إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى٠
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله٠
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١٠
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢٠
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣٠
أما بعد:
فلعل من نافلة القول ومكرور الكلام أن يقال: إن التوحيد وإفراد الله بجميع أنواع العبادة أساس دعوة الأنبياء والمرسلين فما من نبي بُعث في قومه إلا أمرهم به ودعاهم إليه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤، وهو مفتتح دعوة الأنبياء والمرسلين، فكل منهم قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، والمتتبع لكتاب الله الكريم يجد هذا واضحًا فيه غاية الوضوح، كما أنه كان من أعظم ما اعتنى به نبينا الأمين ﷺ حيث مكث في مكة ثلاثة عشر عامًا يركز ويكرر ويؤكد الدعوة إلى هذا
_________________
(١) ١ آل عمران / آية: ١٠٢. ٢ النساء / آية: ١. ٣ الأحزاب / آية: ٧٠، ٧١. ٤ الأنبياء / آية: ٢٥.
[ ١٧٣ ]
التوحيد، ثم بعد هجرته كان ينافح ويدافع ويزيل العقبات التي تعترض طريقه حتى يُبَلَّغ ما أوحى الله به ويدخل الناس بهذا التوحيد إلى الدين الذي ارتضاه الله لهم، ووضع القواعد اللازمة لصيانته، وقضى على كل وسيلة مفضية إلى الإخلال به، وسدَّ كل ذريعة يمكن أن تؤدى إلى شائبة فيه – كما سيتضح من خلال هذا البحث – إن شاء الله تعالى – وهذا من كمال الشريعة ومقاصدها الحميدة٠
يقول العلامة ابن القيم – ﵀ -: "لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود وكلاهما مقصود لكنه مقصود قصد الغايات، وهى مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرَّم الرب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه وتثبيتًا له، ومنعا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم، وإغراءً للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء" ١٠
ولأهمية هذا الموضوع وتجليته، وعدم وجود كتاب يجمع شتات ما تفرق من أقوال لعلماء السلف فيه٠ استعنت الله ﷿ في الكتابة حوله سائلا العلى الأعلى أن ينفع به٠
وقد تضمن البحث بعد هذه المقدمة والتمهيد خمسة فصول وخاتمة، وبيان ذلك فيما يلي:
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين جـ٣ / ١٤٧.
[ ١٧٤ ]
- المقدمة: وقد بينت فيها أهمية دراسة هذا الموضوع والكتابة حوله٠
- التمهيد: وقد بينت فيه مفهوم الذريعة، والأدلة على وجوب سدها من القرآن والسنة وأقوال بعض الأئمة٠
- الفصل الأول: سد الذرائع المؤدية إلى الشرك الأكبر٠
وتحته ثلاثة مباحث:
١- المبحث الأول: تعريف الشرك الأكبر وبيان خطورته٠
٢- المبحث الثاني: بعض الآيات والأمثلة المتعلقة بسد الذرائع إلى الشرك الأكبر٠
٣- المبحث الثالث: بعض أحاديث سد الذرائع المتعلقة بالشرك الأكبر٠
- الفصل الثاني: سد الذرائع المؤدية إلى الشرك الأصغر٠
وتحته مبحثان:
١- المبحث الأول: سد الذرائع في الألفاظ٠
٢- المبحث الثاني: سد الذرائع في الأعمال٠
- الفصل الثالث: سد الذرائع في توحيد المعرفة والإثبات٠
وتحته مبحثان:
١- المبحث الأول: سد الذرائع في مضاهاة أفعال الله تعالى٠
٢- المبحث الثاني: سد الذرائع في توحيد الأسماء والصفات٠
- الفصل الرابع: سد الذرائع المتعلق بالنبوة والرسالة٠
وتحته أربعة مباحث:
١- المبحث الأول: تأييد الأنبياء بمعجزات لا تحصل لغيرهم٠
٢- المبحث الثاني: النهى عن المفاضلة بين الأنبياء٠
٣- المبحث الثالث: إرسال المرسلين بلسان أقوامهم ليعقلوا خطابهم٠
٤- المبحث الرابع: نهى المؤمنين عن مخاطبة النبي ﷺ بلفظ "راعنا"٠
[ ١٧٥ ]
- الفصل الخامس: سد الذرائع المتعلق بالإمامة والخروج على الحاكم٠
وتحته مبحثان:
١- المبحث الأول: وجوب تنصيب إمام واحد والاجتماع عليه٠
٢- المبحث الثاني: ترك الخروج على الحاكم وطاعته في غير معصية الله٠
الخاتمة:
هذا وقد جعلته بين التطويل الممل والتقصير المخل، مع رغبة في العودة إليه عند فسحة من الوقت٠
وأسأل الله ﷿ أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يثيبني عليه خيرا يوم الدين، وأن يغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين٠
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين٠
[ ١٧٦ ]