تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع» (^١)؛ أي أن كل من غلا فيه الإنسان وتجاوز به الحد، فرفعه عن منزلته فهذا هو الطغيان والغلو.
يقول: «من معبود أو متبوع أو مطاع» فمن عبد غير الله، فقد تجاوز به الحد، فإن المخلوق عبد لا يرتفع إلى منزلة الإلهية «أو متبوع»؛ أي: إمام له أتباع، فمن اتخذ له إمامًا وتجاوز به الحد بأن جعله بمنزلة الرسول ﷺ، وأنه معصوم؛ فهذا المتبوع إذا كان راضيًا بما يفعله هؤلاء الأتباع؛ فهو طاغوت.
وكذلك من له سلطان على الناس إذا غلا فيه الناس حتى جعلوا طاعته لازمة كطاعة الله ﷾ وطاعة الرسول ﷺ، فقد تجاوز الإنسان بهذا المطاع حده.
يقول الشيخ: «والطواغيت كثيرة» هناك كمٌّ هائل يُعبد من دون الله «ورؤوسهم خمسة»؛ أي: كبارهم ورؤسائهم «إبليس لعنه الله» هذا هو طاغوت الطواغيت، إبليس اللعين، وينبغي أن تقول: اللعين ولا تقول: لعنه الله؛ لأننا لم نتعبد بالدعاء عليه، إنما تُعبدنا بالاستعاذة بالله من شره في مواضع كثيرة: في افتتاح الصلاة، وقبل تلاوة القرآن، وعند دخول الخلاء، وعند دخول المسجد والخروج منه، وفي مواضع كثيرة ذكرتها النصوص.
«ومن عُبد وهو راضٍ» احترازًا من الأنبياء والملائكة، فإن بعض المشركين يعبدهم، ولكنهم غير راضين بذلك، بل يتبرءون من عابديهم
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ٥٠).
[ ٥٧ ]
«ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه»؛ أيُّ طغيان فوق هذا الطغيان أن يدعو الناس إلى أن يعبدوه؟! ومن أطاعه فقد تجاوز به الحد «ومن ادعى شيئًا من علم الغيب»، فإن ذلك يناقض قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فمن ادعى أنه يعلم الغيب فهو طاغوت.
«ومن حكم بغير ما أنزل الله»، فهو طاغوت، وقد يكون كافرًا، وقد لا يكون كافرًا، لكنه طاغوت؛ لأنه تجاوز بهذا الحكم حده، ومن أطاعه في ذلك ووافقه في ذلك؛ فقد غلا فيه وتجاوز به حده.
ثم ذكر الشيخ الدليل على وجوب الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، يقول: «والدليل قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]».
يقول الشيخ: «وهذا معنى: لا إله إلا الله»؛ أي: أن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، هو: معنى لا إله إلا الله.
قال الشيخ: «وفي الحديث: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله»» (^١)، هذا طرف من حديث معاذ الطويل الذي رواه الترمذي وغيره، قال: قلت يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: «لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه» - إلى أن قال النبي ﷺ لمعاذ: - «ألا أُخبرك برأس الأمر كله، وعموده وذروة سنامه؟» قلت: بلى
_________________
(١) رواه أحمد (٥/ ٢٣١)، والترمذي (٢٦١٦) وقال: حسن صحيح.
[ ٥٨ ]
يا رسول الله، قال: «رأس الأمر الإسلام»؛ أي: رأس الأمر وأوله وأعلاه هو الإسلام، الذي هو: معنى لا إله إلا الله.
قال: «وعموده الصلاة» التي هي: أوجب الواجبات على المسلمين بعد التوحيد.
قال: «وذروة سنامه الجهاد»؛ أي: أعلاه، فإذا كانت سوق الجهاد قائمة، وراية الجهاد مرفوعة، فهذا عنوان العز - عز الإسلام وأهله -، ومتى ترك الناس الجهاد - كما هو الواقع - ذلوا وهانوا.
«والله أعلم، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم».
تمَّ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
* * *
[ ٥٩ ]