١- تعريف الذريعة ومفهوم سد الذرائع٠
٢- الأدلة على وجوب سد الذرائع٠
أولًا: تعريف الذريعة:
الذريعة: هي الوسيلة والسبب إلى الشيء، وأصلها عند العرب: الناقة التي يستتر بها رامي الصيد حتى يصل إلى صيده ١٠
قال ابن تيمية: "والذريعة: ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة، ولهذا قيل: الذريعة: الفعل الذي ظاهره أنه مباح وهو وسيلة إلى فعل المحرم" ٢٠
وقال الشاطبي: "حقيقة الذريعة: التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة" ٣٠
والذرائع بذلك تختلف عن الحيل، فسد الذرائع مطلوب، والحيل محرمة لا تجوز، لأن حقيقتها: تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، كالواهب ماله عند رأس الحول فرارا من الزكاة ٤٠
قال ابن تيمية:"واعلم أن تجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة، فإن الشارع سد الطريق إلى ذلك المحرم بكل طريق، والمحتال يريد أن يتوسل إليه" ٥٠
_________________
(١) ١ لسان العرب جـ٨/٩٦، والقاموس المحيط جـ٣ /٢٤. ٢ مجموعة الفتاوى الكبرى جـ٣ /١٣٩. ٣ الموافقات جـ٣ /١٩٩. ٤ المرجع السابق جـ٣ /٢٠١. ٥ مجموعة الفتاوى الكبرى جـ٣ /١٤٥.
[ ١٧٧ ]
وقال ابن القيم: "وتجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة فإن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة، فأين من يمنع من الجائز خشية الوقوع في المحرم إلى من يعمل الحيلة في التوصل إليه" ١٠
ثانيًا: الأدلة على وجوب سد الذرائع:
دل القرآن والسنة والإجماع على وجوب سد الذرائع وإليكم بعض ما جاء من ذلك٠
أولًا: أدلة القرآن الكريم:
١- قال تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ٢٠
ووجه الدلالة من الآية: أن الله ﷾ نهى المؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهى سب المشركين لله ﷿، فكان النهى سدَّا لهذه الذريعة، وهذا دليل على المنع من الجائز إذا كان يؤدى إلى محرم٠
قال القرطبي:"في هذه الآية ضرب من الموادعة، ودليل على وجوب الحكم بسد الذرائع"٣٠
ونقل القاسمي عن بعض العلماء قوله في الآية:"إنه متى خيف من سب الكفار وأصنامهم أن يسبوا الله، أو رسوله، أو القرآن لم يجز أن يُسَبُّوا ولا دينهم، قال: وهى أصل في قاعدة سد الذرائع"٤٠
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين جـ٣ /١٧١. ٢ الأنعام / آية: ١٠٨. ٣ الجامع لأحكام القرآن جـ٤/٢٤٩٧. ٤ محاسن التأويل جـ٦ /٢٤٦٣.
[ ١٧٨ ]
وقال الشيخ/ عبد الرحمن السعدي:"وفى هذه الآية الكريمة دليل للقاعدة الشرعية، وهو أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها، وأن وسائل المحرم، ولو كانت جائزة تكون محرمة إذا كانت تفضي إلى الشر"١٠
١- وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢٠
ووجه الدلالة من الآية: أن الله ﷾ نهى المؤمنين عن كلمة "راعنا"، ومعناها عندهم راعنا سمعك، أي: اسمع لنا ما نريد أن نسأل عنه ونراجعك فيه، وهذا معنى صحيح، ولكن الله نهاهم عنها سدا للذريعة، لأن اليهود كانوا يقولونها لاوين بها ألسنتهم، لتوافق كلمة شتم عندهم، أو نسبة النبي ﷺ إلى الرعونة٠
وسيأتي كلام على هذه الآية – إن شاء الله تعالى – في الفصل الخامس من هذا البحث٠
ثانيًا: الأدلة من السنة النبوية:
١- عن عبد الله بن عمرو – ﵄ – قال: قال رسول الله ﷺ "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل" يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" ٣٠
_________________
(١) ١ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان جـ٢ /٤٥٤،٤٥٥. ٢ البقرة / آية: ١٠٤. ٣ أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب ٤ جـ١٠ /٤٠٣،ومسلم كتاب الإيمان باب ٣٨ ط/٩٢ وأبو داود في كتاب الأدب باب ١٢٩ جـ٥ /٣٥٢.
[ ١٧٩ ]
ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي ﷺ جعل الرجل لاعنا لأبويه إذا كان سببا في ذلك، وإن لم يقصده ٠
قال النووى – ﵀ – في شرحه للحديث:"فيه دليل على أن من تسبب في شيئ جاز أن ينسب إليه ذلك الشيء، وإنما جعل هذا عقوقًا لكونه يحصل منه ما يتأذى به الوالد تأذيا ليس بالهين، وفيه قطع الذرائع، فيؤخذ منه النهى عن بيع العصير ممن يتخذ الخمر، والسلاح ممن يقطع الطريق ونحو ذلك٠ والله أعلم"١٠
وقال ابن حجر:"قال ابن بطال: هذا الحديث أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم، والأصل في هذا الحديث: قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٢٠
١- قال عبد الله بن أبى بن سلول في غزوة بنى المصطلق:"أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ النبي ﷺ فقام عمر فقال: يا رسول الله: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" ٣٠
ووجه الدلالة من قول النبي ﷺ هذا، أنه كان يكف عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة، لئلا يكون ذريعة لتنفير الناس عنه وقولهم: إن محمدا يقتل أصحابه٠
يقول ابن تيمية في ذلك:"إن النبي ﷺ كان يكف عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة لئلا يكون ذريعة إلى قول الناس أن محمدا ﷺ يقتل أصحابه
_________________
(١) ١ شرح النووي على مسلم جـ٢ /٨٨. ٢ فتح البارى شرح صحيح البخاري جـ١٠ /٤٠٤. ٣ أخرجه البخاري في كتاب التفسير جـ٨ /٦٤٨، ومسلم في كتاب البر باب ١٦ جـ٤ /١٩٩٨.
[ ١٨٠ ]
لأن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه، وممن لم يدخل فيه، وهذا النفور حرام"١٠
ثالثًا: الإجماع:
أجمع الصحابة على بعض المسائل التي يمكن أن يستدل بها على وجوب سد الذرائع، وقد اعتبرها أهل العلم أدلة على سد الذرائع واحتجوا بها، كما عمل بها كثير من الأئمة، وإليكم بعض الأدلة٠
١- إن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ورثوا المطلقة المبتوتة في مرض الموت، حيث يتهم بقصد حرمانها من الميراث بلا تردد، وإن لم يقصد الحرمان، لأن الطلاق ذريعة وأما حيث لا يتهم ففيه خلاف معروف ٢٠
وقد رجح ابن قدامة توريثها فقال:"وإن كان الطلاق في المرض المخوف، ثم مات من مرضه ذلك في عدتها ورثته، ولم يرثها إن ماتت، وروى عن عتبة بن عبد الله بن الزبير لا ترث مبتوته، ولنا: أن عثمان – ﵁ – ورث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف، وكان طلقها في مرضه فبتها، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر فكان إجماعا" ٣٠
إجماع الصحابة – ﵃ – وعامة الفقهاء على قتل الجماعة بالواحد، وإن كان قياس القصاص يمنع ذلك، لئلا يكون عدم القصاص ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء، قال ابن قدامة:"
_________________
(١) ١ مجموعة الفتاوى الكبرى جـ٣ /١٤٠. ٢ انظر مجموعة الفتاوى الكبرى لابن تيمية جـ٤ /١٤٣. ٣ المغنى جـ٦ /٣٢٩،٣٣٠.
[ ١٨١ ]
١- ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك أدى إلى التسارع إلى القتل به، فيؤدى إلى إسقاط حكمة الردع والزجر"١٠
وقد تتابع كثير من العلماء على اعتبار سد الذرائع، وحكَّمها الإمام مالك في أكثر أبواب الفقه، كما ذكر الشاطبي ٢، وقال بعد أن ذكر خلافا بين الإمامين مالك والشافعي:"فقد ظهر أن قاعدة سد الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة"٣٠
وقال ابن بدران:"سد الذرائع هو مذهب مالك وأصحابنا"٤٠ يعنى الحنابلة٠
وقد قال بها ابن تيمية، وذكر لها ثلاثين شاهدا من الشريعة يدل عليها ٥، وتوسع ابن القيم فذكر تسعة وتسعين دليلا عليها، وختم كلامه بقوله:"ولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافق لأسماء الله الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة، وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهى، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهى نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه٠ والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين" ٦٠
_________________
(١) ١ المرجع السابق جـ٧ /٦٧٢، ومجموعة الفتاوى الكبرى جـ٤ /١٤٣. ٢ الموافقات جـ٤ /١٩٨. ٣ المرجع السابق جـ٤ /٢٠٠،٢٠١. ٤ المدخل إلى مذهب أحمد /١٣٨. ٥ مجموعة الفتاوى الكبرى جـ٣ /١٣٨ – ١٤٥. ٦ إعلام الموقعين جـ٣/١٧١.
[ ١٨٢ ]