الأصل السادس: الإيمان بالقدر: وهو الإيمان بأن الله قدّر مقادير الخلق، وكتب كل ما سيكون.
والإيمان بالقدر أربع مراتب:
١ - الإيمان بعلم الله السابق لكل شيء، ومن ذلك علمه بأفعال العباد وطاعتهم ومعاصيهم.
٢ - الإيمان بكتابته للمقادير.
٣ - الإيمان بعموم مشيئته وأنه لا يخرج عن مشيئته شيء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
٤ - الإيمان بأنه تعالى خالق كل شيء.
ولا يكون الإنسان مؤمنًا بالقدر حتى يؤمن بهذه المراتب.
«والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ودليل القدر قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر (٤٩)﴾ [القمر]».
يقول الشيخ ﵀: «المرتبة الثالثة» من مراتب الدين «الإحسان»، وهو «ركن واحد».
والإحسان أعلى مرتبة من مراتب الدين، ويشمل الإيمان والإسلام، ولهذا يقول العلماء: كل مؤمن مسلم، ولا عكس، وكل محسن مؤمن، ولا عكس.
[ ٣٧ ]
والإحسان فسره الشيخ بما فسره به النبي ﷺ في حديث جبريل، والإحسان الذي أمر الله به عباده وأثنى على أهله في كتابه نوعان:
الإحسان إلى الخلق بأنواع الإحسان: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء].
الإحسان في العمل: وهذا هو المقصود هنا، والمراد إتقانه وإيقاعه على أكمل الوجوه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥].
قال: «وهو»: أي الإحسان «أن تعبد الله كأنك تراه»، والمعنى: أن تقبل على عبادة الله كأنك تراه.
والعباد لا يرون ربهم في الدنيا، وإنما يرونه يوم القيامة، كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث، ولكن المؤمن الصادق يحسن في عبادته لربه، فيعبده كأنه يراه خائفًا راجيًا مقبلًا خاضعًا لربه متذللًا، ومن كان على هذه الحال؛ فمعلوم أنه سيكون في غاية من الإقبال والصدق في العبادة.
قال: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» والعبد لا يرى ربه، ولكن الله يراه، فينبغي للمسلم أن يستحضر إطلاع الله عليه وشهوده له، فيوجب له ذلك تحقيق العبودية، وكمال الإقبال.
[ ٣٨ ]
قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُون (١٢٨)﴾ [النحل]»؛ اتقوا ربهم وأحسنوا في تقواهم، وهذه هي: معية الله الخاصة قيدها بالمتقين، ونظير ذلك قوله سبحانه عن نبيه ﷺ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، وهذه المعية تقتضي: التأييد والحفظ والنصر.
«وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (٢٢٠)﴾ [الشعراء]» والمعنى: اعتمد بقلبك وفوض جميع أمورك إلى من يراك وأنت قائم في عبادته، وأنت بين الساجدين ومعهم؛ فإن توكلت عليه فإنه كافيك، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، وهذا ظاهر الدلالة على معنى قوله ﷺ: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (^١).
«وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]»، ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾؛ أي: حال من أحوالك الدينية والدنيوية ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾؛ أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك، وهذا أخص من قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾، وخصها بالذكر؛ لأن تلاوته للقرآن من أعظم شؤونه ﷺ، ﴿إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ هذا هو الشاهد؛ والمعنى: إلا كنا حاضرين وقت شروعكم فيه واستمراركم على العمل به، فراقبوا الله في أعمالكم
_________________
(١) سيأتي في ص ٤٠ مطولًا.
[ ٣٩ ]
وأدوها على وجه النصيحة والاجتهاد فيها، وإياكم وما يكرهه الله تعالى، فإنه مطلع عليكم عالم بظواهركم وبواطنكم.
وكل هذه الآيات تدل على مقام الإحسان، وأن الله ﷾ يرى عبده في جميع أموره، وفي جميع أحواله، فهو حاضر يسمع كلام العبد ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُون (٦٩)﴾ [القصص]، فإذا استحضر العبد ذلك كان من أسباب إقباله على ربه، وصدقه في عبادته، وتكميله لها، ولكن بسبب الغفلة والذهول عن هذا الأمر يؤدي الإنسان العبادة بفتور، والمؤمن يؤمن بأن الله يراه، ولكن فرْقٌ بين الإيمان بهذا الأمر، وبين الشعور به واستحضاره.
وكثير من الناس لا يستحضر هذا الأمر، فهذا مقام عظيم، إنما يحققه الكُمَّل من المؤمنين.
وتقدم أن دين الإسلام ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وقد ذكرها الشيخ، وذكر أركانها ومعناها، وأدلتها من القرآن، ثم قال: «والدليل من السنة حديث جبرائيل المشهور عن عمر ﵁»؛ أي: الدليل على ما تقدم كله من السنة النبوية، وإذا أطلق حديث جبريل يراد به هذا الحديث، وقد روى هذا الحديث مسلم عن عمر ﵁ (^١)، ورواه أيضًا هو والبخاري بلفظ مختلف قليلًا عن أبي هريرة ﵁ (^٢) «قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد»
_________________
(١) رواه مسلم (٨).
(٢) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).
[ ٤٠ ]
ظهر علينا من طريق أو من باب بهيئة طيبة وجميلة، ولكنه غير معروف، يقول: «حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه»؛ يعني: جلس قريبًا منه، فأسند السائل ركبتيه إلى ركبتي النبي ﷺ، ويديه على فخذي النبي ﷺ مبالغة في القرب، ومبالغة في السؤال، «وقال: يا محمد» خاطبه باسمه؛ لإظهار أنه جاهل لا يعرف حسن الخطاب؛ لأن عادة الأعراب إذا جاءوا إلى الرسول ﷺ يقولون: يا محمد! أما الصحابة الذين حسن إسلامهم لا يقولون للرسول: يا محمد، وإنما يقولون: يا رسول الله! أو يا نبي الله! وهذا أشرف ما يدعى به ﷺ، كما خاطبه الله بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤]، ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١].
«أخبرني عن الإسلام»؛ أي: ما هو الإسلام؟ «فقال رسول الله ﷺ: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا».
«قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه» العادة أن السائل لا يقول: صدقت، بل يقول: جزاك الله خيرًا، أحسن الله إليك، ونحوها، ولكن قوله: «صدقت» يدل على أن عنده خبرًا، وهذا هو محل العجب.
ثم «قال: فأخبرني عن الإيمان» هذا هو السؤال الثاني، ما هو الإيمان؟
[ ٤١ ]
«قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»؛ فسر الإيمان بهذه الأصول الستة، وهذه كما تقدم هي أصول الاعتقاد، فجميع مسائل الاعتقاد ترجع إلى هذه الأصول؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «العقيدة الواسطية»: «اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة - أهل السنة والجماعة -: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله …» (^١).
«قال: صدقت» مثل ما قال في الأول «قال: فأخبرني عن الإحسان»، ما هو الإحسان؟
«قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، والمراد إحسان العمل وإتقانه بتحقيق المراقبة، وكمال الإخلاص.
«قال فأخبرني عن الساعة؟» متى الساعة؟ أي: القيامة، «قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»؛ أي: علمي وعلمك بها سواء، فإذا كنتَ لا تعلمها، فأنا كذلك لا أعلمها.
«قال: فأخبرني عن أمارتها»؛ أي: علامات قيامها «قال: أن تلد الأمة ربتها» وفي لفظ «ربها»، الأمة: هي الأنثى المملوكة تلد ربها أو تلد ربتها، اختلف في معنى ذلك، وأحسن ما قيل: إنه إذا كثر الرقيق فربما ولدت المرأة ابنًا ثم فارقته بسبب الرق، ثم اشتراها ولدها وهو لا يدري أنها أُمُّه، فيصير سيدًا لها، وقيل: إن الأَمَة إذا وطئها سيدها فولدتْ، فولدُ سيدِها سيدٌ لها.
_________________
(١) الواسطية ص ٢١.
[ ٤٢ ]
«وأن ترى الحفاة العراة العالة» الحفاة: غير المنتعلين، والعراة: غير المكتسين، والعالة: الفقراء «رِعَاء الشَّاء» الذين من عادتهم رعي الغنم «يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ»، والمراد: إذا رأيت سكان الصحراء يهبطون إلى القرى، ويبنون فيها المساكن ويتنافسون في طول البنيان، فهذا من علاماتها. وعلامات قيام الساعة كثيرة، كما جاءت الأدلة بذكرها.
«قال: فمضى»؛ أي: خرج الرجل ومشى قال: «فلبثنا مليًا»؛ أي: زمنًا، وفي رواية: «فلبثت ثلاثًا» (^١)، «فقال: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم».
فهذا الحديث العظيم اشتمل على فوائد كثيرة، فقد اشتمل على ذِكر أصول الدين الاعتقادية والعملية، وذكر مقامات الدين ومراتبه، وفيه الدلالة على أن الساعة مما استأثر الله بعلمه، وفيه دليل على بعض علاماتها: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] أي: علاماتها.
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٦١٠) وصححه، والنسائي (٨/ ٩٧).
[ ٤٣ ]