وأما (القسم الثالث) وهو أن يقول: اللهم
[ ٣٧ ]
بجاه فلان عندك، أو ببركة فلان، أو بحرمة فلان عندك: افعل بي كذا، وكذا، فهذا يفعله كثير من الناس؛ لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء، ولم يبلغني عن أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه؛ إلا ما رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد بن عبد السلام، فإنه أفتى: أنه لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك، إلا للنبي ﵌ - إن صح الحديث في النبي ﵌ - ومعنى الاستفتاء: قد روى النسائي والترمذي وغيرهما «أن النبي ﵌ علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: " اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله ! إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي، اللهم
[ ٣٨ ]
فشفعه في» فإن هذا الحديث قد استدل به طائفة على جواز التوسل بالنبي ﵌ في حياته وبعد مماته. قالوا: وليس في التوسل دعاء المخلوقين، ولا استغاثة بالمخلوق، وإنما هو دعاء واستغاثة بالله؛ لكن فيه سؤال بجاهه، كما في سنن ابن ماجه عن النبي ﵌ أنه ذكر في دعاء الخارج للصلاة أن يقول: «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا، ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» .
قالوا ففي هذا الحديث أنه سأل بحق السائلين عليه وبحق ممشاه إلى الصلاة، والله
[ ٣٩ ]
تعالى قد جعل على نفسه حقا، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] ونحو قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٦] وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النبي ﵌ قال له: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ فإن حقهم عليه أن لا يعذبهم» . وقد جاء في غير حديث: كان حقا على الله كذا وكذا كقوله: «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال قيل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار» .
وقالت طائفة: ليس في هذا جواز التوسل به بعد
[ ٤٠ ]
مماته وفي مغيبه، بل إنما فيه التوسل في حياته بحضوره، كما في صحيح البخاري: أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا، فيسقون، وقد بين عمر بن الخطاب ﵁ أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون.
وذلك التوسل به أنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، ويتوسلون بشفاعته ودعائه، كما في الصحيح «عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان بجوار " دار القضاء " ورسول الله ﵌ قائم، يخطب، فاستقبل رسول الله ﵌ قائما، فقال:
[ ٤١ ]
يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله لنا أن يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله ﵌ يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر قال: وأقلعت فخرجنا نمشي في الشمس»، ففي هذا الحديث أنه قال: ادع الله لنا أن يمسكها عنا. وفي الصحيح أن عبد الله بن عمر قال: إني لأذكر قول أبي طالب في رسول الله ﵌ حيث يقول:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فهذا كان توسلهم به في الاستسقاء ونحوه، ولما مات توسلوا بالعباس ﵁، كما
[ ٤٢ ]
كانوا يتوسلون به ويستسقون، وما كانوا يستسقون به بعد موته، ولا في مغيبه ولا عند قبره ولا عند قبر غيره، وكذلك معاوية بن أبي سفيان ﵁ استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي، وقال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا! يا يزيد ارفع يديك إلى الله! فرفع يديه، ودعا، ودعوا؛ فسقوا؛ فلذلك قال العلماء يستحب أن يستسقى بأهل الصلاح والخير، فإذا كانوا من أهل بيت رسول الله ﵌ كان أحسن. ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار ولا غير ذلك من الأدعية، والدعاء مخ العبادة.
[ ٤٣ ]
والعبادة مبناها على السنة والاتباع، لا على الأهواء والابتداع، وإنما يعبد الله بما شرع، لا يعبد بالأهواء والبدع، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] وقال النبي ﵌: «إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور» .