والقرآن كما أنه شفاء للأرواح والقلوب فهو شفاء لعلل الأبدان كما تقدم؛ فإن فيه شفاء الأرواح والأبدان. فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنّ ناسًا من أصحاب النبي - ﷺ - أتوا على حي من أحياء العرب،
_________________
(١) سورة التوبة، الآيتان: ١٤ - ١٥.
(٢) تفسير العلامة السعدي - ﵀ -، ٣/ ٢٠٦.
[ ٢٣٤ ]
فلم يُقْرُوهم، فبينما هم كذلك إذ لُدِغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راقٍ؟ فقالوا إنكم لم تُقْرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء فجعل يقرأُ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتوا بالشاء فقالوا: لا نأخذ حتى نسأل النبي - ﷺ - فسألوه، فضحك وقال: «وما أدراك أنها رقية، خذوها واضربوا لي بسهم» (١).
وعن عائشة - ﵂ - «أن النبي - ﷺ - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده، رجاء بركتها» (٢). والمعوذات هي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الرقى بفاتحة الكتاب، برقم ٥٧٣٦، ومسلم في السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار، برقم ٢٢٠١.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الرقى بالقرآن والمعوذات، برقم ٥٧٣٥، ومسلم في كتاب السلام، باب رقية المريض بالمعوذات والنفث، برقم ٢١٩٢.
[ ٢٣٥ ]
قال ابن القيم - ﵀ -: «ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة، فما الظنُّ بكلام رب العالمين الذي فضله على كل كلام كفضل اللَّه على خلقه الذي هو الشفاء التام والعصمة النافعة، والنور الهادي والرحمة العامة، الذي لو أُنزِلَ على جبل لتصدع من عظمته وجلالته، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، ومن هنا لبيان الجنس لا للتبعيض، هذا هو أصحُّ القولين» (٢).
وعلى هذا فالقرآن فيه شفاءٌ لأرواح المؤمنين، وشفاء لأجسادهم.
واللَّه - ﷿ - هو الشافي من أمراض الأجساد، وعلل الأبدان، قال - ﷿ -: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ*ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٨٢.
(٢) زاد المعاد لابن القيم، ٤/ ١٧٧.
[ ٢٣٦ ]
لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
قال ابن كثير - ﵀ - في تفسير قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾: ما بين أبيض، وأصفر، وأحمر، وغير ذلك من الألوان الحسنة على اختلاف مراعيها ومأكلها منها، وقوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، أي في العسل شفاء للناس من أدواء تعرض لهم.
قال بعض من تكلم على الطب النبوي لو قال: فيه الشفاء لكان دواء لكل داء، ولكن قال فيه شفاء للناس، أي يصلح لكل أحدٍ من أدواءٍ باردة؛ فإنه حارٌ، والشيء يُداوى بضده والدليل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ هو العسل، ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إن أخي استطلق بطنه؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «اسقه عسلًا» فسقاه، ثم جاءه فقال: إني سقيتُهُ فلم يزده إلا
_________________
(١) سورة النحل، الآيتان: ٦٨ - ٦٩.
[ ٢٣٧ ]
استطلاقًا، فقال له ثلاث مرات، ثم جاءه الرابعة فقال: «اسقه عسلًا»،فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «صدق اللَّه وكذب بطن أخيك» فسقاه فَبَرأَ (١).
قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلًا وهو حار تحللت فأسرعت في الاندفاع فزاده إسهالًا فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه، فازداد، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه، وصلح مزاجه، واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته ﵊ (٢).
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: «الشفاء في ثلاث: شربةِ عسلٍ، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الدواء بالعسل، برقم ٥٦٨٤، ومسلم في كتاب السلام، باب التداوي بسقي العسل، برقم ٢٢١٧.
(٢) تفسير ابن كثير، ٢/ ٥٧٦.
[ ٢٣٨ ]
أمتي عن الكي» (١) رفع الحديث.
واللَّه - ﷿ - هو الذي هدى النحلة الصغيرة هذه الهداية العجيبة، ويسّر لها المراعي ثم الرجوع إلى بيوتها التي أصلحتها بتعليم اللَّه لها وهدايته لها، ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة، فهذا دليل على كمال عناية اللَّه تعالى وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي ينبغي أن لا يُحُب ولا يُدعى سواه (٢).
وأخبر اللَّه - ﷿ - عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم ﵊ بقوله ﵎: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٣).
قال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الشفاء في ثلاث، برقم ٥٦٨٠، موقوفًا. ورقم ٥٦٨١ مرفوعًا.
(٢) تفسير العلامة السعدي، ٤/ ٢١٨.
(٣) سورة الشعراء، الآيات: ٧٨ - ٨٠.
[ ٢٣٩ ]
مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾: أسند إبراهيم ﵊ المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر اللَّه وقضائه، وخلقه، ولكنه أضافه إلى نفسه أدبًا.
ومعنى ذلك: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يُقدِّر ﵎ من الأسباب الموصلة إلى الشفاء (١).
وقد كان النبي - ﷺ - يرشد الأمة إلى طلب الشفاء من اللَّه الشافي الذي لا شفاء إلا شفاءه، ومن ذلك ما رواه مسلم وغيره عن عثمان بن العاص أنه اشتكى إلى رسول اللَّه - ﷺ - وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول اللَّه - ﷺ -: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم اللَّه ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ باللَّه وقدرته من شر ما أجد وأحاذِر» (٢).
وعن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من
_________________
(١) تفسير ابن كثير بتصرف، ٣/ ٣٣٩.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء، برقم ٢٢٠٢.
[ ٢٤٠ ]
عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال سبع مرات: أسأل اللَّه العظيم، رب العرش العظيم، أن يشفيك، إلاّ عافاه اللَّه من ذلك المرض» (١).
فهذا من تعليم النبي - ﷺ - لأمته أن يعتمدوا على ربهم مع الأخذ بالأسباب المشروعة؛ فإن اللَّه - ﷿ - هو الشافي، لا شفاء إلا شفاءه، وقد كان النبي - ﷺ - يدعو ربه بالشفاء؛ لأنه هو الذي يملك الشفاء، والشفاء بيده ﵎، قال - ﷺ - لسعدٍ: «اللَّهم اشف سعدًا، اللَّهم اشف سعدًا، اللَّهم اشف سعدًا» (٢).
وقد كان النبي - ﷺ - يرقي بعض أصحابه، ويطلب الشفاء من اللَّه الشافي: «بسم اللَّه تربة أرضنا، بريقة
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب الدعاء للمريض عند العيادة، برقم ٣١٠٦، والترمذي في كتاب الطب، باب ٣٢، برقم ٢٠٨٣، وأحمد، ١/ ٢٣٩، وقال أبو عيسى: «هذا حديث حسن غريب». وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٦٣٨٨.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب المرضى، باب وضع اليد على المريض، برقم ٥٦٥٩، ومسلم في كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم ١٦٢٨/ ٨.
[ ٢٤١ ]
بعضنا، يُشفى سقيمنا بإذن ربنا» (١).
وقد أوضح - ﷺ - أن اللَّه هو الذي ينزل الدواء وهو الشافي، فقال - ﷺ -: «ما أنزل اللَّه من داء إلا أنزل له شفاءً» (٢).
وعن جابر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لكل داء دواءٌ، فإذا أصيب دواءُ الداءِ بَرأَ بإذن اللَّه - ﷿ -» (٣)، وقال - ﷺ -: «إن اللَّه أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواءً، فتداووا، ولا تداووا بحرام» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب رقية النبي - ﷺ -، برقم ٥٧٤٥، ومسلم في كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة، برقم ٢١٩٤.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٥٦٧٨.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، برقم ٢٢٠٤.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة، برقم ٣٨٧٤. قال المنذري: «في إسناده إسماعيل بن عياش فيه مقال». وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم ١٥٦٩، ويغني عنه ما تقدم من الأحاديث، وما سيأتي.
[ ٢٤٢ ]
وجاءت الأعراب فقالت: يا رسول اللَّه ألا نتداوى؟ فقال - ﷺ -: «نعم يا عباد اللَّه تداووا، فإن اللَّه لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً أو دواءً، إلا داءً واحدًا» فقالوا يا رسول اللَّه ما هو؟ قال: «الهرم» (١).
وعن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما أنزل اللَّه من داء إلا قد أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله» (٢).
قال ابن القيم - ﵀ -: «فقد تضمنت هذه الأحاديث
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى، برقم ٣٨٥٥،والترمذي في كتاب الطب، باب ما جاء في الدواء والحث عليه، برقم ٢٠٣٨،وابن ماجه في كتاب الطب، باب ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٣٤٣٦، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢٩٣٠.
(٢) أخرجه أحمد،١/ ٣٧٧، وبتريب الشيخ شاكر، ٥/ ٢٠١، برقم ٣٥٧٨، وصححه. والحميدي في المسند، ١/ ٥٠، برقم ٩٠، وأبو يعلى في المسند، ٩/ ١١٣، برقم ٥١٨٣، وابن ماجه في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٣٤٣٨، ٣٤٣٩ مختصرًا. والحاكم، ٤/ ١٩٦ - ١٩٧، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وصحح الألباني رواية ابن ماجه في صحيح الجامع، برقم ٥٥٥٨، ٥٥٥٩.
[ ٢٤٣ ]
إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، ويجوز أن يكون قوله: «لكل داء دواء» على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن للطبيب أن يُبْرِئَها، ويكون اللَّه - ﷿ - قد جعل لها أدوية تُبْرِئُها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلا؛ ً لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم اللَّه » (١).
فاللَّه - ﷿ - هو الشافي الذي يشفي من يشاء ويطوي علم الشفاء عن الأطباء إذا لم يرد الشفاء.
فنسأل اللَّه الذي لا إله إلا هو بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يشفي قلوبنا وأبداننا من كل سوء، ويحفظنا بالإسلام، وجميع المسلمين؛ إنه ولّي ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.
_________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد، ٤/ ١٤.
[ ٢٤٤ ]