فَطَهِّر (٤)﴾؛ أي طهر أعمالك من الشرك والمعاصي، ونزه أخلاقك عن الأخلاق الرذيلة، وقيل: طهِّر ثيابك من النجاسات.
يقول الشيخ: «أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر عُرج به إلى السماء» عشر سنين وهو يدعو إلى التوحيد، ويأمر بالأخلاق والعفاف والصلة والصدقة، ثم أُسريَ به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به من هناك إلى السماء، وشاهد ما شاهد، ولقي من لقي من الأنبياء «وفرضت عليه الصلوات الخمس» فرضت خمسين ثم لم يزل يطلب من ربه التخفيف حتى صارت خمسًا، «وصلى في مكة ثلاث سنين» بعد ما فرضت عليه الصلوات الخمس «وبعدها؛ أُمر بالهجرة إلى المدينة»؛ لأنه أُوذي ﷺ هو وأصحابه في مكة، فهاجر بعض أصحابه إلى الحبشة مرتين، ثم أذن الله له بالهجرة إلى المدينة، بعدما انتشر الإسلام فيها وصارت دار إسلام، وبعد أن وفد إليه الأنصار وبايعوه على أنه إذا أتاهم يحمونه وينصرونه، فهاجر ﷺ هو وأبو بكر ﵁.
قال: «والهجرة» حقيقتها «الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام».
والهجر في اللغة: الترك، فالانتقال فيه ترك، الانتقال ترك للبلد التي ينتقل منها إلى بلد آخر، وهذه الهجرة الخاصة. أما الهجرة العامة فهي هجر ما نهى الله عنه؛ كما في الحديث الصحيح، عن النبي ﷺ: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (^١)، من كل المعاصي.
_________________
(١) رواه البخاري (١٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
[ ٤٦ ]
يقول الشيخ: «والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة، والدليل قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا (٩٨) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء]».
ففي هذه الآية دلالة على أن الملائكة توبخ الذين أسلموا وبقوا مستخفين لا يظهرون دينهم بل يُظهِرون أنهم على دين قومهم من غير ضرورة ولا إكراه ومع قدرتهم على الهجرة، وتنذرهم سوء المصير؛ لأن الأرض واسعة يمكن للمضطهد والمستذل والمظلوم أن يتحول إلى نواحي أرض الله الواسعة ليجد مكانًا يراغم فيه الأعداء، واستثنى من الوعيد المستضعفين، فقال: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ الذين ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا (٩٨)﴾، «و» كذلك من الأدلة «قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُون (٥٦)﴾ [العنكبوت]». وهذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيها على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، وأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم.
«قال البغوي رحمه الله تعالى» المفسر المعروف، حسين بن مسعود صاحب تفسير «معالم التنزيل»: «سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين بمكة لم يهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان» (^١)، فإذا كان الإنسان
_________________
(١) معالم التنزيل (٢/ ٢٧٢) بمعناه.
[ ٤٧ ]