بعد الوقوف على خطورة الشرك الأكبر ومفاسده وأضراره أتعرض لذكر نماذج يسيرة من القرآن والسنة جاء بها الشرع الحكيم لقطع علائق الشرك كله وما يؤدى إليه، حتى يتبين لنا كيف أن الإسلام سدَّ الذرائع المؤدية إلى الشرك، وأحكم الحديث في هذا الباب أيما إحكام ليحذر العباد من الشرك ومن الوسائل المفضية إلى حصوله ووقوعه، فمن ذلك:
١- الآيات الدالة على عبودية عيسى – ﵇ – وأنه بشر رسول مخلوق، ليس بإله، أو فيه جزء من الإله، أو أنه ابن الله - تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا-، وذلك سدَّا لذريعة الشرك، واتخاذه إلها من دون الله أو مع الله، ودفعا لأي شبهة ترد على الطريقة التي خلق بها ٠ قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١٠
قال ابن تيمية:" فأعنى بقوله ﴿مَثَلَ عِيسَى﴾ إشارة إلى البشرية المأخوذة من مريم الطاهرة، لأنه لم يذكر هنا اسم المسيح، إنما ذكر عيسى فقط، فإنه سبحانه خلق هذا النوع البشرى على الأقسام الممكنة ليبين عموم قدرته، فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجته حواء من ذكر بلا أنثى، كما قال: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، وخلق المسيح من أنثى بلا ذكر، وخلق سائر الخلق من ذكر وأنثى، وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح، فإن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء فلهذا شبهه الله بخلق آدم الذي هو أعجب من خلق المسيح، وهذا كله يبين به أن المسيح عبدُ ليس بإله، وأنه مخلوق كما خلق آدم"٢٠
_________________
(١) ١ آل عمران / آية: ٥٩. ٢ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح جـ٢ / ٢٩٣ – ٢٩٥.
[ ١٨٥ ]
وقال ابن كثير:"يقول تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ فإنه الله تعالى خلقه من غير أب ولا أم، بل ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ والذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى بكونه مخلوقًا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريقة الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل فدعواها في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادا، ولكن الرب ﷿ أراد أن يظهر قدرته حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق البرية من ذكر وأنثى" ١٠
ويقرر ربنا في آيات أخرى بشرية عيسى وأمه – ﵉- وأنهما من جنس البشر، ويسلكان في الطبيعة البشرية ما يسلكه غيرهم٠ قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢٠
يعنى أن عيسى رسول من رسل الله تعالى الذين أرسلوا لهداية البشرية ودعوتها إلى توحيد الله وعبادته، وأمه صديقة من فضليات النساء، وحقيقتهما مساوية لحقيقة غيرهما من أفراد نوعهما وجنسهما بدليل أنهما كان يأكلان الطعام، وكل من يأكل الطعام فهو مفتقر إلى ما يقيم بنيته ويمد حياته، إلى جانب أن أكل الطعام يستلزم الحاجة إلى دفع الفضلات، وعليه فلا يمكن أن يكون ربا خالقا، ولا ينبغي أن يكون ربا معبودا٠
قال الشوكاني في تفسيره للآية: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، أي: هو مقصور على الرسالة لا يجاوزها كما زعمتم، وجملة ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ صفة لرسول، أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين
_________________
(١) ١تفسير القرآن العظيم لابن كثير جـ١/٤٠. ٢ المائدة / آية: ٧٩.
[ ١٨٦ ]
خلوا من قبله، وما وقع منه من المعجزات لا يوجب كونه إلها، فقد كان لمن قبله من الرسل مثلها، فإن الله أحيا العصا في يد موسى، وخلق آدم من غير أب، فكيف جعلتم إحياء عيسى للموتى ووجوده من غير أب يوجبان كونه إلها، فإن كان كما تزعمون إلها لذلك، فمن قبله من الرسل الذين جاءوا بمثل ما جاء به آلهة، وأنتم لا تقولون بذلك ٠ قوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ عطف على المسيح، أي: وما أمه إلا صديقة، وذلك لا يستلزم الإلهية لها، بل هي كسائر من يتصف بهذا الوصف من النساء٠ قوله: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ استئناف يتضمن التقرير لما أشير إليه من أنهما كسائر أفراد البشر: أي من كان يأكل الطعام كسائر المخلوقين فليس برب، بل هو عبد مربوب ولدته النساء، فمتى يصلح لأن يكون ربا" ١٠
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره:"أي: هذا غاتيه ومنتهى أمره، أنه من عباد الله المرسلين، الذين ليس لهم من الأمر، ولا من التشريع إلا ما أرسلهم به الله، وهو من جنس الرسل قبله، لا مزية له عليهم تخرجه عن البشرية إلى مرتبة الربوبية، ﴿وَأُمُّهُ﴾ مريم ﴿صِدِّيقَةٌ﴾ أي: هذا أيضا غايتها، أن كانت من الصديقين الذين هم أعلى الخلق رتبة بعد الأنبياء، فإذا كان عيسى –﵇ – من جنس الأنبياء والرسل من قبله، وأمه صديقة، فلأي شيئا تخذهما النصارى إلهين مع الله؟، وقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ دليل ظاهر على أنهما عبدان فقيران محتاجان كما يحتاج بنو آدم إلى الطعام والشراب، فلو كانا إلهين لاستغنيا عن الطعام والشراب ولم يحتاجا إلى شيء، فإن الإله هو الغنى الحميد" ٢٠
_________________
(١) ١ فتح القدير جـ٢ /٦٤. ٢ تيسير الكريم الرحمن جـ٢/ ٣٢٦،٣٢٧.
[ ١٨٧ ]
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ١ وأن مريم ولدت إلها، ولذلك رد الله عليهم هذا البهتان وعليه فكيف يدَّعون الإلهية لمن يعترف على نفسه بأنه عبد مثلهم كما أن دلائل الحدوث ظاهرة عليه ٢٠
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٣٠
قال القاسمي في تفسيره:" لا ذكر تعالى أنه يعدد نعمه على عيسى بحضرة الرسل واحدة فواحدة إشعارًا بعبوديته، فإن كل واحد من تلك النعم المعدودة عليه، تدل على أنه عبد وليس بإله ثم أتبع ذلك باستفهامه لينطق بإقراره – ﵇ – على رؤوس الأشهاد بالعبودية، وأمره لهم بعبادة الله ﷿ إكذابا لهم في افترائهم عليه، وتثبيتا للحجة على قومه، فهذا سر سؤاله تعالى له، مع علمه بأنه لم يقل ذلك، وكل ذلك لتنبيه النصارى الذين كانوا في وقت نزول الآية ومن تأثر بهم على قبح مقالتهم وركاكة مذهبهم واعتقادهم"٤٠
ومثل ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٥٠
_________________
(١) ١ المائدة /آية:٧٢. ٢ انظر الدين الخالص لصديق حسن خان جـ١ /٢٥. ٣ المائدة /آية:١١٦، ١١٧ ٤ محاسن التأويل جـ٦ /٢٢١٩. ٥ مريم الآيات من ٣٠ – ٣٦.
[ ١٨٨ ]
قال ابن كثير في تفسيره:"ومما أمر عيسى به قومه وهو في مهده: أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربهم وربه وأمرهم بعبادته فقال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي: قويم٠ من اتبعه رشد وهدى، ومن خالفه ضل وغوى"١٠
وعن عبادة بن الصامت – ﵁ – عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد لله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" ٢٠
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير جـ٤ /٢٢٥. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب ٤٧ جـ٦ /٤٧٤، ومسلم كتاب الإيمان جـ١ /٥٨،٥٩، وأحمد في مسنده جـ٥ /٣١٣،٣١٤.
[ ١٨٩ ]
١- الآيات الدالة على عبودية النبي ﷺ
جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل وترشد إلى حقيقة هامة ألا وهى أن النبي ﷺ بشر كسائر البشر، ولكنه فضل عليهم بالنبوة والرسالة التي توجب محبته وطاعته والانقياد لأمره ﷺ، كما نهى ﷺ عن الغلو والإطراء في شخصه، وذلك سدَّا لذريعة اتخاذه شريكا مع الله، أو صرف أي لون من ألوان العبادة له ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١٠ ولهذا كانت العبودية هي أشرف مقام للنبي ﷺ وقد خاطبه ربه بها في أشرف المناسبات وأعظم المقامات قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ ٣٠ وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾ ٥٠
وإذا كان رسول رب العالمين الذي هو أكمل الخلق وأقربهم إلى الله ﷿ لا يملك ضرا ولا رشدا بنص كتاب الله الكريم فغيره من سائر الخلق ممن هم دونه ﷺ من باب أولى وأحرى، بل إنه ﷺ ما سبق غيره إلا بكمال عبوديته لربه٠
قال ابن القيم: "أكمل الخلق أكملهم عبودية وأعظمهم شهودا لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين، ولهذا كان من
_________________
(١) ١ الأعراف / آية: ١٨٨. ٢ الإسراء / آية: ١. ٣ الكهف / آية: ١. ٤ الفرقان / آية: ١. ٥ الجن / الآيات من ١٩ – ٢١.
[ ١٩٠ ]
دعائه ﷺ "أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك" ١، وكان يدعو: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" ٢، يعلم ﷺ أن قلبه بيد الرحمن ﷿ لا يملك منه شيئًا، وأن الله سبحانه يصرفه كما يشاء، وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ٣، فضرورته ﷺ إلى ربه وفاقته إليه بحسب معرفته به، وحسب قربه منه ومنزلته عنده..، ولهذا كان أقرب الخلق إلى الله وسيلة وأعظمهم جاها وأرفعهم عنده منزلة لتكميله مقام العبودية والفقر إلى ربه ، وذكره الله سبحانه بسمة العبودية في أشرف مقاماته، مقام الإسراء، ومقام الدعوة، ومقام التحدي فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ ٤٠وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ ٥٠ وفى حديث الشفاعة:"أن المسيح يقول لهم: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"٦، فنال ذلك المقام بكمال عبوديته لله وبكمال مغفرة الله له"٧٠ وللعلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀ – كلام جميل على هذا الموضوع يحسن إيراد شيئا منه هنا لتتم الفائدة٠ قال وهو يفسر أوائل سورة الحجرات: "مسألتان: الأولى: اعلم أن عدم احترام النبي ﷺ المشعر بالغض منه، أو تنقيصه ﷺ والاستخفاف به، أو الاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله، وقد قال تعالى في الذين استهزءوا بالنبي ﷺ وسخروا منه في غزوة
_________________
(١) ١ أخرجه أبوداود في كتاب الأدب باب ١١ جـ٥ /٣٢٦، وأحمد في مسنده جـ٥ /٤٢. ٢ أخرجه الترمذي في أبواب الدعوات جـ٩ /٥٠٤، ومسند أحمد جـ٣ /٢٥٧،والسنة لابن ابى عاصم جـ١ /١٠١، والآجرى في الشريعة /٣١٧. ٣ الإسراء / آية: ٧٤. ٤ الإسراء / آية:١. ٥ الجن / آية: ١٩. ٦ أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب ١٩ جـ١٣/ ٣٩٢، ومسلم كتاب الإيمان باب ٨٤ جـ١ /١٨٠، ١٨١. ٧ طريق الهجرتين وباب السعادتين ص ١٠،١١.
[ ١٩١ ]
تبوك لما ضلت راحلته: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١٠
المسألة الثانية: وهى من أهم المسائل، اعلم أنه يجب على كل إنسان أن يميز بين حقوق الله تعالى التي هي من خصائص ربوبيته التي لا يجوز صرفها لغيره، وبين حقوق خلقه كحق النبي ﷺ ليضع كل شيئ في موضعه على ضوء ما جاء به النبي ﷺ في هذا القرآن العظيم والسنة الصحيحة٠
وإذا عرفت ذلك فاعلم: أن من الحقوق الخاصة بالله التي هي من خصائص ربوبيته التجاء عبده إليه إذا دهمته الكروب التي لا يقدر على كشفها إلا الله، فالتجاء المضطر الذي أحاطت به الكروب ودهمته الدواهي لا يجوز إلا لله وحده، لأنه من خصائص الربوبية، فصرف ذلك الحق لله وإخلاصه له هو عين طاعة الله ومرضاته، وطاعة رسوله ﷺ ومرضاته، وهو عين التوقير والتعظيم للنبي ﷺ لأن أعظم أنواع توقيره وتعظيمه هو اتباعه والاقتداء به في إخلاص التوحيد والعبادة له وحده جل وعلا، وقد بين جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه أن التجاء المضطر من عباده إليه وحده في أوقات الشدة والكرب من خصائص ربوبيته تعالى قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢، ثم بين من خصائص ربوبيته الدالة على أنه المعبود وحده فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ فهذه المذكورات التي هي خلق السماوات والأرض وإنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق ذات البهجة التي لا يقدر على إنبات شجرها إلا الله من خصائص ربوبيه الله، ولذا قال تعالى بعدها ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يقدر على خلق
_________________
(١) ١ التوبة / آية:٦٥، ٦٦. ٢ النمل / آية: ٥٩، ٦٠.
[ ١٩٢ ]
السماوات والأرض وإنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق به، والجواب "لا" لأنه لا إله إلا الله وحده"١٠
٣- الآيات الدالة على أن دعاء غير الله واللجوء إليه شرك٠
جاء آيات كثيرة في القرآن الكريم تبين أن الدعاء والاستعاذة والاستغاثة لا تكون إلا بالله وحده لا شريك له، وأن الآلهة الباطلة التي عبدت من دونه لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرا، فكيف يرجو العبد منها شيئا لا تملكه، وذلك سدَّا لذريعة التعلق بها، أو اعتقاد نفع فيها، ويسلك القرآن الكريم في ذلك مسلكا عظيما يضيق المقام عن استقصائه، ولكن تكفى الإشارة إلى بعض من ذلك ٢٠
بيان عجز هذه الآلهة المزعومة وإبراز فقرها وضعفها كقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٣٠ وكقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٤ ٠ فقد بينت هذه الآيات بيانا شافيا قاطعا للعذر أن غير الله لا يدعى لأنه إلى جانب أنه لا ينفع ولا يضر لم يخلق شيئا بالاستقلال، كما لم يخلق شيئا بالشركة، وليس عند المشركين أي دليل على ما يفعلون ثم بينت الآيات ضلال من يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة، بل نصَّت على أن المدعو غافل عن دعاء الداعي مما يبين عجزه وضعفه وشدة
_________________
(١) ١ أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن جـ٧ /٦١٧ – ٦٢١. ٢ باختصار وتصرف من كتاب دعوة التوحيد للدكتور /محمد خليل هراس ص ٣٥ - ٤٠. ٣ الإسراء آية: ٥٦ – ٥٧. ٤ الأحقاف الآيات من ٤ – ٦.
[ ١٩٣ ]
أ - احتياجه إلى خالقه وربه، وقد ذكر القاسمي –﵀ – في الآيات الأخيرة لطيفة جميلة نقلها عن من يعرف بالناصر وإليك نصها:"لطيفة: قال الناصر: في قوله ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ نكتة حسنة، وذلك أنه جعل يوم القيامة غاية لعدم الاستجابة، ومن شأن الغاية انتهاء المُغيَّا عندها لكن عدم الاستجابة مستمر بعد هذه الغاية، لأنهم في يوم القيامة أيضا لا يستجيبون لهم، فالوجه – والله أعلم – أنها من الغايات المشعرة بأن ما بعدها، وإن وافق ما قبلها، إلا أنه أزيد منه زيادة بينة تلحقه بالثاني، حتى كأن الحالتين وإن كانتا نوعا واحدا لتفاوت ما بينهما كال شيئ وضده، وذلك أن الحالة الأولى التي جعلت غايتها القيامة، لا تزيد على عدم الاستجابة، والحالة الثانية التي في القيامة زادت على عدم الاستجابة بالعداوة والكفر بعبادتهم إياهم، فهو من وادي ما تقدم آنفا في سورة الزخرف في قوله: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ ١٠
ومثل هذه الآيات ما جاء في قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٢٠
فقد أخبر الله فيها عن حال المدعويين من دونه من الملائكة والأنبياء وغيرهم بما يدل على عجزهم وضعفهم، وأنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو، وهى الملك، وسماع الدعاء، والقدرة على استجابته، فمتى لم توجد هذه الشروط تامة بطلت دعوته، فكيف إذا عدمت بالكلية؟ ٣٠
_________________
(١) ١ محاسن التأويل جـ١٥ /٥٣٣٨، ٥٣٣٩، والآيتين من سورة الزخرف ٢٩،٣٠. ٢ فاطر / آية: ١٣، ١٤. ٣ انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد / ١٨٨.
[ ١٩٤ ]
أ - التشنيع بحال العابدين لهذه الآلهة الباطلة ورميهم بالضلال والسفه وعدم التعقل والتفكر، حيث رضوا لأنفسهم أن يعبدوا من لا يستحق العبادة ممن لا يملك لهم ولا لغيرهم نفعا ولا ضرا ولا يسمع ولا يبصر، ولا يملك من أمر نفسه شيئا، وذلك لأن الإله يجب أن يكون متصفا بصفات الجلال والكمال منزها عن صفات العجز والنقص والحدوث والاحتياج، لأن كل ذلك مناف للإلهية ٠ قال تعالى على لسان إبراهيم – ﵇ – في خطابه لقومه: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١٠ وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ٢٠
جـ- تصوير ما سيكون وسيقع يوم القيامة بين العابدين والمعبودين، وبين الأتباع
والمتبوعين من التبرؤ والمعاداة وتنصل المعبودين من جناية هؤلاء العابدين، وإنكارهم أن يكون لهم يد في إضلالهم وشركهم، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٣٠
يقول ابن كثير في هذه الآيات:"وفى هذا تبكيت عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ممن لا يسمع ولا يبصر، ولا يغنى عنهم شيئا، ولم يأمرهم بذلك ولا رضي به ولا أراده، بل تبرأ منهم في وقت أحوج ما يكونون إليه،
_________________
(١) ١ الأنبياء / آية: ٦٧. ٢ الرعد / آية: ١٤. ٣ يونس الآيات من ٢٨ – ٣٠.
[ ١٩٥ ]
وقد تركوا عبادة الحي القيوم السميع البصير، القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، وقد أرسل رسله وأنزل كتبه آمرا بعبادته وحده لا شريك له ناهيا عن عبادة ما سواه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٣٠
والمشركون أنواع وأقسام كثيرون قد ذكرهم الله في كتابه، وبين أحوالهم وأقوالهم ورد عليهم فيما هم فيه أتم رد"٤٠
_________________
(١) ١ النحل / آية:٣٦. ٢ الأنبياء / آية: ٢٥. ٣ الزخرف / آية: ٤٥. ٤ تفسير ابن كثير جـ٣ /٢٠١، ٢٠٢، وراجع ما بعدها من صفحات فإنه كلام جيد ونفيس٠
[ ١٩٦ ]