الشرعي: هو تحقيق الإيمان، والعمل الصالح؛ فالعلم بلا عمل يكون وبالًا على صاحبه، وحجة عليه - نعوذ بالله -.
«الثالثة: الدعوة إليه» فإذا اجتهد الإنسان وحصَّل علمًا، وعمل به فعليه - أيضًا - أن يُعلِّم، ويدعو، ويأمر وينهى، وينفع الآخرين؛ لأنَّ هذه وظيفة الرسل وأتباعهم.
«الرابعة: الصبر على الأذى فيه»؛ لأن من تصدى لدعوة الناس وأمْرِهم ونهيهم عمَّا تعودوه؛ لابد أن يحصل له منهم أذى بالكلام وبالفعل، فلا بد له من الصبر على ذلك، وهكذا قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام: ٣٤].
فالصبر هو أساس القيام بالمهمات والأعمال الصالحة.
قال الشيخ: «والدليل» على هذه المسائل «قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْر (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾ [العصر]»، فهذه السورة ثلاث آيات:
الأولى قوله تعالى: «﴿وَالْعَصْر (١)﴾» وهذا قسمٌ من الله، والله ﷾ يقسم بما شاء من خلقه، والعصر هو: الدهر المكون من الليالي والأيام، والشهور والأعوام (^١)، وهو عمر الإنسان، وهو ميدان العمل.
_________________
(١) جامع البيان (١٥/ ٢٨٩).
[ ٨ ]
الآية الثانية: قوله تعالى: «﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر (٢)﴾» هذا هو المقسم عليه، و«ال» هنا للجنس؛ والمعنى: أن كل إنسان في خسارة، والخُسر: ضد الربح، إلا من استثنى الله بقوله:
﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾ فمن حقق هذه الأركان الأربعة؛ فاز بالربح العظيم، ونجا من الخسران؛ فحظ الإنسان من الربح بحسب حظه من هذه الخصال الأربعة.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والإيمان لا يكون إلا بعلم، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهذا ثمرة العلم والإيمان، فمن رزقه الله العلم والإيمان؛ عمِلَ الصالحات.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ أي: نصح بعضهم بعضًا، وذكَّر بعضهم بعضًا، والحق: يشمل العلم والإيمان، والعمل الصالح.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾ وأوصى بعضهم بعضًا بالصبر.
والتواصي بالحق والتواصي بالصبر هما من جملة العمل الصالح، وهو يدخل في الإيمان، فهذه الأمور الأربعة بعضها يدخل في بعض، فعطف الأعمال الصالحة على الإيمان، وعطف التواصي على عمل الصالحات، كلها من عطف الخاص على العام.
فدلت هذه السورة على المسائل الأربع التي ذكرها الشيخ:
١ - مسألة العلم يدل لها قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
٢ - ومسألة العمل يدل لها قوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
[ ٩ ]
٣ - ومسألة الدعوة يدل لها قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾.
٤ - ومسألة الصبر يدل لها قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (٣)﴾.
«قال الشافعي رحمه الله تعالى:» الإمام المعروف محمد بن إدريس أحد الأئمة الأربعة المتبوعين.
«لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم (^١)». ومراده أنها سورة موجزة مختصرة، إلا أن لها دلالة عظيمة، حيث إنها دلت على أن الناس فريقين: خاسر ورابح، وفيها ذِكر أسباب الربح والفوز والفلاح.
«وقال البخاري رحمه الله تعالى» الإمام محمد بن إسماعيل صاحب الصحيح في كتابه: «الجامع الصحيح» في «كتاب العلم»: «بابٌ: العلمُ قبل القول والعمل. والدليل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: ١٩] (^٢)».
قال الشيخ: «فبدأ بالعلم قبل القول والعمل» أي: بدأ الله في الآية بالعلم قبل القول والعمل، وهو: الاستغفار، فأمر الله أولًا: بالعلم بالتوحيد ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾، ثم أمر ثانيًا: بالاستغفار فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ وهو من العمل.
_________________
(١) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستقامة ص ٤٨٢، وابن كثير في تفسيره (١/ ٢٠٥) بنحوه.
(٢) صحيح البخاري (١/ ٢٤) بنحوه.
[ ١٠ ]