لقد تهاون كثير من الناس في هذه المسألة، وأصبحوا يطلقون كلمات توقعهم في هذا اللون من الشرك، ولكثرة وقوعه وانتشاره بدأت الحديث عنه في هذا الفصل، ومن أمثلة سد الذرائع في هذا الباب ما يلي:
أ- النهى عن الحلف بغير الله: لما كان الحلف بالشيئ يقتضى تعظيمه، والعظمة في الحقيقة لله وحده، نهى الرسول ﷺ عن الحلف بغير الله كما في حديث عمر – ﵁ – قال: قال لي رسول الله ﷺ: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" ١٠
وعن ابن عمر – ﵁ – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" ٢٠ قال الترمذي بعد سياقه:"هذا حديث حسن ٣، وتفسير هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله: "فقد كفر أو أشرك"، على التغليظ، والحجة في ذلك حديث ابن عمر أن النبي ﷺ سمع عمر يقول: وأبى وأبى، فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، وحديث أبى هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال في حلفه: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الل هـ"٠
وهذا مثل ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "الرياء شرك"، وقد فسر بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحا﴾ الآية ٠ قال: لا يرائي"٤٠
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الأيمان باب ٤ جـ١١/ ٥٣٠، ومسلم كتاب الأيمان باب ١ جـ٣ /١٢٦٦، ومالك في الموطأ جامع الأيمان جـ٣ /٦٧ من شرح الزرقانى٠ ٢ أخرجه الترمذي في أبواب النذور باب ٨ جـ٥ / ١٣٥ من تحفة الأحوذى٠ ٣ قال الشيخ الألباني بعد ذكره لكلام الترمذي هذا، بل هو صحيح٠ انظر السلسلة الصحيحة جـ٥ /٧٠. ٤ الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي جـ٥ / ١٣٦، ٣١٧.
[ ٢١٠ ]
قال ابن حجر:" والتعبير بقوله:"فقد كفر أو أشرك للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك، وقد تمسك به من قال بتحريم ذلك"١٠
قال أبو جعفر الطحاوي:"لم يرد به الشرك الذي يخرج من الإسلام حتى يكون به صاحبه خارجًا عن الإسلام، ولكنه أراد أنه لا ينبغي أن يحلف بغير الله تعالى، لأن من حلف بغير الله تعالى فقد جعل ما حلف به محلوفا به، كما جعل الله تعالى محلوفا به، وبذلك جعل من حلف به أو ما حلف به شريكا فيما يحلف به، وذلك أعظم، فجعله شركا بذلك شركا غير الشرك الذي يكون به كافرا بالله تعالى خارجا عن الإسلام"٠
قال الشيخ الألباني بعد نقله لهذا الكلام:"يعنى – والله أعلم – أنه شرك لفظي وليس شركا اعتقاديا، والأول تحريمه من باب سد الذرائع، والآخر محرم لذاته، وهو كلام وجيه متين"٢٠
ب-النهى عن قول:"ما شاء الله وشئت"٠
قال البخاري في صحيحة:"باب لا يقول ما شاء الله وشئت"٣٠
وعن حذيفة بن اليمان أن رجلا من المسلمين رأى في النوم أنه لقي رجلا من أهل الكتاب فقال: نعم القوم أنتم، لولا أنكم تشركون٠ تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، وذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "أما والله، إن كنت لأعرفها لكم، قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد" ٤٠
قال الربيع بن سليمان: قال الشافعي:"المشيئة إرادة الله قال الله ﷾: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾ ٥، فأعلم الله خلقه أن المشيئة له دون
_________________
(١) ١ فتح البارى جـ١١ /٥٣١. ٢ سلسلة الأحاديث الصحيحة جـ١ /٢١٧. ٣ أخرجه البخاري فىكتاب الأيمان والنذور باب ٨ جـ١١ /٥٣٩. ٤ أخرجه ابن ماجة في سننه كتاب الكفارات باب ١٣ جـ١ م ٦٨٥، والدارمي في سننه كتاب الاستئذان جـ٢/٢٩٥، وأحمد في مسنده جـ٥ /٣٩٣، ٣٩٤. ٥ الإنسان / آية: ٣٠.
[ ٢١١ ]
خلقه، وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء، فيقال لرسول الله ﷺ:"ما شاء الله ثم شئت"، ولا يقال:"ما شاء الله وشئت"١٠
وعن ابن عباس – ﵄ – أن رجلًا قال للنبي ﷺ:"ما شاء الله وشئت"، فقال له النبي ﷺ: "أجعلتني والله عدلا، بل ما شاء الله وحده" ٢٠
قال ابن القيم:" إنه ﷺ قال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد"، وذم الخطيب الذي قال:"من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن عصاهما فقد غوى"، سدا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسما لمادة الشرك حتى في اللفظ، ولهذا قال للذي قال له:"ما شاء الله وشئت" أجعلتني لله ندا؟ فحسم مادة الشرك، وسد الذريعة إليه في اللفظ، كما سدها في الفعل والقصد، فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله أكمل صلاة وأتمها وأزكاها وأعمها"٣٠
وقال الشيخ الألباني بعد ذكره لبعض الأحاديث في هذا الموضوع:"قلت: وفى هذه الأحاديث أن قول الرجل لغيره: ما شاء الله وشئت يعتبر شركا في نظر الشارع، وهو من شرك الألفاظ، لأنه يوهم أن مشيئة العبد في درجة مشيئة الرب ﷾، وسببه القرن بين المشيئتين، ومثل ذلك قول بعض العامة وأشباههم ممن يدعى العلم مالي غير الله وأنت، وتوكلنا على الله وعليك، ومثله قول بعض المحاضرين: باسم الله والوطن، أو باسم الله والشعب، ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي يجب الانتهاء عنها والتوبة منها، أدبا مع الله ﵎"٤٠
_________________
(١) ١ شرح السنة للبغوي جـ١٢ / ٣٦١. ٢ مسند أحمد جـ١ /٢١٤،٢٢٤،٢٨٣،٣٤٧. ٣ إعلام الموقعين جـ٣ / ١٥٨، ١٥٩. ٤ سلسلة الأحاديث الصحيحة جـ١ /٢١٧.
[ ٢١٢ ]
جـ- النهي عن قول: عبدي وأمتي٠
عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة – ﵁ – يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك وضئ ربك، وليقل: سيدي، مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل: فتاي، وفتاتي وغلامي" ١٠
قال البغوي:"قيل: إنما منع من أن يقول: ربى أو اسق ربك، لأن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد، فكره له المضاهاة بالاسم، لئلا يدخل في معنى الشرك، والعبد والحُر، فيه بمنزلة واحدة، فأما ما لا تعبُّد عليه من سائر الحيوان والجماد فلا يمنع منه، كقولك: رب الدار، ورب الدابة والثوب، ولم يمنع العبد أن يقول: سيدي ومولاي، لأن مرجع السيادة إلى معنى الرياسة على من تحت يده، والسياسة له وحسن التدبير لأمره، ولذلك سمى الزوج سيدا٠ قال الله ﷾: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ ٢ ، ومنع السيد من أن يقول: عبدي، لأن هذا الاسم من باب المضاف ومقتضاه العبودية له، وصاحبه عَبْدُ لله، مُتَّعَبَّدُ بأمره ونهيه، فإدخاله مملوكه تحت هذا الاسم يوهم التشريك"٣٠
وقال النووي في شرحه للحديث:"يكره للسيد أن يقول لمملوكه عبدي وأمتي، بل يقول "غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي، لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى، ولأن فيها تعظيما بما لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه، وقد
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب العتق باب ١٧ جـ٥ /١٧٧، ومسلم في كتاب الألفاظ باب ٣ جـ٤/١٧٦٥، وأبو داود في سننه كتاب الأدب باب ٨٣ جـ٥/٢٥٦، وأحمد في مسنده جـ٢ /٣١٦، ٤٢٣، ٤٦٣. ٢ يوسف / آية: ٢٥. ٣ شرح السنة جـ١٢ /٣٥٠، ٣٥١.
[ ٢١٣ ]
بين النبي ﷺ العلة في ذلك فقال:"كلكم عبيد الله، فنهى عن التطاول في اللفظ"١٠
وقال ابن القيم:"إن النبي ﷺ نهى الرجل أن يقول لغلامه وجاريته: عبدي وأمتي، ولكن يقول: فتاي وفتاتي، ونهى أن يقول لغلامه: وضئ ربك، أطعم ربك سدا لذريعة الشرك في اللفظ والمعنى، وإن كان الرب ههنا هو المالك كرب الدار، ورب الإبل، فعدل عن لفظ العبد والأمة إلى لفظ الفتى والفتاة، ومنع من إطلاق لفظ الرب على السيد حماية لجانب التوحيد وسدا لذريعة الشرك"٢٠
وقال عبد الرحمن بن حسن:"هذه الألفاظ المنهي عنها، وإن كانت تطلق لغة، فالنبي ﷺ نهى عنها تحقيقا للتوحيد، وسدا لذرائع الشرك لما فيها من التشريك في اللفظ، لأن الله تعالى هو رب العباد جميعهم، فإذا أطلق على غيره شاركه في الاسم فينهى عنه لذلك، وإن لم يقصد بذلك التشريك في الربوبية التي هي وصف الله تعالى، فالنهى عنه حسما لمادة التشريك بين الخالق والمخلوق، وتحقيقا للتوحيد، وبعدا عن الشرك حتى في اللفظ، وهذا من أحسن مقاصد الشريعة لما فيه من تعظيم الرب تعالى، وبعده عن مشابهة المخلوقين، فأرشدهم ﷺ إلى ما يقوم مقام هذه الألفاظ، وهو قوله: "سيدي ومولاي" وكذا قوله: "ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي"، لأن العبيد عبيد الله والإماء إماء الله٠ قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ٣، ففي إطلاق هاتين الكلمتين على غير الله تشريك في اللفظ، فنهاهم عن ذلك تعظيما لله تعالى وأدبا وبعدا عن الشرك وتحقيقا للتوحيد، وأرشدهم إلى أن يقولوا: "فتاي وفتاتي وغلامي"، وهنا من باب حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد، فقد بلغ ﷺ أمته كل ما فيه نفع لهم، ونهاهم عن كل ما فيه نقص في الدين، فلا خير إلا دلهم
_________________
(١) ١ شرح النووي على مسلم جـ١٥ / ٧. ٢ إعلام الموقعين جـ٣ / ١٦٢، ١٦٣. ٣ مريم / آية: ٩٣.
[ ٢١٤ ]
عليه، خصوصا في تحقيق التوحيد، ولا شر إلا حذرهم منه خصوصا ما يقرب من الشرك لفظا وإن لم يقصد٠ وبالله التوفيق"١٠
_________________
(١) ١ فتح المجيد شرح كتاب التوحيد / ٤٦٧.
[ ٢١٥ ]