مُشْفِقُون (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُون (٥٨)﴾ [المؤمنون]، وقال تعالى: ﴿فَإيَّايَ فَارْهَبُون (٥١)﴾ [النحل]، والآيات في ذكر الخوف كثيرة.
والخوف من الخلق أنواع: منه ما هو شرك؛ كالخوف من الأوثان والأموات، واعتقاد أنهم يعلمون الغيب، وأنهم يؤثرون بالنفع والضر، ومنه ما هو معصية؛ كالقعود عن الجهاد خوفًا من العدو وجبنًا، وكترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفًا من أذى الناس.
وأما خوف الإنسان من الأسباب المؤذية؛ كخوفه من العدو أو من السبع أو من غير ذلك من الأمور التي تضره، فهذا خوف طبيعي لا يأثم به ولا يذم.
«ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف]» والرجاء: هو الطمع في الفضل والعفو والرحمة.
وقد جمع الله بين هذين الوصفين - الخوف والرجاء - في قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، والطمع هو: الرجاء.
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
فالرجاء: هو طلب المحبوب.
[ ٢٥ ]
والخوف: هو الحذر من المرهوب والمكروه، فالخوف من الله: خوف من عذابه ومن سخطه.
ومن أنواع العبادة التوكل، وهو: اعتماد القلب على الله، وتفويض الأمور كلها إليه.
«ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (٢٣)﴾ [المائدة] وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]»، وأثنى على المؤمنين بالتوكل عليه: قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون (٢)﴾ [الأنفال].
وهكذا يجب على المؤمن أن يتوكل على الله، ولا يتوكل على سواه.
قال: «ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء]. ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣].» وتقدم.
قال الشيخ: «ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]»
والإنابة هي: الرجوع إلى الله في كل الأمور، والإقبال عليه ﷾ بعبادته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
[ ٢٦ ]
«ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾، وفي الحديث: «وإذا استعنت فاستعن بالله» (^١).
ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق (١)﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس (١)﴾.
ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]».
فالاستعانة: طلب العون، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾ بمعنى: أطلب العون منك يا الله.
والاستعاذة: طلب العياذ والعصمة، تقول: أستعيذ بالله، أو: أعوذ بالله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق (١)﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس (١)﴾، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ [النحل: ٩٨]؛ أي قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
والاستغاثة: طلب الغوث، والسين والتاء للطلب.
ومن أنواع العبادة الذبح تقربًا وتعظيمًا، «ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام]» وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر (٢)﴾ [الكوثر]، فقرن الله بين الصلاة
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٢٩٣)، والترمذي (٢٥١٦) - وقال: حسن صحيح -؛ والضياء في «المختارة» (١٠/ ٢٢ - ٢٥)، وحسنه الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» ص ٣٤٥.
[ ٢٧ ]
والذبح، وهما يحصلان من المؤمن في يوم، في مثل يوم الأضحى؛ يصلي صلاة العيد ويذبح القربان، فيحقق الأمرين.
«ومن السنة: «لعن الله من ذبح لغير الله» (^١)».
والذبح تقربًا إلى الله أنواع:
- الأضحية.
- والهدي في الحج أو العمرة.
- والعقيقة، وكلها من القرابين والأنساك التي جاءت بها الشريعة.
«ودليل النذر قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان]». فأثنى الله ﷾ في هذه الآية على الموفين بالنذر، والمراد: نذر الطاعة؛ لقوله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله، فليطعه»، أما نذر المعصية فلا يجوز الوفاء به؛ لقوله ﷺ: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (^٢) فإذا نذر الإنسان أن يفعل طاعة وجب عليه أن يفي؛ كأن يقول: لله عليَّ أن أصوم يومًا، أو لله عليَّ أن أتصدق بكذا من المال، لكن ينبغي للإنسان أن لا ينذر؛ لأن النبي ﷺ نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» (^٣).
وقد ذم الله الذين يخلفون الوعد؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِين (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُم
_________________
(١) رواه مسلم (١٩٧٨) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) رواه البخاري (٦٦٩٦) من حديث عائشة ﵂.
(٣) رواه مسلم (١٦٣٩) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ٢٨ ]
مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُّعْرِضُون (٧٦)﴾ [التوبة]، فمن قال: إن شفى الله مريضي تصدقت بكذا، فإذا شُفي مريضه أو حصل له المطلوب بخل، فهذا تلبس بصفة من صفات المنافقين التي ذكرها الله في هذه الآية.
[ ٢٩ ]