود (٤/٢٢٠) والترمذي (٣/ ٤٦٦) والآجري في الشريعة (ص ١١٥) وابن حبان في صحيحه (٤٧٥ موارد) وعبد الله في السنة (١/٣٥٠) وابن أبي زمنين في أصول السنة (٢/٧٨٤) والحاكم في المستدرك (١/٣) وأبو نعيم في الحلية (٩/٢٤٨) وابن عبد البر في التمهيد (٩/٢٣٧) والبيهقي في الشعب (١/١٦١) وفي الاعتقاد (ص ١١٨) والذهبي في السير (١٢/٢٠٦) من طرق عن أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم والذهبي، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/٥١١)، وله شواهد كثيرة.
[ ٧٩ ]
فهذا الحديث فيه دلالة على أن حسن الخلق من الإيمان، وأن المسلم كلما ازداد منه زاد إيمانه وارتقى إلى الكمال، وأن النقص منه نقص من الإيمان، فهو يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بحسن الخلق وينقص بنقصه، كما أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
قال ابن عبد البر:"ومعلوم أنه لا يكون هذا أكمل، حتى يكون غيره أنقص"١.
وقد احتج بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه أبو داود، فخرجه في"باب زيادة الإيمان ونقصانه". والترمذي فخرجه في"باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه"، من سننهما.
وقال الحليمي٢:"فدل هذا القول على أن حسن الخلق إيمان، وأن عدمه نقصان إيمان، وأن المؤمنين متفاوتون في إيمانهم، فبعضهم أكمل إيمانًا من بعض"٣.
وقال شيخ الإسلام:"والإيمان عندهم- أي أهل السنة- يتفاضل،
_________________
(١) ١التمهيد لابن عبد البر (٩/٢٤٥) . ٢هو القاضي أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، له مصنفات عديدة من أشهرها"المنهاج" توفي سنة ثلاث وأربعمائة، انظر السير للذهبي (١٧/٢٣١) . ٣المنهاج (١/٦١)، ونقله عنه البيهقي في الشعب (١/١٦١) .
[ ٨٠ ]
لأن الترك هنا تكليف، وإن كانت مع ذلك توصف بنقص الدين.
وليس المراد هنا بوصف النساء بنقص الدين تثريبهن ولومهن على ذلك، لأن هذا من أصل الخلقة، وإنما المراد بذلك هو التنبيه على ذلك تحذيرًا من الافتتان بهن، ولهذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النقص١.
وهذا الحديث هو أحد الدلائل القوية لأهل السنة والجماعة على زيادة الإيمان ونقصانه، إذ فيه التصريح بنقص الدين، وأما الزيادة فمصرح بها في القرآن، كما تقدم.
ولهذا فقد احتج به غير واحد من أهل العلم على ذلك. فقد خرجه أبو داود في سننه في،"باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه"٢، وخرجه الترمذي في"باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه"٣.
قال البغوي مبينًا عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان:"وقالوا إن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء في الحديث بالنقصان في وصف النساء"٤ يشير إلى حديثنا هذا.
وقال أبو محمد بن حزم:"وقد جاء النص بذكر النقص وهو قول رسول الله ﷺ المشهور المنقول نقل الكواف أنه قال للنساء (ما رأيت من
_________________
(١) ١ انظر فتح الباري لابن حجر (١/ ٤٥٦) . ٢ سنن أبي داود (٤/ ٢١٩) . ٣ سنن الترمذي (٥/ ١٠) . ٤ شرح السنة (١/٣٩) .
[ ٨٢ ]
ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الخازم منكن" ١.
وبوب له النووي في شرحه لمسلم"باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات ) ٢، وقال:"وفيه بيان زيادة الإيمان ونقصانه"٣.
وقال الحليمي في المنهاج"ومما يدل على أن الإيمان يزيد وينقص قول النبي ﷺ للنساء أإنكن ناقصات عقل ودين ""٤.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية"والقرآن نطق بالزيادة في غير. موضع، ودلت النصوص على نقصه كقوله"لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن"لكن لم يعرف اللفظ إلا في قوله في النساء"ناقصات عقل ودين"وجعل من نقصان دينها أنها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي، وبهذا استدل غير واحد على أنه ينقص"٥.
٧- حديث أبي أمامة الباهلي ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال:"مَن أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان" ٦.
_________________
(١) ١ الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/٢٣٧) . ٢ شرح صحيح مسلم (٢/٦٥) . ٣ المصدر نفسه (٢/ ٦٧) . ٤ المنهاج (١/ ٦٣) . ٥ الفتاوى (١٣/٥١) وانظر الفتاوى (٧/٢٣٣) . ٦ رواه أبو داود (٤/ ٢٢٠) وابن أبي الدنيا في الاخوان (ص ١٠٢) والطبراني في الكبير (برقم: ٧٧٣٧) وابن بطة في الإبانة (٢/٦٥٨) والبغوي في شرح السنة (١٣/ ٥٤) والبيهقي في الاعتقاد (ص ١١٨) . وحسن الألباني إسناده وله شاهد عن حديث سهل بن معاذ عن أبيه رواه الترمذي (٤/ ٦٧٠) وأحمد (٣/ ٤٤٥) والبيهقي في الشعب (١/١٢٨) وحسن الألباني إسناده، ثم قال:"فالحديث بمجموع الطريقين صحيح". انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/٦٥٧) .
[ ٨٣ ]
ففي هذا الحديث بيان أن المسلم"إذا كان حبه لله ومنعه لله وهما عمل قلبه، وعطاؤه لله ومنعه لله وهما عمل بدنه، دل على كمال محبته لله، ودل ذلك على كمال الإيمان، وذلك أن كمال الإيمان أن يكون الدين كله لله، وذلك بعبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة تتضمن كمال الحب وكمال الذل، والحب مبدأ جميع الحركات الإرادية، ولا بد لك من حب وبغض، فإذا كانت محبته لمن يحبه الله، وبغضه لمن يبغضه الله، دل ذلك على صحة الإيمان في قلبه، لكن قد يقوى ذلك وقد يضعف بما يعارضه من شهوات النفس وأهوائها، الذي يظهر في بذل المال الذي هو مادة النفس، فإذا كان حبه لله وعطاؤه لله ومنعه لله، دلّ على كمال الإيمان باطنًا وظاهرًا"١.
فالحديث بهذا من أوضح الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه، لتفاوت الناس في عمل القلب وعمل الجوارح المذكورين في الحديث تفاوتًا عظيمًا، بل إن الفرد المسلم تختلف أحواله من وقت لآخر من جهة القيام بهذه الأعمال.
ثم إن قوله ﷺ في الحديث:"فقد استكمل الإيمان" ظاهر الدلالة على زيادة الإيمان ونقصانه، لأن الاستكمال لا يكون إلا عن نقص، وإذا ثبت النقص فإنه مستلزم للزيادة. فالإيمان يزيد حتى يصل إلى درجة الكمال، وينقص حتى لا يبقى منه شيء.
وقد احتج أبو داود في سننه بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه فخرجه في"باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه"، وكذا البيهقي في
_________________
(١) ١ الفتاوى لابن تيمية (١٠/ ٧٥٤) .
[ ٨٤ ]
كتاب الاعتقاد ثم قال بعد أن ذكره مع غيره من الأحاديث الدالة على ذلك:"والأحاديث في أن الإيمان يزيد وينقص سوى ما ذكرنا كثيرة، وفيما ذكرنا هنا كفاية) ١.
٨- حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: (إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) ٢.
فقد أفاد هذا الحديث أن الناس متفاضلون في معرفة الله وتقواه وهما من أعظم أعمال الإيمان، وأن أفضل الناس وأتقاهم لله ﷿ وأعظمهم معرفة به هو رسول الله ﷺ.
ودلالة الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه واضحة، لأن الإنسان كلما ازداد معرفة بالله وتقوى له ازداد إيمانًا.
قال ابن حجر في شرحه للحديث:"وفيه دليل على زيادة الإيمان ونقصانه، لأن قوله ﷺ: "أنا أعلمكم بالله" ظاهر في أن العلم بالله درجات، وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأن النبي ﷺ منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلق بذلك فهذا هو الإيمان حقًا"٣.
وقد بوب البخاري لهذا الحديث في كتاب الإيمان من صحيحه بـ"باب قول النبي ﷺ"وأنا أعلمكم بالله"وأن المعرفة فعل القلب".
واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ
_________________
(١) ١ الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٨) . ٢ أخرجه البخاري (١/ ٧٠ فتح) . ٣ فتح الباري (١/٧٠) .
[ ٨٥ ]
قُلُوبُكُمْ﴾ ١، ومراده من هذا أن يبرهن على أن الإيمان لا يتم بالقول وحده، بل لا بد من ضم الاعتقاد إليه، والإعتقاد فعل القلب٢.
وهذا فيه دلالة على أن التقوى ومعرفة الله من الإيمان، والحديث دل على تفاضل الناس فيهما، فأعمال القلوب إذن متفاضلة والإيمان فيها يزيد وينقص.
ومثل هذا الحديث في الدلالة حديث أبي ذر رضي لله عنه القدسي الطويل وفيه قال الله تعالى "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا" ٣ الحديث.
فهو يدل على أن الناس يتفاضلون في التقوى والله أعلم.
٩- حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ٤.
بين النبي ﷺ في هذا الحديث مراتب إنكار المنكر، وأنه حسب الاستطاعة فإما أن يغير باليد أو باللسان أو بالقلب، بمعنى يكرهه بقلبه، وهذه المراتب الثلاث للإنكار يقوم بها المكلف على قدر استطاعته، ولا شك أن المرتبة الأخيرة باستطاعة جميع المكلفين، فمن رأى المنكر ولم يكرهه بقلبه وهو يعلم أنه منكر فإن هذا يكون علامة على ضعف إيمانه.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٢٢٥. ٢ انظر فتح الباري (١/٧٠) . ٣ أخرجه مسلم (٤/ ١٩٩٤) . ٤ رواه مسلم (٢/ ٢٢ نووي) .
[ ٨٦ ]
وما من شك في أن المكلفين متفاضلون في القيام بهذه المراتب، فمنهم من ينكر بيده، ومنهم من ينكر بلسانه، ومنهم من ينكر بقلبه، فمن أنكر بيده فهو أفضل ممن أنكر بلسانه، ومن أنكر بلسانه فهو أفضل ممن أنكر بقلبه فقط.
فالناس إذا يتفاضلون في الإيمان، فبعضهم يزداد إيمانه حتى ينكر المنكر بيده وبعضهم يضعف إيمانه فلا ينكر المنكر إلا بقلبه، فالحديث بهذا من أوضح الدلائل وأبينها على زيادة الإيمان ونقصانه.
ثم إن قول النبي ﷺ في الحديث:"وذلك أضعف الإيمان"تصريح
بأن الإيمان يضعف، وضعفه نقصان، فالإيمان ينقص بنقص الطاعة وارتكاب المعصية، كما أنه يزيد بفعل الطاعة والبعد عن المعصية.
وقد احتج بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله فيه النسائيُ في سننه فبوب له بـ"باب تفاضل أهل الإيمان"١. وابن منده في كتابه الإيمان فقال:"ذكر خبر يدل على أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالأركان يزيد وينقص"٢ ثم ذكر حديث أبي سعيد ﵁.
وبوب له النووي في شرحه لمسلم بـ"باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص "٣.
ومثل هذا الحديث في الدلالة حديث عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال:"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف
_________________
(١) ١ سنن النسائي (٨/١١) . ٢ الإيمان لابن منده (٢/٣٤١) . ٣ شرح صحيح مسلم للنووي (٢/٢١) وانظر مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣/٣٤٣) .
[ ٨٧ ]
من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" ١.
فدلالة هذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه ظاهرة كسابقه، إذ فيه ذكر مراتب الإنكار الثلاث، وأن أضعفها مرتبة الإنكار بالقلب التي ليس وراءها من الإيمان حبة خردل.
قال ابن منده:"ذكر خبر يدل على أن الإيمان ينقص حتى لا يبقى في قلب العبد مثقال حبة خردل، وأن المجاهدة بالقلب واللسان واليد من الإيمان"٢ ثم ذكر هذا الحديث.
وفي الحديث فائدتان ليستا في الذي قبله: إحداهفا: تصريحه بأن هذه المراتب الثلاث للإنكار من الإيمان، والثانية: إخباره بأنه ليس وراء المرتبة الأخيرة من الإنكار حبة خردل من إيمان.
وقول النبي ﷺ "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" المراد به
أنه لم يبق بعد هذه المراتب الثلاث للإنكار ما يكون داخلًا في مسمى الإيمان حتى يقوم به المؤمن، بل إن الإنكار القلبي هو آخر حدود الإيمان، وليس المراد نفى أصل الإيمان عن من لم ينكر المنكر، ولهذا قال في الحديث "ليس وراء ذلك"؛"أي: ليس وراء هذه الثلاث ما هو من الإيمان، ولا قدر حبة خردل. والمعنى: هذا آخر حدود الإيمان، ما بقي بعد هذا من الإيمان شيء، ليس مراده أنه من لم يفعل ذلك لم يبق معه من الإيمان شيء"٣.
_________________
(١) ١ رواه مسلم (١/ ٧٠) . ٢ الإيمان لابن منده (٢/ ٣٤٥) . ٣ انظر الفتاوى (٧/ ٥٢) .
[ ٨٨ ]
وقد جعل النبي ﷺ في هذا الحديث المؤمنين ثلاث طبقات، وكل منهم فعل الإيمان الذي يجب عليه، لكن الأول لما كان أقدرهم كان الذي يجب عليه أكمل مما يجب على الثاني، وكان ما يجب على الثاني أكمل مما يجب على الآخر، وعلم بذلك أن الناس يتفاضلون في الإيمان الواجب عليهم بحسب استطاعتهم مع بلوغ الخطاب إليهم كلهم١.
لكن قد يرد على هذا سؤال: وهو إذا كان ذلك حسب الاستطاعة فمن لم يستطع لا بيده ولا بلسانه فعمل حسب استطاعته وهو الإنكار بقلبه، فكيف يقال إن إيمانه ناقص، وهذا الذي فعله هو الذي في استطاعته؟.
والجواب على هذا، أن يقال: إن إيمان هذا الأخير عُد ناقصًا من جهة نقص عمله عن الآخرين إذ هما قاما من أمر الدين بعمل أكمل منه فعد إيمانه من هذه الجهة ناقصًا، وأما هذا النقص الذي عنده فلا يحاسب عليه لأنه خارج عن استطاعته والله ﷿ لا يكلف النفس إلا وسعها وما تطيقه، بل قال شيخ الإسلام"ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة، وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل"٢.
وذلك من فضل الله وسعة رحمته لأنه سبحانه لم يكلف الناس إلاّ بما يطيقون.
ومن هذا الجنس المرأة الحائض التي تترك الصوم والصلاة وقت حيضتها تعد ناقصة إيمان من هذه الجهة إذ إن الرجل لا ينقطع عن الصلاة بمانع مثلها فهو أكمل منها بهذا الاعتبار، وإن كانت لا تحاسب على هذا
_________________
(١) ١ الأيمان لابن تيمية (ص ٤٠٩، ٤١٠) . ٢ الفتاوى (٢٨/ ١٣١) .
[ ٨٩ ]
النقص، لأنها مكلفة به على ما سيأتي شرحه قريبًا إن شاء الله.
١٠- حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:"من اقتنى كلبًا إلا كلب حاشية أو ضاريًا١ نقص من عمله كل يوم قيراطان" ٢.
فهذا الحديث فيه دلالة على نقص العمل بارتكاب المعاصي، فاقتناء الكلب لغير ما جاء في الشرع جواز اقتنائه له معصية تنقص الأجر، ومن ثم تضعف الإيمان.
قال ابن حجر:"وفي الحديث الحث على تكثير الأعمال الصالحة، والتحذير من العمل بما ينقصها، والتنبيه على أسباب الزيادة فيها والنقص منها، لتجتنب أو ترتكب "٣.
فالحديث دلالته ظاهرة على زيادة الإيمان ونقصانه، وأن الإيمان يزيد بالأعمال الصالحة، وينقص بالمعاصي.
ولهذا احتج به ابن أبي زمنين على ذلك فخرجه في"باب زيادة الإيمان ونقصانه"من كتابه أصول السنة٤.
١١- حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليَّ وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض على عمر بن الخطاب
_________________
(١) ١ جمع ضوار، وهو الكلب المعلم المدرب للصيد، يقال: ضرا الكلب وأضراه صاحبه أي عوده وأغراه بالصيد، انظر فتح الباري لابن حجر (٩/ ٦٠٩) . ٢ أخرجه البخاري (٩/ ٦٠٨ فتح) ومسلم (١٠/ ٢٣٩ نووي) . ٣ فتح الباري (٥/ ٧) . ٤ أصول السنة (٢/٧٧٨) .
[ ٩٠ ]
وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله قال: الدين" ١.
"المراد بالناس في هذا الحديث المؤمنون، لتأويله القمص بالدين، والمراد بالدين العمل بمقتضاه، كالحرص على امتثال الأوامر واجتناب المناهي، والنكتة في القميص أن لابسه إذا اختار نزعه وإذا اختار بقاءه، فلما ألبس الله المؤمنين لباس الإيمان واتصفوا به كان الكامل في ذلك سابغ الثوب ومن لا فلا، وقد يكون نقص الثوب بسبب نقص الإيمان، وقد يكون بسبب نقص العلم"٢.
فالحديث يدل على أن الناس يتفاوتون في الدين، قوة وضعفًا، زيادة ونقصًا.
وقد خرج البخاري الحديث في صحيحه في"باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال"قال ابن حجر مبينًا مطابقة الحديث للترجمة:"ومطابقته للترجمة ظاهرة من جهة تأويل القميص بالدين، وقد ذكر أنهم متفاضلون في لبسها فدل على أنهم متفاضلون في الإيمان"٣.
وخرجه النسائي في"باب زيادة الإيمان"٤ من سننه، ومطابقته للترجمة ظاهرة مما تقدم، والله أعلم.
١٢- حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، أنه قال:"أعطى رسول الله ﷺ رهطًا وأنا جالس
فترك رجلًا هو أعجبهم إليَّ فقلت: يا
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (١/ ٧٣، ٧/ ٤٣، ١٢/ ٣٩٥، ٣٩٦ فتح) ومسلم (٥ ١/١٥٩نووي) . ٢ فتح الباري لابن حجر (١٢/ ٣٩٦) باختصار، وهو من كلام ابن أبي جمرة. ٣ فتح الباري (١/ ٧٤) . ٤ سنن النسائي (٨/ ١١٢) .
[ ٩١ ]
رسول الله مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا. فقال أو مسلمًا، فسكت قليلًا، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي فقلت: مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال: أو مسلمًا، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي وعاد رسول الله ﷺ ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه خشية أن يكبه الله في النار" ١.
فسعد ﵁"رأى رسول الله ﷺ يعطي ناسًا ويترك من هو
أفضل منهم في الدين، وظن أن العطاء يكون بحسب الفضائل في الدين، وظن أن النبي ﷺ لم يعلم حال هذا الإنسان المتروك فأعلمه به وحلف أنه يعلمه مؤمنًا، فقال له النبي ﷺ أو مسلمًا فلم يفهم منه النهي عن الشفاعة فيه مرة أخرى فسكت، ثم رآه يعطى من هو دونه بكثير فغلبه ما يعلم من حسن حال ذلك الإنسان فقال: يا رسول الله مالك عن فلان تذكيرًا وجوز أن يكون النبي ﷺ هم بعطائه من المرة الأولى ثم نسيه فأراد تذكيره، وهكذا المرة الثالثة إلى أن أعلمه النبي ﷺ أن العطاء ليس هو على حسب الفضائل في الدين "٢.
قال ابن رجب:"وكذلك قول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص لما قال
له"لم تعط فلانًا وهو مؤمن"، فقال النبي ﷺ"أو مسلم"يشير إلى أنه لم يتحقق مقام الإيمان فإنما هو مقام الإسلام الظاهر، ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضًا"٣.
فدل الحديث على أن الدين مراتب متفاوتة ومقامات مختلفة وأن الناس متفاضلون فيه، فمنهم المؤمن ومنهم المسلم، وما هذا التفاضل
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (١/ ٧٩، ٣/٣٤٠ فتح) ومسلم (٢/ ١٨٠، ٧/ ١٤٩ نووي) . ٢ شرح صحيح مسلم للنووي (٧/١٤٨) . ٣ جامع العلوم والحكم (ص ٢٧) .
[ ٩٢ ]
بينهم فيه إلا لأنه يزيد وينقص.
وقد خرّج أبو داود هذا الحديث في سننه في"باب زيادة الإيمان ونقصانه"١ محتجًا به، ودلالته على الترجمة ظاهرة لما دلّ عليه من التفاوت في مراتب الدين، وكل هذا يرجع إلى زيادة الإيمان ونقصانه، وقوته وضعفه.
١٣- حديث علي وغيره، عن النبي ﷺ أنه قال:"ملىء عمار إيمانًا إلى مشاشه" ٢.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (٤/ ٢٢٠) . ٢ أخرجه النسائي (٨/ ١١١) والحاكم (٣/ ٣٩٢) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/٦٢١) في ترجمة عمار من طرق عن عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي عمار عن عمرو بن شرحبيل عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبيﷺ- فذكره. قال الحاكم:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي، قال الألباني- كما في حاشيته على كتاب الإيمان لابن أبي شيبة (ص ٣١):" وفيه نظر، فإن أبا عمار لم يخرجاه، فهو صحيح فقط، وصحح إسناده الحافظ في الفتح (٧/ ٩٢) . وسمى الحاكم هذا الصحابي المبهم في رواية له (عبد الله) يعني ابن مسعود وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/٢٢) وفي كتاب الإيمان (ص ٣١) من هذا الطريق، إلا أنه مرسل وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٢٢) وفي كتاب الإيمان (ص ٣١) وابن ماجة (١/ ٥٢) وأبو نعيم في الحلية (١/١٣٩) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٦٢١)، من طريق عثام بن علي عن الأعمش عن أبي إسحاق عن هانىء بن هانىء، قال: دخل عمار على عليّ بن أبي طالب فقال مرحبًا بالطيب المطيب سمعت رسول الله ﷺ يقول:" إن عمارًا ملىء إيمانًا إلى مشاشه" قال الألباني:"ورجاله ثقات رجال البخاري، غير هانىء بن هانىء وهو مستور كما في التقريب، سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/٤٦٦) . وأخرجه البزار كما في مجمع الزوائد (٩/٢٩٥) وفتح الباري (٧/ ٩٢) بنحوه، عن عائشة ﵂ مرفوعًا، قال الهيثمي"رجاله رجال الصحيح" وقال الحافظ ابن حجر:"وإسناده صحيح". والمشاشة: هي رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها، انظر جامع الأصول لابن الأثير (٩/ ٤٦) .
[ ٩٣ ]
فوصف رسول الله ﷺ في هذا الحديث لعمار بأنه ملىء إيمانًا، يدل على أن الإيمان يزيد حتى يمتلىء المسلم به، ويدل أيضًا على أن المؤمنين يتفاضلون في الإيمان فمن امتلأ بالإيمان خير ممن كان إيمانه ناقصًا ضعيفًا
فالحديث فيه حجة لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، في أن في الإيمان يزيد وبنقص، وأن أهله متفاضلون فيه.
وقد احتج به النسائي في سننه على تفاضل المؤمنين فأخرجه في"باب تفاضل أهل الإيمان"ومطابقته للترجمة ظاهرة مما تقدم.
١٤- حديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، قالوا: من هم يا رسول الله، قال: هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" ١.
هذا الحديث دليل قوي لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة في الإيمان أنه يزيد وينقص. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" وفي حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة كفاية فإنه من أعظم الأدلة على زيادة
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (١/١٩٨) ورواه الشيخان بنحوه من حديث ابن عاص ﵄. البخاري (١١/ ٤٠٥ فتح) ومسلم (١/ ١٩٩) .
[ ٩٤ ]
الإيمان ونقصانه، لأنه وصفهم بقوة الإيمان وزيادته في تلك الخصال التي تدل على قوة إيمانهم وتوكلهم على الله في أمورهم كلها"١.
١٥- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان" ٢.
قال النووي:"والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات وأنشط طلبًا لها ومحافظة عليها ونحو ذلك.
وأما قوله ﷺ:"وفي كلى خير" فمعناه في كل من القوي والضعيف خير لاشتراكهما في الإيمان مع ما يأتي به الضعيف من العبادات"٣ فمن قام بأوامر الله وامتثلها، وكمّل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وكمل غيره بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فهو المؤمن القوي الذي حاز أعلى مراتب الإيمان، ومن لم يصل إلى هذه المرتبة فهو المؤمن الضعيف.
_________________
(١) ١ الإيمان لابن تيمية (ص ٢١٣) . ٢ رواه مسلم (١٦/ ٢١٥ نووي) . ٣ شرح صحيح مسلم (١٦/٢١٥) وانظر مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣/٣٤٣) .
[ ٩٥ ]
قال ابن سعدي بعد أن بين هذا المعنى المتقدم:"وهذا من أدلة السلف على أن الإيمان يزيد وينقص، وذلك بحسب علوم الإيمان ومعارفه، وبحسب أعماله، وهذا الأصل قد دل عليه الكتاب والسنة في مواضع كثيرة"١.
١٦- حديث حنظلة الأسدي ﵁ قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله ما تقول؟ قال قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا. قال: أبو بكر فوالله إنا لنلقى مثل هذا فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ. قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا، فقال رسول الله ﷺ:"والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، ثلاث مرات" ٢.
فقول حنظلة ﵁"نافق حنظلة"لا يلزم منه وقوع النفاق فيه، لأن ذلك وقع منه على سبيل المبالغة والورع والتقوى وقوة المراقبة وشدة الخوف، كما هو شأن باقي أصحاب النبي ﷺ.
قال ابن أبي مليكة٣ ﵀:"أدركت ثلاثين من أصحاب
_________________
(١) ١ بهجة قلوب الأبرار (ص ٣٣) . ٢ أخرجه مسلم (١٧/ ٦٦، ٦٧ نوري) . ٣ هو الإمام الحجة الحافظ أبو بكر عبد الله بن عبيد الله بن أبي ميكة زهير بن عبد الله بن جدعان القرشي التيمي المكي، ولد في خلاقة علي أو قبلها، حدث عن بعض الصحابة، وكان عالما مفتيًا صاحب حديث وإتقان، مات سنة سبع عشرة ومائة، انظر السير للذهبي (٥/ ٨٨) .
[ ٩٦ ]
النبي ﷺ وكلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل"١.
وإنما معنى كلامه هو أنه خاف من النفاق حيث كان يحصل له الخوف في مجلس النبي ﷺ ويظهر مع شدة المراقبة والتفكر والإقبال على الآخرة وهذا زيادة في الإيمان، فإذا خرج اشتغل بالزوجة والأولاد ومعاش الدنيا، فيكون إيمانه في هذه الحالة أضعف مما هو عليه عندما يكون في مجلس الذكر. وهذا نقص في الإيمان، فهو ﵁ حسب أن هذا نفاق٢، فبين له النبي ﷺ أن هذا ليس نفاقًا وأنه لا يستطيع أن يداوم على درجة واحدة من الإيمان، لأن الإيمان يتفاوت فيزيد إذا حصلت أسباب الزيادة وينقص إذا حصلت أسباب النقص٣.
_________________
(١) ١ رواه البخاري في صحيحه تعليقًا (١/١٠٩ فتح) ووصله في التاريخ الكبير (٣/١/١٣٧) والخلال في السنة (برقم: ١٠٨١) وابن حجر في تغليق التعليق (٢/٥٣) من طريق يحيى بن يمان عن سفيان عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة به. ورواه المروزي من طريق أخرى في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٣٤ ح ٦٨٨) بلفظ: أدركت زيادة على خمسين من أصحاب رسول الله ﷺ فذكره بنحوه، ورواه ابن أبي خيثمة في تاريخه كما في الفتح (١/ ١١٠) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥/ ٩٥٥ ح ١٧٣٣) بنحوه ولكن أبهم العدد. ٢ وقد تأول بحض أهل البدع خوف السلف هذا بأن المراد به أنهم كانوا يخافون أن يبتلوا بالنفاق تجل أن يموتوا، وقد سئل الأوزاعي عن نحو هذا فقال:"هذا قول أهل البدع" انظر شرح اعتقاد أهل السنة للالكائي (٥/ ٩٨٣) . ٣ وانظر ما كتبه ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين (١/٣٥٨) حول خشية الصحابة من النفاق وخوفهم منه لعلمهم بدقه وجله، مع أن قلوبهم كانت ممتلئة إيمانًا بخلاف غيرهم ممن لا يجاوز الإيمان حناجرهم، ويظنون أنهم أكمل الناس إيمانًا.
[ ٩٧ ]
كما قال عمير بن حبيب الخطمي ﵁:"الإيمان يزيد وينقص، قال: إذا ذكرنا الله ﷿ وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا، فذلك نقصانه"١.
وبهذا يتبين وجه دلالة الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه، والله أعلم.
١٧- حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ٢.
فقد أطلق الشارع الحكيم هنا على قتال المسلم كفرًا، مع أن الاقتتال بين المسلمين لا يخرج من الملة، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ ٣، وقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ ٤.
ففي الآية الأولى وصف الله الطائفتين بالإيمان حال اقتتالهما، وسمى في الآية الثانية القاتل أخًا للمقتول والمراد الأخوة الإيمانية، فدل ذلك على أن القتل وإن سماه الشارع كفرًا فإنه لا يخرج من الملة، فهو كفر دون كفر٥.
_________________
(١) ١ سيأتي تخريجه (ص ١١٦) . ٢ أخرجه البخاري (١/ ١١٠، ١٠/ ٤٦٤، ١٣/ ٢٦ فتح) ومسلم (١/ ٨١) . ٣ سورة الحجرات، الآية: ٩. ٤ سورة البقرة الآية: ١٧٨. ٥ انظر تيسير العزيز الحميد (ص ٥١٤) .
[ ٩٨ ]
وما من شك في أن القاتل لأخيه قد ارتكب إثمًا عظيمًا، وعرض نفسه لوعيد شديد، بيّنه الله في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ١.
فإذا تبين عظم هذا الذنب وشدة خطره، ثم هو مع ذلك لا يخرج فاعله من الدين، تبين أن فاعله قد نقص أجره بهذا العمل وضعف دينه فأصبح بذلك مؤمنًا ناقص الإيمان، ومن هنا يتبين وجه دلالة الحديث على زيادة الأيمان ونقصانه.
وفي الحديث وجه آخر يدل على زيادة الإيمان ونقصانه، في قوله ﷺ:"سباب المسلم فسوق"، حيث أن سب المسلم جرم يفسق به صاحبه، والفسق نقص في الإيمان.
ولهذا قال المناوي في شرحه للحديث."وفيه.. أن الإيمان ينقص ويزيد لأن الساب إذا فسق نقص إيمانه وخرج عن الطاعة فضره ذنبه.."٢.
وروى اللالكائي في شرح الاعتقاد عن زبيد بن الحارث قال:"لما ظهرت المرجئة آتيت أبا وائل فحدثني عن النبي ﷺ قال:"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ٣.
١٨- حديث البراء بن عازب ﵁ قال: قال ﷺ:"أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" ٤.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ٩٣. ٢ فيض القدير (٤/ ٨٤) . ٣ انظر شرح الاعتقاد (٥/ ١٠٠١) . ٤ أخرجه أحمد (١/٢٨٦) وابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٤١) وفي الإيمان (ص ٣٦) والطيالسي (ح ٧٤٧) وابن أبي الدنيا في الإخوان (ص ٨٦) . قال الهيثمي"وفيه ليث بن أبي سليم وضعفه الأكثر" مجمع الزوائد (١/٩٠) . وله شاهد من حديث أبي ذر أخرجه احمد (٥/ ٤٦ ١) وأبو داود (٤/١٩٨) بلفظ" أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله" قال المنذري:"وفي إسناده يزبد بن أبي زياد الكوفي ولا يحتج بحديثه، وقد أخرج له مسلم متابعة، وفيه أيضًا رجل مجهول""مختصر السنن" (٥/٧) . وله شاهد ثان من حديت معاذ بن جبل أخرجه أحمد (٥/٢٤٧) والبيهقي في الشعب (١/ ٣٣٩) وفيه عد الله بن لهيعة وزبان بن فائد ضعيفان. وله شواهد أخرى. قال الألباني بعد أن ذكر بعض طرقه:" فالحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن على الأقل والله اعلم""سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٤/٣٠٧) .
[ ٩٩ ]
فهذا الحديث يدل على أن الإيمان مراتب بعضها أوثق من بعض وأن أوثق مراتبه الحب في الله والبغض في الله.
قال ابن عبد البر بعد أن ساق هذا الحديث".. وهو يدل على أن بعض الإيمان أوثق عروة وأكمل من بعض"١.
فإذا كان الإيمان كذلك له مراتب بعضها أوثق من بعض، فهو يتفاضل ويزيد وينقص لتفاوت الناس بالقيام بها.
١٩- حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:"إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، فكان على رأعه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه" ٢.
_________________
(١) ١ التمهيد (٩/ ٢٤٥) بتصرف. ٢ رواه الترمذي تعليقًا (٥/ ١٥) وأخرجه موصولًا أبو داود (٤/ ٢٢٢) والطبري في تهذيب الآثار (برقم: ٩١٠) والحاكم (١/ ٢٢) وابن منده في الإيمان (٢/ ٥٧٩) من طريق سعيد بن أبي مريم أنبأ نافع بن يزيد، ثنا ابن الهاد أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ فذكره. وقال الحاكم"حديت صحيح على شريط الشيخين" ووافقه الذهبي، وقال الألباني:"وهو كما قالا إلا في نافع فإنما أخرج له البخاري تعليقًا فهو على شرط مسلم وحده""سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٢/ ٢٢)، وصحح إسناده الحافظ في الفتح (١٢/ ٦١) .
[ ١٠٠ ]
قد يتوهم بعض من قرأ هذا الحديث أن فيه دلالة على أن مرتكب الكبيرة يكفر، ويخرج من الدين، ويسلب الإيمان بالكلية، ويظن أن هذا هو الظاهر والمتبادر من الحديث. فينحى بفهمه هذا منحى الخوارج والمعتزلة في إخراجهم مرتكب الكبيرة من الدين، وتخليده في النار.
مع أن الحديث لا دلالة فيه على هذا بل إن ظاهر الحديث المتبادر لا يدل عليه قال شيخ الإسلام:".. ولا هو أيضًا ظاهر الحديث، لأن قوله:"خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة"دليل على أن الإيمان لا يفارقه بالكلية فإن الظلة تظلل صاحبها وهي متعلقة ومرتبطة به نوع ارتباط"١.
وقال صاحب مرعاة المفاتيح:"وفيه إشارة إلى أنه وإن خالف حكم الإيمان فإنه تحت ظله، لا يزول عنه حكم الإيمان ولا يرتفع عنه اسمه"٢.
ولهذا فإن من الأمور المتقررة في عقيدة أهل السنة والجماعة أن من زنى أو ارتكب أي كبيرة من الكبائر لا يسلب منه اسم الإيمان المطلق، ولا يعطى أيضًا اسم الإيمان المطلق، بل يقال: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن عاص، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ويقال: ليس بمؤمن حقًا، أو
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٦٧٣) . ٢ مرعاة المفاتيح (١/ ١٣٨) .
[ ١٠١ ]
ليس بصادق الإيمان. أما تكفير مرتكب الكبيرة وإخراجه من الدين فهذا ليس من عقيدة أهل السنة والجماعة في شيء، بل ليس في ظواهر نصوص الكتاب والسنة ما يدل على هذا القول ويؤيده، ومن فهم من النصوص شيئًا من ذلك فقد أتي من سوء فهمه وجهله.
فالحديث ليس فيه أي دليل لما ذهب إليه هؤلاء، بل هو دليل لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن المعاصي تنقص الإيمان وتضعفه، فالزاني لم يعدم الإيمان الذي به يستحق ألا يخلد في النار، وبه ترجى له الشفاعة والمغفرة، وبه يستحق المناكحة والموارثة، لكن عَدِم الإيمان الذي به يستحق النجاة من العذاب ويستحق به تكفير السيئات وقبول الطاعات وكرامة الله ومثوبته، وبه يستحق أن يكون محمودًا مرضيًا"١ وهذا هو ظاهر الحديث الذي يليق به.
ولهذا أخرجه أبو داود في باب زيادة الإيمان ونقصانه من سننه، محتجًا به على ذلك، والحجة فيه ظاهرة.
٢٠- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال؟ قال رسول الله ﷺ:"إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم" ٢.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (٧/ ٦٧٣- ٦٧٦) . ٢ أخرجه الحاكم (١/ ٤) من طريق ابن وهب أخبرني عبد الرحمن بن ميسرة عن أبي هانىء الخولاني حميد بن هانىء عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمر بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: فذكره وقال:"رواته مصريون ثقات". ووافقه الذهبي. ورواه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (١/ ٥٢) وقال الهيثمي:"إسناده حسن". والحديث صححه الألباني. انظر صحيح الجامع (٢/ ٥٦) والسلسلة الصحيحة (٤/١١٣) .
[ ١٠٢ ]
فهدا من أوضح الدلائل على أن الإيمان يزبد وينقص ويقوى ويضعف في قلب المرء المسلم، ومعنى قوله ﷺ: إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، أي: يبلى ويضعف ويدخله النقص من جراء ما قد يقع فيه المرء من معاص وآثام تذهب جدة الإيمان وحيويته وقوته، لهذا أرشد ﵊ في هذا الحديث إلى تعاهد الإيمان والعمل على تقويته وسؤال الله تعالى دائمًا الإيمان والثبات عليه، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ١.
ففي هدا أببن دلالة على أن الإيمان الذي في القلب يقبل التفاوت ويزيد تارة ويقص أخرى، والأعمال الظاهرة تبع له فإن زاد زادت وإن نقص نقصت، فهل يقال- بعد هذا- إن الإيمان على هيئة واحدة لا يقبل زيادة ولا نقصانًا.
هذا، ولم أقف- فيما اطلعت عليه من كتب أهل العلم- على من احتج بهذا الحديث على زيادة الأيمان ونقصانه رغم صحته ووضوح دلالته على المقصود، والله الموافق.- ثم في ختام ذكر هذه النصوص النبوية الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه أود الإشارة إلى أنه لم يثبت عن النبي ﷺ حديث بلفظ"الإيمان يزيد وينقص"وما روي من ذلك مرفوعًا إليه فلا يصح كما بين ذلك أهل العلم
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية: ٧.
[ ١٠٣ ]
بالحديث١، بل قد قال ابن القيم ﵀ في مناره المنيف:"وهذا كلام صحيح، وهو إجماع السلف، ولكن اللفظ كذب على رسول الله ﷺ"٢.
قلت: وفي النصوص الصحيحة الثابتة وإجماع سلف الأمة غنية وكفاية، ولله الحمد. وما أحسن وأجود ما قاله ابن القيم ﵀ في سياق آخر بعد أن ذكر الحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه من حديث عبد السلام بن صالح٣ أن النبي ﷺ قال:"الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان" ٤ حيث قال:"في الحق ما يغني عن الباطل، ولو كنا ممن يحتج بالباطل ويستحله لروجنا هذا الحديث وذكرنا بعض من أثنى على عبد السلام، ولكن نعوذ بالله من هذه الطريقة، كما نعوذ به من طريقة تضعيف الحديث الثابت وتعليله إذا خالف قول إمام معين، وبالله التوفيق"٥.
ومثل هدا القول قول إمام الأئمة ابن خزيمة في كتابه التوحيد:" وقد أعلمت ما لا أحصي من مرة أني لا أستحل أن أموه على طلاب العلم بالاحتجاج بالخبر الواهي، وإني خائف من خالقي جل وعلا إذا موهت على طلاب العلم بالاحتجاج بالأخبار الواهية وإن كانت الأخبار
_________________
(١) ١ راجع: الموضوعات لابن الجوزي (١/ ١٢٨)، والميزان للذهبي (٤/ ١٤٤) واللآلىء المصنوعة للسيوطي (١/ ٣٦) وتنزيه الشريعة لابن عراق (١/ ١٥٠) . ٢ المنار المنيف (ص ١١٩) . ٣ هو أبو الصلت الهروي، مولى قريش، نزل نيسابور، صدوق له مناكير، وأفرط العقيلي، فقال: كذاب، تقريب التهذيب لابن حجر (١/ ٥٠٦) . وقال الذهبي: واه شيعي متهم مع صلاحه. الكاشف (٢/ ١٧٢) . ٤ سنن ابن ماجه (١/ ٢٥، ٢٦) . ٥ تهذيب السنن (٧/ ٥٩) .
[ ١٠٤ ]
حجة لمذهبي"١.
فشتان بين هؤلاء الأئمة وبين أهل الأهواء والبدع على اختلاف مشاربهم وتباين طرائفهم الذين تعج أقوالهم وتمتلىء كتبهم بالتلبيس والتمويه والزخرفة والمخرقة والكذب ببن مقل ومستكثر٢.
_________________
(١) ١ التوحيد (ص ٢١٥) . ٢ وانظر شرح الاعتقاد للالكائي (١/١٨٠) .
[ ١٠٥ ]