أرسل الله أنبياءه ورسله باللسان الذي يتكلم به المرسل إليهم، حتى يعرفوا خطابه ومراده منه، ولئلا يتعللوا بعدم الفهم له، فكان الإرسال بهذه الطريقة سدا لذريعة تكذيبهم بحجة عدم الفهم عنهم٠ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١٠
واختص الله نبينا محمدا ﷺ بإرساله إلى الناس كافة من العرب والعجم، كما هو مرسل إلى الجن أيضا، ولا حجة لغير العرب في ذلك، لأن الله قيض لدينه من ينشره إلى غير العرب بلسانهم وأقيمت الحجة عليهم بذلك٠
قال القرطبي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾ أي قبلك يا محمد ﴿إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾، أي بلغتهم، ليبينوا لهم أمر دينهم، ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه الآية، لأن كل من ترجم له ما جاء به النبي ﷺ ترجمة يفهمها لزمته الحجة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٢٠
وقال ابن تميمة:"وأما كون القرآن أنزل باللسان العربي وحده فعنه أجوبة: أحدهما: أن يقال: والتوراه إنما أنزلت باللسان العبري وحده..، وكذلك سائر الكتب لا ينزلها الله إلا بلسان واحد، بلسان الذي أنزلت عليه، ولسان قومه الذين يخاطبهم أولا، وسائر الأنبياء إنما يخاطبون الناس بلسان قومهم الذي يعرفونه أولا، ثم بعد ذلك تبلغ الكتب وكلام الأنبياء لسائر الأمم، إما أن يترجم لمن لا يعرف لسان ذلك الكتاب، وإما بأن يتعلم الناس لسان ذلك الكتاب فيعرفون معانيه"٣٠
_________________
(١) ١ إبراهيم / آية: ٤. ٢ الجامع لأحكام القرآن جـ٥ / ٣٥٦٩. ٣ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح جـ١ / ١٨٩.
[ ٢٤٠ ]
وقال ابن كثير:"هذا من لطفه تعالى بخلقه: أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن عمر بن ذر قال: قال مجاهد: عن أبى ذر قال: قال رسول الله ﷺ "لم يبعث الله نبيا إلا بلغة قومه"..، وقد كانت هذه سنة الله في خلقه: أنه ما بعث نبيا في أمة إلا أن يكون بلغتهم، فاختص كل نبى بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله بعموم الرسالة إلى سائر الناس"١٠
وقال القاسمي في تفسيره:"فإن قلت: لم يبعث رسول الله ﷺ إلى العرب وحدهم، وإنما بعث إلى الناس جميعا، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٢، بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة قلت: لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل، فبقى أن ينزل بلسان واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر، قامت التراجم ببيانه وتفهمه، كما ترى الحال وتشاهد من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم"٣٠
وفى صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي " وذكر منها: "وبعثت إلى كل أحمر وأسود.." ٠
قال النووي في شرحه:"قيل المراد بالأحمر البيض من العجم وغيرهم، وقيل المراد بالأسود السودان، وبالأحمر من عداهم من العرب وغيرهم، قيل الأحمر الإنس، والأسود الجن، والجميع صحيح فقد بعث إلى جميعهم"٤٠
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير جـ٣ / ٢٩٧. ٢ الأعراف / آية: ١٥٨. ٣ محاسن التأويل جـ١٠ / ٣٧٠٦، ٣٧٠٧. ٤ شرح النووي على مسلم جـ٥ / ٥، وانظر أيضا فتح الباري جـ١/ ٤٣٩.
[ ٢٤١ ]