من المعلوم المقرر عند أهل السنة والجماعة أن الله ﷾ له وحده الأسماء الحسنى والصفات العلي التي لا يشاركه فيها غيره، وهم يثبتون كل ما جاء في كتاب الله، وما صح به الخبر من سنة رسول الله ﷺ من غير تشبيه وتمثيل، أو تعطيل وتأويل٠
ولأهمية السلامة في جانب الاعتقاد –ومنه الأسماء الحسنى- وبما أن أسماء الله وصفاته تحمل معنى العظمة والجلال التي لا يشارك فيها الخالق المخلوق، فقد احتاط الشارع لهذا الجانب، وسد كل طريق يؤدى إلى الخلط فيه، وهذه بعض الأمثلة:
١- إثبات علم الغيب لله وحده ونفيه عن الأنبياء والمرسلين فضلا عن غيرهم٠
من الصفات الثابتة الدالة على كمال العلم وسعة القدرة والعظمة انفراد الله ﷿ بعلم الغيب، فلا يشاركه فيه نبي مرسل ولا ملك مقرب٠ قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ١٠
ولما كان الأنبياء والمرسلون يخبرون عن الله أمره، ويعلمون الناس شرعه بإعلام الله لهم، ومن ذلك أمور تتصل بعالم الغيب كما قال تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احدا٠ إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا٠ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا﴾ ٢، فقد نفى الله عنهم علم الغيب ونص على بشريتهم وبين منزلتهم، وقرر ذلك في كتابه أكثر من موطن سدا لذريعة نسبة علم الغيب إليهم، ويظهر ذلك واضحا في سياق الآية السابقة، ويظهر أيضا في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا
_________________
(١) ١ النحل / آية: ٦٥. ٢ الجن / الآيات من ٢٦ – ٢٨.
[ ٢٢٩ ]
ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١٠
قال ابن كثير:"أمره الله تعالى أن يفوض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل، ولا اطلاع به على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾، قال عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن مجاهد: لو كنت أعلم متي أموت لعملت صالحا، وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقال مثله ابن جريج وفيه نظر، لأن عمل رسول الله ﷺ كان ديمة، وفي رواية كان إذا عمل عملا أثبته، فجميع عمله كان على منوال واحد، كأنه ينظر إلى الله ﷿ في جميع أحواله، اللهم إلا أن يكون المراد أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك والله أعلم، والأحسن في هذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ أي من المال، وقال عبد الرحمن بن زين بن أسلم: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُْ﴾ قال: لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون واتقيه، ثم أخبر أنه إنما هو نذير وبشير أي نذير من العذاب وبشير للمؤمنين بالجنات، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ ٢٠
وللشيخ محمد رشيد رضا كلام جميل في هذه الآية بين فيه أن الناس قد افتتنوا بمن اصطفاهم الله من الأنبياء والمرسلين وغلوا فيهم، فكان هذا السياق الكريم بهذه الصورة ردا عليهم، كما بينت حقيقة أمر النبي ﷺ، وأنه بشر لا يرفع إلى مرتبة الألوهية كما تجب طاعته، لأنه رسول رب العالمين، وفى ذلك يقول:"أي قل أيها الرسول للناس فيما تبلغه من أمر دينهم إنني لا أملك لنفسي -أي ولا لغيري بالأولى – جلب نفع مّا في وقت مَّا، ولا دفع ضرر مَّا
_________________
(١) ١ الأعراف / آية: ١٨٨. ٢ تفسير ابن كثير جـ٢ / ٥٢٦، ٥٢٧.
[ ٢٣٠ ]
في وقت مَّا كما أنه لا يملك شيئا من علم الغيب الذي هو شأن الخالق دون المخلوق كما يأتي بيانه في تفسير الجملة التالية، والاستثناء على هذا منفصل عما قبله مؤكد لعمومه، أي لكن ما شاء الله تعالى من ذلك كان، فهو كقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، وهذا الوجه المختار عندنا، لأن الناس قد فتنوا منذ قوم نوح بمن اصطفاهم الله ووفقهم لطاعته وولايته من الأنبياء ومن دون الأنبياء من الصالحين، ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾، والجملة استدلال على نفى علم النبي ﷺ الغيب كأنه يقول: لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ولا أعلم الغيب، ولو كنت أعلم الغيب- وأقربه ما يقع في مستقبل أيامي في الدنيا – لاستكثرت من الخير كالمال وأعمال البر، وفيه وجه آخر: أنه مستأنف غير معطوف على ما قبله، ومعناه: وما مسني الجنون كما زعم الجاهلون، فيكون حاصل معنى الآية: نفى رفعه إلى رتبة الألوهية الذي افتتن بمثله الغلاة، أو نفى وضعه في أدنى مرتبة البشرية الذي زعمته الغواة العتاة وبيان حقيقة أمره"١٠
وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في الآية:"هذا ارتقاء في التبرؤ من معرفة الغيب ومن التصرف في العالم، وزيادة من التعليم للأمة بشيء من حقيقة الرسالة والنبوة، وتمييز ما هو من خصائصها عما ليس منها، والجملة مستأنفة ابتدائية قصد من استيفائها الاهتمام بمضمونها، كي تتوجه الأسماع إليها، ولذلك أعيد الأمر بالقول مع تقدمه مرتين في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، للاهتمام باستقلال المقول، وأن لا يندرج في جملة المقول المحكي قبله، وخص هذا المقول بالإخبار عن حال الرسول ﷺ نحو معرفة الغيب ليقلع من عقول المشركين توهم ملازمة معرفة الغيب لصفة النبوة، إعلانا
_________________
(١) ١ تفسير المنار جـ٩ /٥٠٨ – ٥١٢.
[ ٢٣١ ]
للمشركين بالتزام أنه لا يعلم الغيب، وأن ذلك ليس بطاعن في نبوته حتى يستيئسوا من تحديه بذلك " ١٠
٢- إثبات صفة العلم ومعية الله لخلقه مع استوائه على عرشه٠
ذكر ربنا ﷾ في كتابه استواءه على عرشه في أكثر من موضع، وهو استواء يليق بجلال الله وكماله، ومعناه عند السلف علو الله خلقه٢، وذكر البخاري عن أبى العاليه: استوى إلى السماء: ارتفع، وقال مجاهد: استوى: علا على العرش٣٠
ودفعا لما يمكن فهمه من علو الله على خلقه أن الله بعيد من عباده، فلا يعلم ما هم عليه نصَّ سبحانه في كثير من آيات الاستواء على علمه بخلقه، وبتدبير أمر مملكته، وإحاطته بما هم عليه، كما ذكر معيته لهم مع استوائه على عرشه، حتى لا يفهم أحد أن الله حال في مخلوقاته٠
وأكتفى هنا بذكر آخر آية في القرآن الكريم أثبتت علو الله على خلقه واستوائه على عرشه، مع إثبات صفتي العلم والمعية معا، ثم أتبعها بأقوال بعض أهل العلم في معناها٠
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٤٠
قال الطبري في معنى الآية:"يقول تعالى ذكره مخبرا عن صفته، وأنه لا يخفى عليه خافية من خلقه٠ يعلم ما يلج في الأرض من خلقه، يعنى بقوله يلج: يدخل، وما يخرج منها منهم، وما ينزل من السماء إلى الأرض من شيء قط، وما
_________________
(١) ١ تفسير التحرير والتنوير جـ٩ / ٢٠٦، ٢٠٧. ٢ انظر مثلا كتاب أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي جـ٣ / ٣٨٧. ٣ فتح الباري شرح صحيح البخاري جـ١٣ / ٤٠٣. ٤ الحديد / آية: ٤.
[ ٢٣٢ ]
يعرج فيها فيصعد إليها من الأرض، وهو معكم أينما كنتم، يقول: وهو شاهد لكم أيها الناس٠ أينما كنتم يعلمكم ويعلم أعمالكم، ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سماواته السبع، والله بما تعملون بصير"١٠
وقال ابن تيمية عن فهم السلف وتفسيرهم لمعنى المعية والقرب:" وأما القسم الرابع، فهم سلف الأمة وأئمتها، أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة، فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة كله من غير تحريف للكلم، أثبتوا أن الله تعالى فوق سماواته، وأنه على عرشه بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وهو أيضا مع العباد عموما بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضا قريب مجيب ففي آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم٢، وكان النبي ﷺ يقول: "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل"٣٠ فهو سبحانه مع المسافر في سفره ومع أهله في وطنه، ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم.." ٤٠
ومعية الله لخلقه تنقسم إلى قسمين: معية خاصة، وهى الواردة في مثل قول الله تعالى: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ٥، وفى قوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٦، وهذه المعية تقتضى النصر والتأييد والحفظ والإعانة، وهى للمؤمنين، ومعية عامة تتعلق بالناس جميعا، وهى الواردة في مثل قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ
_________________
(١) ١ تفسير الطبري جـ٢٧ / ١٢٥. ٢ يعنى الآية رقم ٧ من سورة المجادلة. ٣ أخرجه مسلم في كتاب الحج باب ٧٥ جـ٢ / ٩٧٨، وأبو داود في سننه كتاب الجهاد باب ٧٩ جـ٣ / ٧٤ وغيرهما٠ ٤ مجموع الفتاوى جـ٥/ ٢٣١، ولمزيد من التفصيل يراجع ص ٤٩٤ – ٥١٣ من الجزء المذكور٠ ٥ سورة طه / آية: ٤٦. ٦ التوبة / آية: ٤٠.
[ ٢٣٣ ]
هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ١، وهذه المعية تقتضى علمه واطلاعه ومراقبته لأعمالهم٢٠
وقد ذكر القاسمي عن ابن قدامة المقدسي أنه قال:"إن ابن عباس والضحاك ومالك وسفيان وكثيرا من العلماء قالوا في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أي علمه، ثم قد ثبت بكتاب الله والمتواتر عن رسول الله ﷺ وإجماع السلف أن الله تعالى في السماء على عرشه، وجاءت هذه اللفظة محفوفة بها دلالة على إرادة العلم منها، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾، ثم قال في آخرها: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣، فبدأها بالعلم وختمها به، ثم سياقها لتخويفهم بعلم الله تعالى بحالهم، وأنه ينبئهم بما علموا يوم القيامة ويجازيهم عليه، وهذه قرائن كلها دلالة على إرادة العلم."٤٠
وقال عبد الرحمن السعدي: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، وهذه المعية، معية العلم والاطلاع، ولهذا توعد ووعد بالمجازاة بالأعمال بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أي: هو تعالى بصير بما يصدر منكم من الأعمال، وما صدرت عنه تلك الأعمال"٥٠
وقال الشيخ محمد بن عثيمين بعد كلام له عن آية سورة الحديد:"فيكون ظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده وبصره بأعمالهم مع علوه عليهم، واستوائه على عرشه، لا أنه سبحانه مختلط بهم، ولا أنه معهم في الأرض، وإلا لكان آخر الآية مناقضا لأولها الدال على علوه واستوائه على عرشه"٦٠
_________________
(١) ١ المجادلة / آية: ٧. ٢ جامع العلوم والحكم / ٢٧٧. ٣ المجادلة / آية ٧. ٤ محاسن التأويل جـ١٦ / ٥٦٧٥. ٥ تيسير الكريم الرحمن جـ٧ / ٢٨٤. ٦ القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى / ٥٦.
[ ٢٣٤ ]