بعث رسول الهدى ﷺ رحمة للعالمين وهداية للناس أجمعين، وكان ﷺ حريصا كل الحرص على رجوع العباد إلى ربهم وعبادتهم له وحده، وكان توحيد العبادة على رأس المهمات التي ركز عليها ﷺ، بل هو لُبَّ دعوته ودعوة إخوانه من الأنبياء والمرسلين، ولذلك لا نجد عجبا حينما نجد كتب السنة قد امتلأت بكثير من الأحاديث التي حذر فيها النبي ﷺ أمته من الشرك، واحتاط ﷺ لهذا الأمر احتياطا عظيما بالغا، فسد الذرائع وأغلق أي باب يؤدى إلى الشرك، وأكَّد وكرر ونهى وحذر في مواقف مختلفة متعددة، حتى وقع ذلك منه ﷺ وهو على فراش الموت٠
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وقد كان النبي ﷺ يحقق هذا التوحيد لأمته، ويحسم عنهم مواد الشرك، إذ هذا تحقيق قولنا "لا إله إلا الله"، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب لكمال المحبة والتعظيم والإجلال والإكرام والرجاء والخوف" ١٠
وهذه نبذة يسيرة مما قاله ﷺ في ذلك٠
١- نهى عن الغلو فيه حتى لا يكون ذلك ذريعة إلى عبادته من دون الله، أو مع الله٠
فعن عمر بن الخطاب – ﵁ – قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله" ٢ والإطراء هو مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه ٣، ولذلك نهى عنه النبي ﷺ حتى لا تقع أمته فيه، وتفعل كما فعلت النصارى بعيسى بن مريم٠
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى جـ١ /١٣٦. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب ٤٨ جـ٦ / ٤٧٨، والدرامي في كتاب الرقائق جـ٢ /٣٢٠، وأحمد في مسنده جـ١/٢٣، ٢٤، ٤٧، ٥٥. ٣ النهاية في غريب الحديث والأثر جـ٣/١٢٣.
[ ١٩٧ ]
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في شرحه للحديث:"أي لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى – ﵇- فادَّعوا فيه الإلهية، وإنما أنا عبد الله ورسوله فصفوني بذلك كما وصفني ربى فقولوا عبد الله ورسوله"١٠
وقد بين النبي ﷺ أن الغلو بصفة عامة أهلك الأمم السابقة، وكان سببا في القضاء عليها، ومن هنا حذر أمته منه حتى لا تهلك كهلاكهم، فعن ابن عباس – ﵁ – قال:"قال لي رسول الله ﷺ غداه جمع ٢ "هلَّم القط لي"، فلقطت له حصيات من حصى الخذف ٣، فلما وضعهن في يده قال: "نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" ٤٠
ولمسلم عن ابن مسعود – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ "هلك المتنطعون" قالها ثلاثا ٥٠ والمتنطعون: هم المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم ٦٠
وكرر النبي ﷺ هذه الكلمة ثلاث مرات مبالغة في التعليم والإبلاغ، وتحذيرا من الوقوع فيه لخطره وضرره على العقيدة وحماية لجناب التوحيد٠
قال ابن القيم:"فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الأوسط، وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطا، وهى الخيار العدل لتوسطها
_________________
(١) ١ فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص ٢٠٣، ٢٣١. ٢ يعنى مزدلفة٠ ٣ أي حصى صغارا. انظر لسان العرب جـ٩ / ٦١. ٤ أخرجه أحمد في مسنده جـ١/٢١٥، ٣٤٧، والنسائي في كتاب مناسك الحج جـ٥ /٢١٨، وابن ماجة كتاب المناسك باب ٦٣ جـ٢/١٠٠٨، وابن أبى عاصم في السنة جـ١/٤٦، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. ٥ صحيح مسلم كتاب العلم باب ٤ جـ٤ / ٢٠٥٥. ٦ شرح النووي على مسلم جـ١٦ / ٢٢٠.
[ ١٩٨ ]
بين الطرفين المذمومين، والعدل: هو بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف والأوساط محمية بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها٠
قال الشاعر:
كانت هي الوسط المحمى فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفا١٠
وقد كان الغلو هو سبب عبادة الأصنام وحدوث الشرك في الأرض كما جاء في البخارى عن ابن عباس – ﵁- في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ٢ قال: "أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ ٣ العلم عبدت"٤٠
فهؤلاء كما جاء في الحديث غلوا في هؤلاء الصالحين لماَّ صوروا صورهم ونصبوها في مجالسهم، وكان الدافع لهم إلى ذلك – في زعمهم- أن ينشطوا ويجتهدوا في الطاعة والعبادة ويسلكوا سبيلهم ولكن آل الأمر بعد طول الأمد وغلبة الجهل ووسوسة الشيطان إلى عبادتهم من دون الله ﷿، وقد ساق ابن جرير الطبري بإسناده إلى محمد بن قيس أنه قال:"كانوا قوما صالحين من بنى آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال:"إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم"٥٠
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان جـ١ / ١٨٢. ٢ نوح / آية: ٢٣. ٣ يعنى تحول وتغير ونسى بسبب ذهاب العلماء٠ ٤ البخاري كتاب التفسير جـ٨ /٦٦٧. ٥ جامع البيان في تفسير القرآن جـ٢٩ / ٦٢.
[ ١٩٩ ]
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن:"فصارت هذه الأصنام بهذا التصوير على صور الصالحين سُلَّما إلى عبادتها، وكل ما عبد من دون الله من قبر، أو مشهد، أو صنم، أوطاغوت فالأصل في عبادته هو الغلو كما لا يخفى على ذوى البصائر"١٠
وقال الشيخ حافظ الحكمي بعد ذكره لحديث ابن عباس:"فلو جاءهم اللعين وأمرهم من أول مرة بعبادتهم لم يقبلوا ولم يطيعوه، بل أمر الأولين بنصب الصور لتكون ذريعة للصلاة عندها ممن بعدهم، ثم تكون عبادة الله عندها ذريعة إلى عبادتها ممن يخلفهم"٢٠
وقال الشيخ صديق حسن خان:"ومن أسباب عبادة الأصنام الغلو في المخلوق وإعطاؤه فوق منزلته"٣٠
١- بيان النبي ﷺ أن الاستغاثة بالله وحده٠
الاستغاثة: هي طلب الغوث وهو إزالة الشدة٠يقال: استغاثني فلان فأغثته، ولا تجوز بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله٠ قال تعالى مبينا استغاثة الرسول ﷺ وصحبه الكرام بربهم وحده: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ٤٠
وعن عمر بن الخطاب﵁ – قال:"لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: "اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض"، فمازال يهتف بربه، مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن
_________________
(١) ١ فتح المجيد الهامش ص ٢٢٥. ٢ معارج القبول جـ١ / ٤٢٢. ٣ الدين الخالص جـ٢/ ٤٤٥. ٤ الأنفال / آية: ٩.
[ ٢٠٠ ]
منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، فأمده الله بالملائكة"١٠
وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت – ﵁ – قال: قال أبو بكر: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ: "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله ﷿" ٢٠
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بعد ذكره للحديث:"فيه النص على أنه لا يستغاث بالنبي ﷺ ولا بمن دونه٠ كره النبي ﷺ أن يستعمل هذا اللفظ في حقه، وإن كان مما يقدر عليه في حياته، حماية لجناب التوحيد وسدا لذرائع الشرك وأدبا وتواضعا لربه وتحذيرا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال، فإذا كان هذا فيما يقدر عليه ﷺ في حياته، فكيف يجوز أن يستغاث به بعد وفاته"٠
وقال في قرة العيون: "وقيل إن النبي ﷺ كان يقدر أن يغيثهم من ذلك المنافق فيكون نهيه ﷺ عن الاستغاثة به حماية لجناب التوحيد، وسدا لذرائع الشرك كنظائره مما للمستغاث به قدرة عليه مما كان يستعمل لغة وشرعا مخافة أن يقع من أمته استغاثة بمن لا يضر ولا ينفع"٣٠قلت: ويظهر بذلك أن الاستغاثة نوعان:
_________________
(١) ١ مسلم كتاب الجهاد باب ١٨ جـ٣ /١٣٨٤، وأحمد في مسنده جـ١ / ٣٠، ٣٢. ٢ قال الهيثمي في مجمع الزوائد جـ١٠ / ١٥٩: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث٠ قلت: ابن لهيعة ضعيف مختلط إلا في رواية العبادلة عنه، وهذه ليست منها، وقد ذكر بعض العلماء هذا الحديث في كتبهم كابن تيمية وغيره وسقته هناك كشاهد على موضوع سد الذرائع التي أنا بصدد الحديث عنها٠ ٣ فتح المجيد / ١٨٤، ١٨٥، وبها مشه كلامه في قرة العيون٠
[ ٢٠١ ]
أ-استغاثة لا يقدر عليها إلا الله ولا تطلب إلا منه وحده، وطلبها من غيره شرك، وهى التي تقدم الحديث عنها٠
ب-استغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه ويتمكن من فعله والقيام به، فهذه ليست شركا، وذلك كاستغاثة الغريق مثلا بمن ينقذه ومنه استغاثة الاسرائيلي بموسى – ﵇ – كما جاء في قوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ١٠
٣- النهى عن اتخاذ القبور مساجد وعبادة الله عندها٠
قبل بيان ما ورد في الشرع من ذلك أرى من الضروري أن أبين أولًا صفة القبور الشرعية، حتى يتبين لنا المخالفات التي وقع فيها من اتخذوا القبور مساجد، ونفهم أيضا أهمية التحذيرات المتكررة من النبي ﷺ ونهيه الشديد عن اتخاذ القبور مساجد٠
قال ابن فارس في مادة "قبر":"القاف والباء والراء أصل صحيح يدل على غموض في شيئ وتطامن٢، ومن ذلك القبر قبر الميت، ويقال في اللغة: أطمأنت الأرض وتطأمنت: انخفضت ٣٠
وهذا يحدد مفهوم كلمة "قبر" في اللغة، وهو ما كان من المواضع منخفضا غير شارع ولا بارز٠
_________________
(١) ١ القصص / آية: ١٥. ٢ أي انخفاض. ٣ انظر معجم مقاييس اللغة ج٥/٤٧ولسان العرب جـ١٣ / ٢٦٨.
[ ٢٠٢ ]
وقد بين النبي ﷺ في سنته صفة القبور، وما يجب أن تكون عليه، ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله – ﵄- قال:" نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر أو يقعد عليه أو يبنى عليه" ١٠
وعن أبى الهياج الأسدي قال: قال لي على بن أبى طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ:"أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته"٢٠
وقد وردت أحاديث كثيرة بهذا المعنى، وكلها تدل على تحريم البناء على القبور أو الكتابة عليها وتجصيصها، وإيقاد السرج عليها٣٠
والآن إلى ذكر بعض الأحاديث الواردة في النهى عن اتخاذ القبور مساجد والصلاة عندها، وبيان ما في ذلك من سد لذرائع الشرك٠
١-عن عائشة وعبد الله بن عباس – ﵄ – قالا: لما نزل ٤ برسول الله ﷺ طفق٥ ﷺ يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتنم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا٦٠
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في كتاب الجنائز باب ٣٢ جـ٢ /٦٦٧، وأحمد في مسنده جـ٣/ ٣٣٩، والترمذي في أبواب الجنائز باب ٥٧ جـ٤ / ١٥٥، وأبو داود في كتاب الجنائز باب ٧٦ جـ٣ /٥٥٢. ٢ أخرجه مسلم في كتاب الجنائز باب ٣١ جـ٢ /٦٦٦، والترمذي في أبواب الجنائز باب ٥٥ جـ٤/١٥٠، وأبو داود في كتاب الجنائز باب ٧٢ جـ٣ / ٥٤٨. ٣ يراجع في ذلك المبحث الثالث من الفصل الثاني من كتابي "أصول الاعتقاد عند الإمام البغوي"٠ ٤ نُزل ونزل، والمعنى: لما نزل ملك الموت، أو حضرت المنية، والوفاة رسول الله ﷺ ٥ طفق: بكسر الفاء وفتحها، أي: جعل، والكسر أفصح وأشهر٠ ٦ الحديث أخرجه البخاري في مواضع منها كتاب الصلاة باب ٥٥ جـ١/٥٣٢، وكتاب الجنائز باب ٦١ جـ٣ /٢٠٠، وباب ٩٦ جـ٣/٢٥٥، وكتاب أحاديث الأنبياء باب ٥٠ جـ٦/٤٩٤، ومسلم في كتاب المساجد باب ٣ جـ١/ ٣٧٧، والنسائي في كتاب المساجد باب النهى عن اتخاذ القبور مساجد جـ٢/٣٣ وأحمد في مسنده جـ٦ /٢٢٨، ٢٧٥
[ ٢٠٣ ]
قال القرطبي في معنى الحديث:"وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام"، وقال أيضًا:"ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي ﷺ فأعلوا حيطان تربته وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره ﷺ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال، حتى لا يمكنوا أحدا من استقبال قبره ١٠
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فحرم ﷺ أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها، كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده، لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه، والدعاء به، والدعاء عنده، فنهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله، والفعل إذا كان يفضى إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه، كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة، وهو التشبه بالمشركين الذي يفضى إلى الشرك"٢٠
وقال في موطن آخر:"إنه نهى عن بناء المساجد على القبور ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تكبير القبور وتشريفها وأمر بتسويتها، ونهى عن الصلاة إليها
_________________
(١) ١ فتح المجيد /٢٣٩. ٢ مجموع الفتاوى جـ٣ / ١٦٣، ١٦٤.
[ ٢٠٤ ]
وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانا، وحرم ذلك على من قصد هذا ومن لم يقصده بل قصد خلافه سدا للذريعة"١٠
٢-وفى الصحيحين وغيرهما ٢ أن أم حبيبة وأم سلمة – ﵄ – ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال ﷺ: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" ٠
قال ابن حجر:"وإنما فعل ذلك أوائلهم ليتأسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلف من بعدهم خلوف جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فعبدوها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك سدا للذريعة المؤدية إلى ذلك ٣٠
وقال ابن القيم بعد ذكره لهذا الحديث وغيره من الأحاديث الناهية عن اتخاذ القبور مساجد:"إن فتنة الشرك بالصلاة في القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر، فإذا نهى عن ذلك، أي عن الصلاة بعد هذين الوقتين سدا لذريعة التشبه التي لا تكاد تخطر ببال المصلى، فكيف بهذه الذريعة القريبة التي كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك ودعاء الموتى
_________________
(١) ١ مجموعة الفتاوى الكبرى جـ٣ / ١٤١. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب ٤٨ جـ١/٥٢٣، وباب ٥٤ جـ١/٥٣١، وكتاب الجنائز باب ٧٠ جـ٣ / ٢٠٨، وكتاب مناقب الأنصار باب ٣٧ جـ٧ / ١٨٧،١٨٨، ومسلم في كتاب المساجد باب ٣ جـ١ / ٣٧٥، والنسائي في كتاب المساجد جـ٢ /٣٣. ٣ فتح الباري جـ١/٥٢٥.
[ ٢٠٥ ]
واستغاثتهم، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها في المساجد مما هو محادة لله ورسوله ﷺ "١٠
٣- وعن جندب بن عبد الله البجلي أنه سمع النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ ابراهيم خليلًا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلا٠ ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد٠ ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" ٢٠
قال النووي:"قال العلماء: إنما نهى النبي ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية "٣٠
وقال ابن القيم:"إن النبي ﷺ نهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تجصيص القبور وتشريفها واتخاذها مساجد، وعن الصلاة إليها وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها، وأمر بتسويتها ونهى عن اتخاذها عيدا، وعن شد الرحال إليها، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانا والإشراك بها، وحرم ذلك على من قصده ومن لم يقصده، بل قصد خلافه سدَّا للذريعة"٤٠
وقد ذكر الصنعاني بعد سياقه لبعض الأحاديث المبينة لصفات القبور الشرعية:"وهذه الأخبار المعبر فيها باللعن والتشبيه بقوله:"لا تجعلوا قبري وثنا يعبد من دون الله"، تفيذ التحريم للعمارة والتزيين والتجصيص، ووضع
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان جـ١/ ١٨٨. ٢ أخرجه مسلم في صحيحة كتاب المساجد باب ٣ جـ١ / ٣٧٧، ٣٧٨. ٣ شرح النووي على مسلم جـ ٥ / ١٣. ٤ إعلام الموقعين عن رب العالمين جـ٣ /١٥١.
[ ٢٠٦ ]
الصندوق المزخرف، ووضع الستائر على القبر وعلى سمائه، والتمسح بجدار القبر، وأن ذلك قد يفضى مع بعد العهد وفشو الجهل إلى ما كان عليه الأمم السابقة من عبادة الأوثان، فكان في المنع عن ذلك بالكلية قطع لهذه الذريعة المفضية إلى الفساد، وهو المناسب للحكمة المعتبرة في شرع الأحكام من جلب المصالح ودفع المفاسد سواء كانت بأنفسها أو باعتبار ما تفضي إليه"١٠
٤-وعن ثابت بن الضحاك – ﵁ – قال:"نذر رجل على عهد النبي ﷺ أن ينحر إبلا ببوانة، فقال النبي ﷺ "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا، قال: " هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالو: لا ٠ قال رسول الله ﷺ " أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم" ٢٠
_________________
(١) ١ سبل السلام شرح أدلة الأحكام جـ٢/٥٧٤. ١ بوانة: هضبة وراء ينبع قريبة من ساحل البحر. انظر معجم البلدان جـ ١/٥٠٥ ٢ أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأيمان والتذور باب ٢٣ جـ٩ / ١٤٠.وقال الشيخ الألبانى٠ صحيح٠ انظر صحيح سند أبى داود جـ٢ /٦٣٧.
[ ٢٠٧ ]