كما نهى الشارع عن الشرك في الألفاظ وسَدَّ كل الوسائل المؤدية إليه، نهى أيضا وحذر من الوسائل المفضية إلى الشرك في الأعمال، ويظهر ذلك في الصور التالية:
أ - النهى عن التمائم:
التمائم: جمع تميمة، وهى خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم فأبطلها الإسلام ١٠
وعن عبد الله بن مسعود – ﵁ – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" ٢٠
وقد اختلف العلماء في التمائم إذا كانت من القرآن الكريم، فأباحها البعض كالرقى الشرعية، ومنعها آخرون سدا لذريعة الوقوع في الشرك، ومن هؤلاء ابن مسعود وابن عباس وغيرهم٠
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد:"التمائم شيئ يعلق على الأولاد عن العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهي عنه منهم ابن مسعود ﵁ –"٠
قال شارحه:"هذا هو الصحيح- أي النهى عن تعليق التمائم من القرآن –لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل:
الأول: عموم النهى ولا مخصص للعموم٠
_________________
(١) ١ النهاية في غريب الحديث والأثر جـ١/١٩٧، وانظر شرح السنة جـ١٢ /١٥٨. ٢ أخرجه أبو داود في سننه كتاب الطب باب ١٧ جـ١٠ /٣٦٧، وابن ماجة كتاب الطب باب ٣٩ جـ٢ /١١٦٧ وأحمد في مسنده جـ١ /٣٨١.
[ ٢١٦ ]
الثاني: سد الذريعة فإنه يفضى إلى تعليق ما ليس كذلك٠
الثالث: "أنه إذا علق فلابد أن يمتهنه المعَلِّق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك"١٠
وقال الشيخ حافظ الحكمي:
وفى التمائم المعلقات إن تك آيات بينات
فالاختلاف واقع بين السلف فبعضهم أجازها والبعض كف
ثم ذكر بعض أسماء المانعين والمبيحين وعقب بقوله:"ولا شك أن منع ذلك سد لذريعة الاعتقاد والمحظور، لاسيما في زماننا هذا، فإنه إذا كرهه أكثر الصحابة والتابعين في تلك العصور الشريفة المقدسة، والإيمان في قلوبهم أكبر من الجبال، فلأن يكره في وقتنا هذا – وقت الفتن والمحن- أولى وأجدر بذلك "٢٠
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز:"واختلف العلماء في التمائم إذا كانت من القرآن أومن الدعوات المباحة٠ هل هي محرمة أم لا؟ والصواب تحريمها لوجهين:
أحدهما: عموم الأحاديث المذكورة، فإنها تعم التمائم من القرآن وغير القرآن٠
والوجه الثاني: سد ذريعة الشرك، فإنها إذا أبيحت التمائم من القرآن اختلطت بالتمائم الأخرى واشتبه الأمر، وانفتح باب الشرك بتعليق التمائم كلها، ومعلوم أن سد الذرائع المفضية إلى الشرك والمعاصي من أعظم القواعد الشرعية٠ والله ولى التوفيق"٣٠
_________________
(١) ١ فتح المجيد شرح كتاب التوحيد / ١٣٢، ١٣٣. ٢ معارج القبول جـ١ / ٤٦٩، ٤٧٠. ٣ من مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز جـ١ /٢٧٩.
[ ٢١٧ ]
وعليه فتعليق التمائم ينهى عنه بإطلاق سدا للذريعة في ذلك التي منها تعليق ما ليس من القرآن، وتعظيما لكلمات الله وآياته من امتهانها أثناء قضاء الحاجة وغير ذلك، خاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه البدع وانتشر أهل الخرافة والدجل والمشعوذين وغلب الجهل على كثيرين٠
قال الشيخ الألباني بعد ذكره لتعريف التميمة:"ولا تزال هذه الضلالة فاشية بين البدو والفلاحين وبعض المدنيين، ومثلها الخرزات التي يضعها بعض السائقين أمامهم في السيارة- يعلقونها على المرآة وبعضهم يعلق نعلا في مقدمة السيارة أو في مؤخرتها، وغيرهم يعلقون نعل فرس في واجهة الدار أو الدكان فكل ذلك لدفع العين زعموا، وغير ذلك مما عم وطم بسبب الجهل بالتوحيد وما ينافيه من الشركيات والوثنيات التي ما بعثت الرسل وأنزلت الكتب إلا من أجل إبطالها والقضاء عليها"١٠
ب- النهى عن انحناء الرجل للرجل أو القيام له٠
عن أنس بن مالك – ﵁ – قال:"قال رجل يا رسول الله: الرجل منا يلقى أخاه، أو صديقه، أينحني له؟ قال: لا، قال: فيلتزمه ويقبله ٠ قال: لا، قال: فيأخذ بيده ويصافحه، قال: نعم"٢٠
قال ابن القيم:"إن النبي ﷺ نهى الرجل أن ينحني للرجل إذا لقيه كما يفعل كثير من المنتسبين إلى العلم ممن لا علم له بالسنة بل يبالغون إلى أقصى حد الانحناء مبالغة في خلاف السنة جهلا، حتى يصير أحدهم بصورة الراكع لأخيه، ثم يرفع رأسه من الركوع كما يفعل إخوانهم من السجود بين يدي شيوخهم الأحياء والأموات، فهؤلاء أخذوا من الصلاة سجودها، وأولئك ركوعها،
_________________
(١) ١ السلسلة الصحيحة جـ١ /٨١٠. ٢ أخرجه الترمذي في أبواب الاستئذان باب ٣١ جـ٧ /٥١٤، وابن ماجة في كتاب الأدب باب ١٥ جـ٢ /١٢٢٠، وأحمد في مسنده جـ٣ / ١٩٨.
[ ٢١٨ ]
وطائفة ثالثة قيامها، يقوم عليهم الناس وهم قعود كما يقومون في الصلاة، فتقاسمت الفرق الثلاث أجزاء الصلاة، والمقصود أن النبي ﷺ نهى عن انحناء الرجل لأخيه سدًا لذريعة الشرك، كما نهى عن السجود لغير الله ١٠
تنبيه: جاء في حديث أنس السابق نهى عن الالتزام وهو المعانقة، وقد وردت عن أصحاب النبي ﷺ لقول أنس – ﵁ -:"كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا"٢٠
وعانق عبد الله بن أنيس جابر بن عبد الله – ﵄ – لما رحل إليه من المدينة إلى الشام ليسأله عن حديث لرسول الله ﷺ ٣٠
وقد جمع العلماء بين هذه الأحاديث، ودفعوا التعارض الظاهر بينها، ومنهم الإمام البغوي، وفى ذلك يقول:"قال حميد بن زنجوية: قد جاء عن النبي ﷺ أنه نهى عن المعانقة والتقبيل، وجاء أنه عانق جعفر بن أبى طالب وقبله عند قدومه من أرض الحبشة، ولكل وجه عندنا، فأما المكروه من المعانقة والتقبيل، فما كان على وجه الملق والتعظيم وفى الحضر، فأما المأذون فيه، فعند التوديع وعند القدوم من السفر وطول العهد بالصاحب، وشدة الحب في الله ومن قبَّل فلا يقبل الفم، ولكن اليد والرأس والجبهة"٤٠
وقال الشيخ الألباني عقب ذكره لبعض أحاديث النهى وأحاديث الإباحة: "فيمكن أن يقال: إن المعانقة في السفر مستثنى من النهى لفعل الصحابة ذلك"٥٠
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين جـ٣/١٦٦، ١٦٧. ٢ رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح كما ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد جـ٨ /٣٦. ٣ أخرجه البخاري في الأدب المفرد باب المعانقة جـ٢/٤٥٨، وعلقه في صحيحه في كتاب العلم باب ١٩، وقال الحافظ في الفتح: إسناده حسن، وأحمد في مسنده جـ٣ / ١٩٨. ٤ شرح السنة للبغوى جـ١٢ / ٢٩٢، ٢٩٣. ٥ سلسلة الأحاديث الصحيحة جـ١/٢٥٢.
[ ٢١٩ ]
وكما نهى ﷺ عن الانحناء سدَّا للذريعة، كره أن يقوم الناس له، كما ذكر وعيدًا شديدا لمن يحب أن يتمثل الناس له قياما٠
فعن أنس – ﵁- قال:"ما كان في الدنيا شخص أحب إليهم رؤية من رسول الله ﷺ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا إليه، لما يعلمون من كراهيته لذلك"١٠
وعن أبى مجلز قال:"خرج معاوية فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه، فقال:اجلسا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار" ٠ قال الترمذي:" وفى الباب عن أبى أمامه، وهذا حديث حسن"٢٠
ولا يتعارض النهى عن القيام هنا مع قول النبي ﷺ لماَّ قدم سعد بن معاذ إلى بنى قريظة ليحكم فيهم: " قوموا إلى سيدكم" ٣ للفرق بين الحالين، وقد وضح ذلك ابن يتمية –﵀- وفصله تفصيلا دقيقا فقال:"لم تكن عادة السلف على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه ﷺ كما يفعله كثير من الناس، بل قد قال أنس بن مالك: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهيته لذلك، ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقيا له، كما روى عن النبي ﷺ أنه قام لعكرمة وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ:قوموا إلى سيدكم، وكان قد قدم ليحكم في بنى قريظة، وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقيا له فحسن، وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ولو ترك لاعتقد أن ذلك
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الأدب المفرد جـ٢/٤١٩، والترمذي في أبواب الاستئذان باب ٤٧ جـ٨/٢٩، وأحمد في مسنده جـ٣ /١٣٢ ٠ ٢ سنن الترمذي أبواب الاستئذان باب ٤٧ جـ٨ / ٣٠، والبخاري في الأدب المفرد جـ٢ / ٤٦٦، وأبو داود في سننه أبواب السلام باب ٢٤ جـ١٤/١٤٢ وأحمد في مسنده جـ٤/٩٣،١٠٠ ٠ ٣ أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان باب ٢٦ جـ١١/٢٩ ٠
[ ٢٢٠ ]
لترك حقه، أو قصد خفضه، ولم يعلم العادة الموافقة للسنة، فالأصلح أن يقام له، لأن ذلك أصلح لذات البين وإزالة التباغض والشحناء، وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة، فليس في ترك ذلك إيذاء له، وليس هذا القيام المذكور في قوله ﷺ: "من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار"، فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد، ليس هو أن يقوموا لمجيئة إذا جاء، ولهذا فرقوا بين أن يقال:قمت إليه وقمت له، والقائم للقادم ساواه في القيام بخلاف القائم للقاعد"١٠
كما جمع بين الأحاديث ابن القيم جمعا حسنا، وذكر أن الأحاديث التي ورد فيها القيام كان لعارض، وأنه كان قياما إلى الرجل للقائه، لا قياما له، ثم قال:"فالمذموم: القيام للرجل، وأما القيام إليه للتلقي إذا قدم:فلا بأس به، وبهذا تجتمع الأحاديث"٢ قلت: هذا جمع جيد وحسن بين النصوص الثابتة، وعليه فينهى القيام للشخص للتعظيم مهما كانت منزلته سدَّا لذريعة الوقوع في الشرك، بعد الغلو فيه، أو مجاوزة الحد في حبه وتعظيمه وما إلى ذلك كما هو واقع من بعض أتباع الطرق لمشايخهم، وأما القيام لعارض كالقيام للقادم من سفر، أو لغائب على سبيل البر والإكرام فلا بأس به٠
وقد نقل أبو عبد الله بن الحاج٣ عن أبى الوليد بن رشد أن القيام يقع على أربعة أوجه:
الأول: محظور، وهو أن يقع لمن يريد أن يقام إليه تكبرا وتعاظما على القائمين إليه٠
الثاني: مكروه، وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين، ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر، ولما فيه من التشبه بالجبابرة٠
_________________
(١) ١ مجموع فتاوى ابن تيمية جـ١ /٣٧٤، ٣٧٥ ٠ ٢ شرح ابن القيم لسنن أبى داود من كتاب عون المعبود جـ١٤ / ١٢٧ ٠ ٣ أنظر المدحل لابن الحاج جزء ١ من ص ١٦٨، وفتح الباري لابن حجر جزء ١١ / ٥١، ٥٢
[ ٢٢١ ]
الثالث: جائز، وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك، ويؤمن معه التشبه بالجبابرة٠
الرابع: مندوب، وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحا بقدومه ليسلم عليه، أو إلى من تجددت له نعمة فيهنئه بحصولها أو مصيبة فيعزيه بسببها.
وقال التوريشتى في شرح المصابيح:معنى "قوموا إلى سيدكم"، أى إلى إعانته وإنزاله من دابته، ولو كان المراد التعظيم لقال: قوموا لسيدكم" ١٠
وقال الألباني في حديث أبى مِجلَز:"دلنا هذا الحديث على أمرين:
الأول: تحريم حب الداخل على الناس القيام منهم له، وهو صريح الدلالة، بحيث أنه لا يحتاج إلى بيان٠
والآخر: كراهة القيام من الجالسين للداخل، ولو كان لا يحب القيام، وذلك من باب التعاون على الخير، وعدم فتح باب الشر، وهذا معنى دقيق دلنا عليه راوى الحديث معاوية – ﵁ -، وذلك بإنكاره على عبد الله بن عامر قيامه له، واحتج عليه بالحديث، وذلك من فقهه في الدين، وعلمه بقواعد الشريعة التي منها سد الذرائع"٢٠
ومن هذا الباب ما جاء في صحيح البخاري عن عائشة – ﵂ – أنها قالت:"صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسا، وصلى وراءه قوم قياما، "فأشار أن اجلسوا، فلما انصرف قال:إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا" ٣٠
قال ابن القيم:"إن النبي ﷺ أمر المأمومين أن يصلوا قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا، وقد تواتر عنه ذلك، ولم يجئ عنه ما ينسخه، وما ذاك إلا سدا لذريعة مشابهة الكفار، حيث يقومون على ملوكهم وهو قعود"٤٠
_________________
(١) ١ المرجع السابق جـ١١ / ٥٢ ٠ ٢ السلسلة الصحيحة جـ١ / ٦٢٩ ٠ ٣ أخرجه البخاري في كتاب تقصير الصلاة باب ١٧ جـ٢ / ٥٨٤ ٠ ٤ إعلام الموقعين جـ٣ / ١٥٨ ٠
[ ٢٢٢ ]
قلت: تأمل أيها المسلم حرص الإسلام ورسول رب العالمين وسلف الأمة الصالحين على مخالفة الكفار والمشركين، ونهى الشريعة الغراء على المباح خوفا من الوقوع في الحرام، كل ذلك صيانة وحماية للعقيدة، وتحقيقا للتوحيد٠
فما بالنا اليوم نجد جرأة كبيرة، حتى من بعض المنتسبين إلى العلم في التساهل في هذا الباب، ويا ليت الأمر – مع خطورته- اقتصر على الجائز المؤدى إلى الحرام، بل وقعوا صراحة فيما نهى عنه الشارع الحكيم، وسقطوا في أعمال الجاهلين٠ فإنا لله وإنا إليه راجعون٠
[ ٢٢٣ ]