وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريف الإيمان لغة وشرعًا وأقوال الطوائف فيه.
المبحث الثاني: تعريف الزيادة والنقصان.
[ ١٥ ]
المبحث الأول: تعريف الإيمان لغة وشرعًا وأقوال الطوائف فيه
الإيمان لغة: مصدر آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن١، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية٢، وهو من الأمن ضد الخوف٣.
قال الراغب: "أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف "٤.
وقال شيخ الإسلام: ".. فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والإنقياد٥.
وقد عرف الإيمان في اللغة بعدة تعريفات: فقيل هو التصديق، وقيل هو الثقة، وقيل هو الطمأنينة، وقيل هو الإقرار.
وقد اختار شيخ الإسلام في تعريف الإيمان اللغوي أنه بمعنى الإقرار، لأنه رأى لفظة أقر أصدق في الدلالة على معنى الإيمان من غيرها من الألفاظ التي فسر بها الإيمان، لأمور وأسباب ذكرها ﵀
_________________
(١) ١ تهذيب اللغة للأزهري (١٥/ ٥١٣) . ٢ الصحاح للجوهري (٥/٢٠٧١) . ٣ الصحاح للجوهري (٥/ ٢٠٧١) والقاموس المحيط للفيروز أبادي (ص ١٥١٨) . ٤ المفردات (ص ٣٥) . ٥ الصارم المسلول (ص ٥١٩) .
[ ١٧ ]
يأتي الإشارة لبعضها. ثم إنه ناقش باستفاضة وافية وبتحقيق متين قول من ادعى أن الإيمان مرادف للتصديق، وذكر فروقًا بين التصديق والإيمان تمنع دعوى الترادف بينهما، ثم خلص من ذلك إلى أن أولى تفسير لغوي للإيمان هو الإقرار.
ويمكن أن نجمل الأمور التي ذكرها شيخ الإسلام في- دفع دعوى الترادف بين الإيمان والتصديق في النقاط التالية:
ا- أن لفظة آمن تختلف عن لفظة صدق من جهة التعدي، حيث إن آمن لا تتعدى إلا بحرف إما الباء أو اللام كما في قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ ١، وقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
فيقال آمن به وآمن له، ولا يقال آمنه، بخلاف لفظة صدق فانه يصح تعديتها بنفسها فيقال صدقه.
٢- أنه ليس بينهما ترادف في المعنى، فإن الإيمان لا يستخدم إلا في الأمور التي يؤتمن فيها المخبر مثل الأمور الغيبية، لأنه مشتق من الأمن، أما الأمور المشاهدة المحسوسة فهذه لا يصلح أن يقال فيها آمن وإنما يقال صدق، لأن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة صدقت كما يقال كذبت، أما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب.
٣- أن لفظة إيمان في اللغة لا تقابل بالتكذيب، فإذا لم يصدق المخبر في خبره يقال كذبت، وإذا صدق يقال صدقت فيقال:
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت، الآية: ٢٦. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.
[ ١٨ ]
صدقناه: أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر آمنا له أو كذبناه، ولا يقال أنت مؤمن له أو مكذب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك، لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط، علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط.
٤- أن الإيمان في اللغة مشتق من الأمن الذي هو ضد الخوف، فآمن أي صار داخلًا في الأمن، فهو متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق، ولهذا قال إخوة يوسف لأبيهم ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي لا تقر بخبرنا ولا تثق به ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين، لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يأمن لهم. أما التصديق فلا يتضمن شيئًا من ذلك.
فهذه الأمور تدفع دعوى الترادف بين الإيمان والتصديق، كما يظنه طائفة من الناس، وبناء عليها فالإيمان ليس هو التصديق فحسب، وإنما هو تصديق وأمن أو تصديق وطمأنينة، وهو متضمن للالتزام بالمؤمن به سواء كان خبرًا أو إنشاء، بخلاف لفظ التصديق المجرد، فمن أخبر غيره بخبر لا يتضمن طمأنينة إلى المخبر لا يقال فيه آمن له بخلاف الخبر الذي يتضمن طمأنينة إلى المخبر، والمخبر قد يتضمن خبره طاعة المستمع له وقد لا يتضمن إلا مجرد الطمأنينة إلى صدقه، فإذا تضمن طاعة المستمع لم يكن مؤمنًا للمخبر إلا بالتزام طاعته مع تصديقه، فإن صدقه دون التزام بطاعته، فهذا يسمى تصديقاَ ولا يسمى
[ ١٩ ]
إيمانًا١.
ولهذا فإن اللفظ المطابق لآمن من جهة اللغة هو لفظ أقر، لتوافقه مع لفظ آمن في الأمور المتقدمة، فإن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من يقر، وهو قريب من آمن يؤمن، لكن الصادق يطمئن إلى خبره والكاذب بخلاف ذلك كما يقال الصدق طمأنينة، والكذب ريبة، فالمؤمن دخل في الأمن كما أن المقر دخل في الإقرار، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام ثم إنه يكون على وجهين:
أحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق والشهادة ونحوهما، وهذا الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار.
والثاني: إنشاء الالتزام كما في قوله تعالى: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٢ وليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول وكذلك لفظ الإيمان فيه إخبارٌ وإنشاءٌ والتزامٌ بخلاف لفظ التصديق المجرد٣.
ولذا فالإيمان لغة هو الإقرار، لأن التصديق إنما يطابق الخبر فقط، وأما الإقرار فيطابق الخبر والأمر ولأن قر وآمن متقاربان، فالإيمان دخول
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (٧/ ٢٩٠- ٢٩٣) و(٧/ ٥٢٩- ٥٣٤) . ٢ سورة آل عمران، الآية:٨٠. ٣ انظر الفتاوى (٧/ ٥٣٠، ٥٣١) .
[ ٢٠ ]
في الأمن، والإقرار دخول في القرار١.
لهذه الأسباب ولغيرها رأى شيخ الإسلام ﵀ أن أصلح تعريف للإيمان من جهة اللغة هو الإقرار.
قال ﵀: "ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو الانقياد) ٢.
وقال ﵀: " فكان تفسيره بلفظ الإقرار أقرب من تفسيره بلفظ التصديق، مع أن بينهما فرقًا"٣.
فالمختار إذا أن لفظة آمن لغة بمعنى أقر، والإيمان لغة هو الإقرار
القلبي، وهذا الإقرار مشتمل على أمرين:
١- اعتقاد القلب وهو تصديقه بالأخبار.
٢- عمل القلب وهو إذعانه وانقياده للأوامر.
هذا من جهة اللغة.
أما شرعًا: فهو عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض بيانه لعقيدة أهل السنة والجماعة وأصولهم التي اتفقوا عليها:
"ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان،- وعمل القلب واللسان والجوارح٤.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى (٧/ ٦٣٧) . ٢ الفتاوى (٧/ ٦٣٨) . ٣ الفتاوى (٧/ ٢٩١) . ٤ العقيدة الواسطية لابن تيمية (ص ١٦١) بشرح الهراس.
[ ٢١ ]
فهذه خمسة أمور اشتمل عليها مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول القلب، وعمله، وقول اللسان، وعمله، وعمل الجوارح. والأدلة على دخول هذه الأمور في مسمى الإيمان كثيرة وفيرة وفيما يلي ذكر بعضها:
أولًا: قول القلب، وهو تصديقه وإيقانه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ٣ وقال تعالى في المرتابين الشاكين ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ٤.
وفي حديث الشفاعة "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة"٥، وغير ذلك من الأدلة.
ثانيًا: قول اللسان وهو النطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإقرار بلوازمهما، قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآيتان: ٣٣- ٣٤. ٢ سورة الأنعام، الآية: ٧٥. ٣ سورة الحجرات، الآية: ١٥. ٤ سورة آل عمران، الآية: ١٦٧. ٥ رواه البخاري (١٣/ ٤٧٣) ومسلم (١/ ١٧٧) .
[ ٢٢ ]
وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٥، وقال ﷺ: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأنى رسول الله.. "٦ وما في معنى هذا من النصوص.
ثالثًا: عمل القلب، وهو النية والإخلاص والمحبة والإنقياد والإقبال على الله ﷿ والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ٧ وقال: ﴿مَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ ٨، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٩،
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ١٣٦. ٢ سورة القصص، الآية: ٥٣. ٣ سورة الشورى، الآية: ١٥. ٤ سورة الزخرف، الآية: ٨٦. ٥ سورة الاحقاف، الآية: ١٣. ٦ رواه البخاري (الفتح ١/ ٧٥) ومسلم (١/ ٥٣) . ٧ سورة الأنعام، الآية: ٥٢. ٨ سورة الليل، الآية: ٢٠. ٩ سورة الأنفال، الآية: ٢.
[ ٢٣ ]
وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ ١، وغير ذلك من النصوص الدالة على وجوب التوكل والخوف والرجاء والخشية والخضوع والإنابة وغير ذلك من أعمال القلوب، وهي كثيرة جدًا في الكتاب والسنة.
رابعًا: عمل اللسان، وهو العمل الذي لا يؤدى إلا به كتلاوة القرآن وسائر الأذكار من التسبيح والتحميد والتكبير والدعاء والاستغفار وغير ذلك من الأعمال التي تؤدى باللسان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ ٣، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٤. وقال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥. وغير ذلك من نصوص الشرع الدالة على أعمال اللسان والطاعات التي تؤدى به.
خامسًا: عمل الجوارح، وهو العمل الذي لا يؤدى إلا بها مثل القيام والركوع والسجود والمشي في مرضاة الله كنقل الخطا إلى المساجد وإلى الحج والجهاد في سبيل الله، وغير ذلك من الأعمال التي تؤدى بالجوارح، قال الله
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون، الآية: ٦٠. ٢ سورة فاطر، الآية: ٢٩. ٣ سورة الكهف، الآية: ٢٧. ٤ سورة الأحزاب، الآية: ٤١. ٥ سورة المزمل، الآية: ٢٠.
[ ٢٤ ]
تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا* وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ ٣، والنصوص في هذا كثيرة جدًا٤.
قال محمد بن حسين الآجري في باب "القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنًا إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث "قال: "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.
ثم اعلموا أنه لا تجزىء المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقًا، ولا تجزىء معرفة القلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنًا، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين.."٥.
ثم ساق من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار السلفية ما يدل على ذلك ويؤيده.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٢٣٨. ٢ سورة الحج، الآيتان: ٧٧- ٧٨. ٣ سورة الفرقان، الآيتان: ٦٣- ٦٤. ٤ انظر معارج القبول للشيخ حافظ حكمي (٢/١٧ وما بعدها) . ٥ الشريعة للآجري (ص١١٩) وانظر شرح اعتقاد أهل السنة للالكائي (٤/ ٨٣٢) .
[ ٢٥ ]
هذا هو تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة، أما الطوائف الأخرى فيمكن تقسيم قولهم في الإيمان إلى قسمين: قسم يدخلون العمل في الإيمان ويجعلونه شرطًا في صحة الإيمان، وقسم يخرجون العمل من الإيمان وهم أقسام ويجمعهم وصف الإرجاء.
أما أهل القسم الأول فهم الخوارج والمعتزلة، يقولون: إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، لكن الإيمان عندهم كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله فمن أخل بالأعمال ذهب إيمانه باتفاق الطائفتين، وهو كافر عند الخوارج وفي منزلة بين المنزلتين عند المعتزلة١.
وفساد هذا القول ظاهر، فإن نصوص الكتاب والسنة الدالة على تبعض الإيمان وتفاضله وزيادته ونقصانه كثيرة جدًا، وسيأتي بسطها إن شاء الله في هذا البحث.
وأما أهل القسم الثاني وهم المرجئة، فهؤلاء ثلاثة أصناف:
١- صنف يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر المرجئة، ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه.
٢- وصنف يقولون: هو مجرد قول اللسان وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.
٣- وصنف يقولون: هو تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم ٢.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى لابن تيمية (١٣/٤٨) . ٢ انظر الفتاوى لابن تيمية (٧/ ١٩٥) .
[ ٢٦ ]
وأخبث هذه الأقوال وأكثرها فسادًا قول جهم ومن اتبعه أن الإيمان مجرد المعرفة القلبية فإن لازم هذا القول أن يكون إبليس وفرعون وغيرهما من رءوس الضلال مؤمنين كاملي الإيمان، ثم يليه في الفساد قول الكرامية أن الإيمان هو قول اللسان فقط، ويلي هذا القول قول مرجئة الفقهاء أن الإيمان اعتقاد في القلب وقول باللسان.
وجميع هذه الأقوال مباينة للحق مخالفة للصواب الوارد في الكتاب والسنة، والمنقول عن سلف الأمة في تعريف الإيمان وأنه شامل للأقوال والاعتقادات والأعمال، وقد ذكرت من أدلتهم على ذلك آنفًا ما يكفي في بيان المقصود ويفي ببيان المنشود، فإذا علم أن قولهم هو الحق الذي لا ريب فيه يعلم أن قول غيرهم هو الباطل الذي لا ريب فيه، وبطلانه وفساده يكون بحسب بعده عن الحق الوارد في الكتاب والسنة.
ثم ليعلم في ختام هذا القول المقتضب في أقوال الناس في تعريف الإيمان أن الخطأ في اسم الإيمان ليس كالخطأ في اسم محدث ولا كالخطأ في غيره من الأسماء، لأن أحكام الدنيا والآخرة متعلقة باسم الإيمان والإسلام والكفر والنفاق١، وهذا يؤكد وجوب فهم الإيمان فهمًا صحيحًا مستمدًا من الكتاب والسنة دون إفراط أو تفريط، وقد أثبت فيما سبق أنه لا صواب في ذلك غير قول أهل السنة والجماعة، وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٣٩٥) ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/٤٣٠) .
[ ٢٧ ]
المبحث الثاني: تعريف الزيادة والنقصان
قبل الشروع في ذكر ما يتعلق بزيادة الإيمان ونقصانه من أقوال وأدلة يحسن أن أعرف بمعناهما من حيث اللغة، فأقول:
الزيادة: هي مصدر زاد يزيد زيدًا وزيادة، فازداد.
يقولون: زدته أزيده زيدًا وزيادة، فازداد.
وهو أصل يدل على: الفضل، وقيل: النمو وهو الزيادة على الشيء من جنسه، أي أن ينضم إلى ما عليه الشيء في نفسه شيء آخر، وهي نوعان:
زيادة محمودة: كزيادة العلم والإيمان والصحة ومنه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ١، وقوله: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ ٢ أي أعطاه من العلم والجسم قدرًا زائدًا على ما أعطى أهل زمانه.
وزيادة مذمومة: كالزيادة على الكفاية، كالزائد على الكفاية كزائد الأصابع، والزوائد في قوائم الدابة، وزيادة الكبد، ومن هذا النوع قول الله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ ٣، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية: ٢٦. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٤٣. ٣ سورة البقرة، الآية: ١٠.
[ ٢٨ ]
مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ ١، فهذه زيادة فيما لا خير فيه فهي مذمومة٢.
النقصان: هو مصدر نقص ينقص نقصًا ونقصانًا، والنون والقاف والصاد كلمة واحدة يراد بها خلاف الزيادة، أو الخسران في الحظ.
والنقصان يكون مصدرًا، ويكون قدر الشيء الذاهب من المنقوص، وهو اسم له.
فتقول: نقصان الشيء، كذا، أي: قدر الذاهب منه.
مما جاء في التنزيل من هذه المادة، قوله تعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَاْلأَنْفُسِ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ ٤، أي: وافيًا كاملًا٥.
التفاضل: سترد هذه الكلمة كثيرًا في هذا البحث فمن المناسب تعريفها هنا فالتفاضل: هو مصدر: فضل يفضل فضلًا، والفاء والضاد
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ١٢٥. ٢ انظر: الصحاح للجوهري (٢/٤٨١) ومعجم مقييس اللغة لابن فارس (٣/٤٠)، والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (ص ٢١٦)، وبصائر ذوي التمييز للفيررز آبادي (٣/١٥٠)، وفتح البيان في مقاصد القران لصديق حسن خان (٤/٢٢٠) . ٣ سورة البقرة، الآية: ١٥٥. ٤ سورة هود، الآية: ١٠٩. ٥ انظر الصحاح للجوهري (٣/ ١٠٥٩)، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس (٥/ ٤٧٠) والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (ص ٥٠٣) وبصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي (٥/ ١١٤) .
[ ٢٩ ]
والنون أصل صحيح يدل على زيادة في شيء وهو ضد النقص.
وهو ضربان: محمود كفضل العلم والحلم، ومذموم كفضل الغضب على ما يجب أن يكون عليه، والفضل في المحمود أكثر استعمالًا، والفضول في المذموم.
وتفاضل: اسم مفاعلة من فضل، ومعناه حصول الشيء وتزايده تدريجًا١.
_________________
(١) ١ انظر الصحاح للجوهري (٥/١٧٩١)، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس (٤/٥٠٨) والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (ﷺ ٣٨١) وبصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي (٤/١٩٦) .
[ ٣٠ ]