ثم قال الشيخ: «الأصل الثاني» من الأصول الثلاثة التي تجب على العبد معرفتها: «معرفة دين الإسلام بالأدلة»، والإسلام: هو دين الله الذي بعث به رسله من لدن نوح ﷺ إلى محمد ﷺ.
قال تعالى عن نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين (٧٢)﴾ [يونس]، وقال تعالى في إبراهيم ويعقوب ﵈: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُون (١٣٢)﴾ [البقرة]، وقال الحواريون أتباع عيسى ﵇: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُون (٥٢)﴾ [آل عمران].
«وهو»: أي الإسلام «الاستسلام لله بالتوحيد»؛ أي بعبادته وحده لا شريك له بالتوحيد، «والانقياد له بالطاعة»، «و» هذا الاستسلام والانقياد لا بد معه من «البراءة من الشرك وأهله» وهذه هي حقيقة الإسلام، الذي هو دين الرسل كلهم.
قال الشيخ: «وهو» أي دين الإسلام «ثلاث مراتب» أي: درجات، وبعضها أكمل من بعض وأعلى من بعض.
المرتبة الأولى: «الإسلام».
«و» الثانية: «الإيمان».
[ ٢٩ ]
«و» الثالثة: «الإحسان». وهذه المراتب مستفادة من حديث جبريل ﵇ كما سيأتي.
قال الشيخ: «وكل مرتبة لها أركان».
«فأركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام».
فهذه هي أصول الدين الظاهرة، ثم ذكر الدليل على كل ركن من هذه الأركان، فقال: «فدليل الشهادة»؛ أي: فدليل شهادة أن لا إله إلا الله، «قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًَا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (١٨)﴾ [آل عمران]»، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾، والأدلة على هذا كثيرة.
قال الشيخ: «ومعناها»؛ أي: شهادة أن لا إله إلا الله: «لا معبود بحق إلا الله»؛ أي أن كل معبود سوى الله باطل.
فآلهة المشركين معبودة بغير حق، فهي باطلة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]، ولما قال لهم النبي ﷺ: «قولوا: لا إله إلا الله»، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] (^١).
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٢٢٧)، وصححه الترمذي (٣٢٣٢)، وابن حبان (٦٦٨٦)، والحاكم (٢/ ٤٣٢) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٣٠ ]
ثم بيَّن الشيخ أن «لا إله إلا الله» مركبة من نفي وإثبات، وهما ركنا شهادة أن «لا إله إلا الله»، فقوله: «لا إله» نفي استحقاق العبادة عن كل ما سوى الله، «(لا إله) نافيًا جميع ما يعبد من دون الله»، وإثبات في قوله: «(إلا الله) مثبتًا العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه»، فإذا كان هو الذي له الملك كله، وهو خالق كل شيء؛ فيجب أن يكون هو المعبود وحده.
قال الشيخ: «وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُون (٢٦)﴾ ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين (٢٧)﴾ ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون (٢٨)﴾ [الزخرف]» هذه الآية دلت على أن كلمة التوحيد تتضمن البراءة من المشركين وشركهم، ومثلها قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين (٧٧)﴾ [الشعراء]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤]، فكلمة التوحيد تتضمن البراءة من المشركين وشركهم، وما يعبدون من دون الله.
«و» مما يُفسرها «قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون (٦٤)﴾ [آل عمران]»، فعُلم أن كلمة التوحيد تتضمن إفراده تعالى بالربوبية والألوهية، فلا يتخذ الناس بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، ولا يعبد الناس أحدًا غير الله، فإذا أعرض الكفار والمكذبون عن هذا الأمر: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون (٦٤)﴾، مستسلمون لله عابدون له لا نشرك به شيئًا.
[ ٣١ ]
قال الشيخ ﵀: «ودليل شهادة أن محمدًا رسول الله، قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٢٨)﴾ [التوبة]»، يخبر الله ﷾ ممتنًا على عباده بإرسال محمد ﷺ، وهو رجل منهم يعرفون نسبه وسيرته، ويشق عليه الذي يشق عليهم، وهو حريص على هدايتهم حتى أنه كان يتحسر إذا لم يستجيبوا، ولهذا قال الله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِين (٣)﴾ [الشعراء].
وقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٢٨)﴾؛ أي: رحيم بالمؤمنين، والله تعالى قد خصهم بقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِين (٨٨)﴾ [الحجر].
«ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله»، أي حقيقة الإقرار والتصديق واليقين بأنه رسول من عند الله إلى جميع الناس، ومقتضى هذه الشهادة: «طاعته فيما أمر»، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن: ١٢] في مواضع كثيرة، ويقول تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون (١٣٢)﴾ [آل عمران]، ويقول تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون (١٥٨)﴾ [الأعراف].
«وتصديقه فيما أخبر»، فهو أصدق الناس. «واجتناب ما عنه نهى وزجر».
«وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع»، فعبادة الله لا بد فيها من شرطين:
- الإخلاص لوجه الله.
[ ٣٢ ]
- وموافقة أمر الله ورسوله، وهو المقصود بقوله: «وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع»، فمن عبد الله بغير ما جاء به الرسول ﷺ فعمله باطل؛ لأنه عمل مبتدع.
قال الشيخ: «ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة (٥)﴾ [البينة]»، فهذه الثلاثة هي أعظم أركان الإسلام، والكتاب والسنة تجمع بينها في مواضع متعددة؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾؛ أي: من الشرك ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون (١١)﴾ [التوبة]، فأعظم هذه الأصول عبادة الله وحده لا شريك له وإخلاص الدين لله، وبعد ذلك إقام الصلاة، فالصلوات الخمس هي عمود الإسلام، وهي أوجب الواجبات بعد التوحيد، والزكاة قرينتها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
فالصلاة هي حق الله على عباده في كل يوم وليلة، والزكاة حق الله على عباده في أموالهم، قال النبي ﷺ في حديث معاذ: «فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» (^١).
قال الشيخ: «ودليل الصيام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (١٨٣)﴾ [البقرة]».
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٣٣ ]
أي: فرض عليكم الصيام، والمراد: «صيام شهر رمضان» كما بين ذلك في الآية التي بعدها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقال ﷺ: «بني الإسلام على خمس» (^١)، وذكر: صيام رمضان، فصيام شهر رمضان هو أحد مباني الإسلام.
قال الشيخ: «ودليل الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين (٩٧)﴾ [آل عمران]».
هذا هو الركن الخامس من أركان الإسلام ومبانيه العظام؛ فرضه الله على المستطيع من عباده مرة في العمر.
يقول الشيخ ﵀: «المرتبة الثانية»: من مراتب الدين، «الإيمان»، وهي أعلى من التي قبلها؛ لأنها تتعلق باعتقاد القلب.
قال الشيخ: «وهو» أي؛ الإيمان: «بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (^٢)».
فالإيمان له شعب كثيرة ظاهرة وباطنة، أفضلها كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، وهي أصل دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، وهي مع شهادة «أن محمدًا رسول الله»، أصل هذا الدين الذي بعث الله به محمدًا ﷺ، فهما جميعًا أصل واحد وبناء واحد، وأدنى هذه الشعب
_________________
(١) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) رواه مسلم (٣٥) بنحوه من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٤ ]