لقد كان الحديث فيما سبق كله منصبًا حول بيان حكم الاستثناء في الإيمان، وأما الحديث في هذا المبحث فسيكون عن بيان حكم الاستثناء في الإسلام، وقد علمنا فيما مضى أن هناك فرقا بين الإسلام والإيمان، وبين المسلم والمؤمن، وأن الناس في الدين طبقات منهم المحسن ومنهم المؤمن ومنهم المسلم، وأن أكملهم دينًا المحسن ثم المؤمن ثم المسلم.
فالإسلام هو أقل هذه الدرجات، وليس وراءه إلا الكفر، فمن لم يكن مسلمًا فهو كافر، وأما من لم يكن مؤمنًا فقد يكون مسلمًا، ولهذا لما ادعى بعض الأعراب درجة الإيمان التي لما يصلوا إليها وإنما كانوا مسلمين فقط، رد الله عليهم قولهم هذا بقوله سبحانه: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ ١ فهؤلاء الأعراب ليسوا منافقين، إذ لا يلزم من نفي الإيمان عنهم أن يكونوا منافقين من أهل الدرك الأسفل من النار، بل المراد أنهم لم يأتوا بالإيمان الواجب الذي يستحقون معه أن يوصفوا بالمؤمنين، فنفي عنهم الإيمان لذلك، وإن كانوا مسلمين معهم من الإيمان ما يثابون عليه٢.
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية: ١٤. ٢ انظر الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٢٤٣) .
[ ٤٩٤ ]
ولما تذكر درجات الدين هذه يراد بالإسلام من أتى بالأعمال الظاهرة مع شيء من الإيمان يصحح عمله كحال الأعراب المذكورين في الآية المتقدمة، وكحال الرجل الذي قال عنه سعد بن أبي وقاص إني لأراه مؤمنًا، فقال له النبي ﷺ أو مسلمًا.
فمن دخل في هذا الدين ونطق بالشهادتين فهو المسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، فمثل هذا يقال عنه مسلم، وكل أحد يصح أن يعبر عن نفسه بذلك بدون أن يستثني كما أرشد لذلك النبيﷺ- في حديث سعد، وكما أرشد إلى ذلك الأعراب كما تقدم في الآية.
وبهذا يعلم أن الصحيح في مسألة حكم الاستثناء في الإسلام أن يقال: مسلم بدون استثناء، وهذا هو المشهور عن سلف الأمة في هذه المسألة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والمشهور عند أهل الحديث أنه لا يستثنى في الإسلام، وهو المشهور عن أحمد ﵁، وقد روي عنه فيه الاستثناء"١.
قلت: وإنما كان السلف لا يستثنون في الإسلام لأسباب أهمها أمران:
الأول: ورد ما يرشد إلى ذلك في نصوص الشرع المطهر، كما في آية الحجرات، وحديث سعد وقد تقدما، وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/٤٣)، وسيأتي قريبًا توجيه رواية أحمد التي جوز فيها الاستثناء في الإسلام. ٢ سورة فصلت، الآية: ٣٣.
[ ٤٩٥ ]
فهذه النصوص فيها إشارة إلى جواز قول: مسلم بدون استثناء، وآية الحجرات واضحة صريحة في الدلالة على ذلك، ولهذا احتج بها على ذلك غير واحد من أهل العلم.
قال شيخ الإسلام: "وهذه الآية - أي: آية الحجرات- مما احتج بها أحمد بن حنبل وغيره على أنه يستثنى في الإيمان دون الإسلام، وأن أصحاب الكبائر يخرجون من الإيمان إلى الإسلام، قال الميموني: سألت أحمد بن حنبل عن رأيه في أنا مؤمن إن شاء الله؟ فقال: أقول: مؤمن إن شاء الله، وأقول: مسلم ولا استثني، قال: قلت لأحمد؟ تفرق بين الإسلام والإيمان؟ فقال لي: نعم. فقلت له: بأي شيء تحتج؟ قال لي: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ وذكر أشياء"١.
الأمر الثاني: أن كل من نطق بالشهادتين صار بذلك مسلمًا له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ويكون متميزًا عن اليهود والنصارى تجري عليه أحكام الشرع الجارية على المسلمين، وهذا القدر كل أحد يجزم به بلا استثناء في ذلك.
قال شيخ الإسلام: "ولما كان كل من أتى بالشهادتين صار مسلمًا متميزًا عن اليهود والنصارى تجري عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين، كان هذا مما يجزم به بلا استثناء فيه"٢.
لهذا كان المشهور عن السلف الصالح عدم الاستثناء في الإسلام
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/ ٢٥٣) وأثر الميموني عن أحمد رواه ابن مندة في الإيمان (١/٣١١)، وروى نحوه الخلال ض السنة (٣/٦٠٤ ح ١٠٧٧) من رواية عبد الملك بن عبد الحميد. ٢ الفتاوى (٧/ ٤١٥) .
[ ٤٩٦ ]
كما ذكر ذلك شيخ الإسلام فيما تقدم، ومما ورد عنهم في ذلك:
- ما رواه هشام الأزدي عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين: أنهما كان يقولان مسلم ويهابان مؤمن١.
وقال أبو بكر المروزي: قيل لأبي عبد الله نقول نحن المؤمنون؟ تال: نقول نحن المسلمون٢.
وقال أيضًا: قيل لأبي عبد الله نقول: إنا مؤمنون؟ قال: لا، ولكن نقول: إنا مسلمون٣.
وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: فأما إذا قال أنا مسلم فلا يستثنى؟ فقال: لا يستثني إذا قال: أنا مسلم٤.
أما ما ذكره شيخ الإسلام عن أحمد بن حنبل أن له روايتين في المسألة: إحداهما بتجويز الاستثناء في الإسلام، فسببه عائد إلى أن للإمام أيضًا روايتين في تعريف الإسلام: إحداهما: أن الإسلام هو الكلمة، والأخرى: أنه أعمال الإسلام الظاهرة كاملة. فإن أريد به الكلمة فلا استثناء، وإن أريد به الأعمال الظاهرة كلها فلا بد من الاستثناء؟ لأن الجزم بفعلها وإتمامها كالجزم بالإيمان سواء.
قال شيخ الإسلام: "وأحمد إنما منع الاستثناء فيه- أي الإسلام- على قول الزهري هو: الكلمة، هكذا نقل الأثرم والميموني وغيرهما
_________________
(١) ١ رواه عبد الله في السنة (١/٣٢٢) والخلال في السنة (٥٣/٦٠٣ ح ١٠٧٥) والآجري في الشريعة (ص ١٣٩) وابن بطة في الإبانة (٢/٨٧٤) واللالكائي في شرح الاعتقاد (٤/٨١٥) . ٢ رواه الخلال في السنة (٣/٦٠٢ ح ١٠٧٣)، والآجري في الشريعة (ص ١٣٩) . ٣ رواه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (٢/ ١٤) وهو والأثر الذي قبله ذكرهما شيخ الإسلام انظر الفتاوى (٧/ ٤٤٩) . ٤ رواه ابن بطة في الإبانة (٢/٨٧٦) .
[ ٤٩٧ ]
عنه. وأما على جوابه الآخر الذي لم يختر فيه قول من قال: الإسلام الكلمة فيستثني في الإسلام كما يستثني في الإيمان، فإن الإنسان لا يجزم بأنه فعل كل ما أمر به من الإسلام فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء فيه، كما نص عليه أحمد وغيره، وإذا أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها، فالاستثناء فيه كالاستثناء في الإيمان. ولما كان كل من أتى بالشهادتين صار مسلمًا متميزًا عن اليهود والنصارى تجري عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين، كان هذا مما يجزم به "١.
وقال: ".. لكن الإسلام الذي هو أداء الخمس كما أمر به يقبل الاستثناء، فالإسلام الذي لا يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط فإنها لا تزيد ولا تنقص فلا استثناء فيها"٢.
_________________
(١) ١ الفتاوى (٧/٤١٥) . ٢ الفتاوى (٧/٢٥٩) .
[ ٤٩٨ ]