في بلد الشرك والكفر، وهو لا يستطيع أن يظهر دينه وجب عليه أن يهاجر ويفارق أرض المشركين وأرض الكفار.
«والدليل على الهجرة من السنة قوله ﷺ: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (^١)»، فإذا طلعت الشمس من مغربها أُغلق باب التوبة، فلا يمكن لأحد أن يتوب؛ لا الكافر من كفره، ولا العاصي من معصيته، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن مَنْ عليها، فذاك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]» (^٢).
وتقدم أنه ﷺ أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، ثم أُمر بالهجرة إلى المدينة، «فلما استقر بالمدينة أُمِر ببقية شرائع الإسلام مثل: الزكاة والصوم والحج والجهاد والأذان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام»؛ لأنه في مكة أول ما فرض عليه من أركان الإسلام العملية: الصلوات الخمس، وفي المدينة أُمر ببقية شرائع الإسلام، وبعضهم يقول: إن الزكاة فرضت في مكة، ولكن تفاصيل أحكامها كان في المدينة، وفُرض الصيام في السنة الثانية من الهجرة، فصام النبي ﷺ تسع رمضانات فقط.
_________________
(١) مسند أحمد (٤/ ٩٩)، وأبو داود (٢٤٧٩) من حديث معاوية ﵁، وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (٥/ ٣٣).
(٢) رواه البخاري (٤٦٣٥) - واللفظ له -، ومسلم (١٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٤٨ ]
وفرض الحج في السنة التاسعة من الهجرة على الصحيح، وأُمر بالأذان للصلاة ولم يكن مشروعًا قبل ذلك، وشُرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد فسُيَّرت السرايا والجيوش من المدينة لغزو الكفار وحربهم؛ لأن الدولة النبوية تكونت في المدينة.
يقول الشيخ: «أخذ على هذا عشر سنين» وهو في المدينة، «وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه»، في ربيع الأول من السنة العاشرة؛ بل على التاريخ المعروف تكون في السنة الحادية عشرة، فتم له عشر سنين في المدينة لأنه قدم في ربيع الأول وتوفي في ربيع الأول، فهذه عشر سنين.
يقول الشيخ: «ودينه باق، وهذا دينه، لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه، والخير الذي دل عليه: التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذر منه: الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه» وقد توفي ﷺ، ولكن دين الله باق محفوظ؛ لأن الله قد ضمن حفظه، ولما مات وفُجع الناس بموته صلوات الله وسلامه عليه، وطاشت العقول، جاء أبو بكر ﵁ وخطب الناس وبين لهم أنه بشر، وأنه سيموت، وقال: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»، وتلا عليهم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (^١) الآية [آل عمران: ١٤٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُون (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُون (٣١)﴾ [الزمر].
_________________
(١) رواه البخاري (٣٦٦٧ - ٣٦٨٨).
[ ٤٩ ]