دل القرآن الكريم على أن الله فضل بعض النبيين على بعض كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١، ومع هذا وردت أحاديث صحيحة تنهى عن تفضيل بعض النبيين على بعض كما جاء في حديث أبى هريرة – ﵁ – قال:"بينما يهودي يعرض سلعته أعطى بها شيئا كرهه، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فقام فلطم وجهه، وقال: تقول والذي اصطفى موسى على البشر والنبي ﷺ بين أظهرنا؟ فذهب إليه فقال: أبا القاسم، إن لي ذمة وعهدا، فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: "لم لطمت وجهه؟ " فذكره، فغضب النبي ﷺ حتى رؤى في وجهه، ثم قال: "لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدرى أحوسب بصعقته يوم الطور، أم بعث قبلي"
وعن ابن عباس – ﵄ – عن النبي ﷺ قال: "ما ينبغي لعبد أن يقول: "إني خير من يونس بن متى٠ ونسبه إلى أبيه" ٢٠
وهذه الأحاديث لا تعارض آية التفضيل المذكورة آنفا، وينبغي أن يحمل النهى الوارد فيها عن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية، سدا لذريعة الانتقاص من المفضول٠
قال النووي: قال العلماء: هذه الأحاديث تحتمل وجهين
أحدهما: أنه ﷺ قال هذا قبل أن يعلم أنه أفضل من يونس،
_________________
(١) ١ البقرة / آية: ٢٥٣. ٢ أخرجهما البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب ٣٥ جـ٦ / ٤٥٠، ٤٥١، ومسلم في كتاب الفضائل باب ٤٢ جـ٤ / ١٨٤٣، ١٨٤٤.
[ ٢٣٧ ]
فلما علم ذلك قال: "أنا سيد ولد آدم.." ١٠
والثاني: أنه ﷺ قال هذا زجرا عن أن يتخيل أحد من الجاهلين شيئا من حط مرتبة يونس ﷺ ٢٠
وقد ذكر القرطبي أقوالًا كثيرة لأهل العلم في هذه المسألة منها:"إنما نهى عن الخوض في ذلك، لأن الخوض في ذلك ذريعة إلى الجدال، وذلك يؤدى إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر ويقل احترامهم عند المماراة"٣٠
وقال ابن حجر: قال العلماء:"إنما قال ﷺ ذلك تواضعا٠ إن كان قاله بعد أن أعلم أنه أفضل الخلق، وإن كان قاله قبل علمه بذلك فلا إشكال، وقيل: خص يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له، فبالغ في ذكر فضله لسد هذه الذريعة"٤٠
وقال شارح الطحاوية بعد أن ذكر حديث أبى هريرة السابق:"فكيف يجمع بين هذا وبين قوله ﷺ: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" ٥، فالجواب: أن هذا كان له سبب ،لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان مذموما، بل نفس الجهاد إذا قاتل الرجل حمية وعصبية كان مذموما، فإن الله حرم الفخر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ ٧، فعلم أن المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر، أو على الانتقاص بالمفضول"٨٠
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في كتاب السنة باب ١٤جـ٥ /٢٥٤ وابن ماجة في كتاب الزهد باب ٣٧ جـ٢ /١٤٤٠. ٢ شرح النووي على مسلم جـ١٥ / ١٣٢. ٣ الجامع لأحكام القرآن جـ٢ / ١٠٧٠. ٤ فتح الباري جـ٦ / ٤٥٢. ٥ سبق تخريجه ص ٥٣. ٦ الإسراء / آية: ٥٥. ٧ البقرة / آية: ٢٥٣. ٨ شرح العقيدة الطحاوية / ١٧٠، ١٧١.
[ ٢٣٨ ]
وقد جاء في أبحاث اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ما يلي:" ومن هذا القبيل تفضيل بعض الأنبياء على بعض، هو نفسه جائز، فقد فضل الله بعضهم على بعض ورفع بعضهم درجات، ولكنه يمنع حينما يجر إلى الفتنة والعصبية، وقد تخاصم مسلم ويهودي في العهد النبوي، ولطم المسلم وجه اليهودي، لأنه أقسم بالذي اصطفى موسى على العالمين وأقسم المسلم بالذي اصطفى محمدا على العالمين، فلما بلغت الخصومة خاتم النبيين ﷺ غضب حتى عرف الغضب في وجهه، وقال: "لا تخيروني على موسى" ١، ثم أثنى عليه بما هو أهله، ونهاهم أن يفضلوا بين أنبياء الله سدا لذريعة الفتن، وحرصا على وقارهم –صلوات الله وسلامه عليهم-، وإذا كانت الدول تشدد في سد الذرائع، وترى ذلك ركنا من أركان السياسة والأمن والنظام والمعاملات الدنيوية، فإنه في العقائد أخلق وفى مقام النبوة أوجب وأحق"٢٠
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في كتاب الفضائل باب ٤٢ جـ٤ / ١٨٤٤. ٢ حكم تمثيل الصحابة ص ٤١ لهيئة كبار العلماء٠
[ ٢٣٩ ]