يرى أهل السنة والجماعة عدم الخروج على الحاكم المسلم الظالم الجائر، ما لم يصل ظلمه وجوره إلى الكفر البواح، وذلك سدا لمفسدة الخروج عليه، وما يترتب عليه من إراقة للدماء، وانتشار الفوضى في البلاد وبين العباد والأدلة على ذلك من السنة ما يلي:
١- حديث عبادة بن الصامت – ﵁ – قال:"بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان"١٠
٢- عن عوف بن مالك الأشجعي – ﵁- قال:"سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنوهم ويلعنونكم"، قالوا: قلنا: يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك، قال: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولى عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة" ٢٠
وقد وردت أحاديث كثيرة حول هذا المعنى وهى تفيد: ترك الخروج على الأئمة، ووجوب الطاعة في المعروف، وعدم طاعته في المعصية مع كراهة ما يأتي منها٠وقد ذهب إلى القول والعمل بهذه الأحاديث أهل السنة والجماعة٣٠
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الفتن باب ٢ جـ١٣ / ٥، ومسلم في كتاب الإمارة باب ٨ جـ٣/ ١٤٧٠. ٢ أخرجه مسلم في كتاب الإمارة باب ١٧ جـ٣ / ١٤٨١. ٣ انظر مثلا اعتقاد احمد بن حنبل وعلى بن المديني في كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي جـ١ / ١٧٥ ١٩٣.
[ ٢٤٧ ]
قال النووي في شرحه لحديث عبادة السابق ذكره:"ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته.. قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه"١٠
وقال ابن تيمية:"وقد استفاض وتقرر في غير هذا الموضع – ما قد أمر به ﷺ - من طاعة الأمراء في غير معصية الله ومناصحتهم والصبر عليهم في حكمهم وقسمهم، والغزو معهم والصلاة خلفهم ونحو ذلك من متابعتهم في الحسنات التي لا يقوم بها إلا هم، فإنه من باب التعاون على البر والتقوى، وما نهى عنه من تصديقهم بكذبهم وإعانتهم على ظلمهم وطاعتهم في معصية الله ونحو ذلك مما هو من باب التعاون على الإثم والعدوان..، ولا يزال المنكر بما هو أنكر منه، بحيث يخرج عليهم بالسلاح، وتقام الفتن كما هو معروف من أصول أهل السنة والجماعة، وكما دلت عليه النصوص النبوية في ذلك من الفساد الذي يربى على فساد ما يكون من ظلمهم، بل يطاع الله فيهم وفى غيرهم، ويفعل ما أمر به ويترك ما نهى عنه"٢٠
وقال الحافظ ابن حجر:"وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء"٣٠
وقال ابن القيم:"نهى النبي ﷺ عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة- وإن ظلموا أو جاروا- ما أقاموا الصلاة، سدا لذريعة الفساد العظيم والشر
_________________
(١) ١ شرح النووي على مسلم جـ١٢ / ٢٢٩. ٢ مجموع الفتاوى جـ٣٥ / ٢٠، ٢١. ٣ فتح الباري جـ١٣ / ٧.
[ ٢٤٨ ]
الكثير بقتالهم كما هو الواقع، فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم أضعاف ما هم عليه، والأمة في بقايا تلك الشرور إلى الآن"١٠
وقال عبد الرحمن بن يحيى المعلمي:"وقد جرب المسلمون الخروج فلم يروا منه إلا الشر، خرج الناس على عثمان يرون أنهم يريدون الحق، ثم خرج أهل الجمل يرى رؤساهم ومعظمهم أنهم إنما يطلبون الحق فكانت ثمرة ذلك بعد اللتيا واللتي أن انقطعت خلافة النبوة، وتأسست دولة بنى أمية، ثم اضطر الحسين بن على إلى ما اضطر إليه فكانت تلك المأساة، ثم خرج أهل المدينة فكانت وقعة الحرة.." ٢٠
وهكذا سرد المعلمي مفاسد الخروج الكبيرة في فترة من فترات الإسلام العظيمة، مبينا ثمرات هذا الخروج وآثاره على الأمة الإسلامية لهذا جاء الشرع الحكيم بسد الباب، ووضع أئمة أهل السنة ضوابط جليلة لمنع إراقة الدماء وحفاظا على المسلمين من التمزق والضياع٣٠
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين جـ٣ / ١٣٠. ٢ التنكيل لما ورد في تأنيب الكوثري من الأباطيل جـ١ / ٩٩. ٣ يراجع للفائدة كتاب الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة للدكتور عبد الله بن عمر الدميجي ص٤٩٠ – ٥٤٨.
[ ٢٤٩ ]