الله أخذًا وبيلًا؛ أي: شديدًا، بأن أغرقه وجنوده في البحر؛ فالمعنى: فاحذروا أن تكذِّبوا رسولكم فيأخذكم كما أخذ فرعون ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (٢٥)﴾.
والدليل على أن الله خلقنا ورزقنا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ الآية [الروم: ٤٠].
«الثانية: أن الله لا يرضى أن يُشرَك معه أحد في عبادته؛ لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل».
وهذه المسألة هي مسألة توحيد العبادة، وهو: إخلاص الدين لله، وإفراد الله بالعبادة، وصرف جميع أنواع العبادة له ﷾، فلا يجوز أن يُشرك معه في عبادته، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، وما دونهما من باب أولى.
«والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن]». فنهى عن دعاء غيره سبحانه.
فتضمنت المسألة الأولى توحيد الربوبية، وتضمنت المسألة الثانية توحيد العبادة، ولا يكون الإنسان مسلمًا حتى يقر بالتوحيدين جميعًا، فلا يكفي الإقرار بتوحيد الربوبية، فقد أقر به المشركون ولم يدخلهم في الإسلام.
المسألة «الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحَّد الله» أن من أطاع الرسول كما في المسألة الأولى، ووحد الله كما في المسألة الثانية «لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب» لا يجوز
[ ١٢ ]
له أن يحب أعداء الله، وأن يحتفي بهم، وأن يكرمهم وأن يعظمهم، فلا تجوز موالاة من حاد الله ورسوله من الكفار والفجار، والمحادَّة تطلق على: المعاداة والمخالفة الشديدة، ويُعبَّر عنها بالمشاقَّة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب (٤)﴾ [الحشر].
«والدليل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون (٢٢)﴾ [المجادلة]». لا تجد قومًا مؤمنين يوالون الكافرين؛ لأنَّ الإيمان يمنع من ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء﴾ [المائدة: ٨١]؛ ولكنهم لا يؤمنون بهذه الثلاثة، فاتخذوهم أولياء، وهذا الكلام يعود إلى الذين قال الله فيهم:﴾ ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُون (٨٠)﴾ [المائدة]، وهنا قال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فإذا وجدنا من يواد ويوالي ويعظم الكافرين المحادين لله ورسوله؛ علمنا أنه ليس بمؤمن؛ لأنَّ المؤمنين لا يكونون كذلك، قال الله: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون (٢٣)﴾ [التوبة]، ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَان﴾.
[ ١٣ ]