[النحل]، فالملة الحنيفية ملة إبراهيم هي: عبادة الله وحده لا شريك له، بإخلاص الدين له ﷾.
يقول الشيخ: «وبذلك أمر الله جميع الناس، وخلقهم لها»؛ أمر الله جميع الناس بإخلاص العبادة له، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ [البقرة]، فالله أمر جميع الناس أن يعبدوه وحده لا شريك له، وقال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال: ﴿﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقد خلق الله الجن والإنس ليعبدوه وحده لا شريك له «كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون (٥٦)﴾ [الذاريات]».
قال الشيخ: «ومعنى يعبدون: يوحدون» أي يعبدوه ﷾ وحده لا شريك له، والعبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، فإذا دخلها الشرك أفسدها، ولم تكن عبادة، فمن عبد مع الله غيره، فإنه لا يعد عابدًا لله.
قال الشيخ: «وأعظم ما أمر الله به التوحيد» فأوجب الواجبات على الإطلاق هو توحيد الله بالعبادة، وهذا هو معنى «لا إله إلا الله»، وهي أول واجب على العبد.
وأعظم الذنوب هو الشرك الأكبر، ويختص من بين سائر الذنوب بثلاثة أشياء:
[ ١٥ ]
أولًا: أنه لا يُغفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨].
ثانيًا: أنه يحبط جميع الأعمال، فمن عبد مع الله غيره حبطت سائر أعماله، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُون (٨٨)﴾ [الأنعام].
ثالثًا: أنه موجب للخلود في النار لمن مات عليه، فمن مات على الشرك الأكبر؛ فهو مخلد في النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة (٦)﴾ [البينة].
قال الشيخ: «وهو» أي: التوحيد «إفراد الله بالعبادة».
«وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو دعوة غيره معه» واتخاذ الند له، قال ابن مسعود ﵁: سألت النبي ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك» (^١) أي: مِثلًا.
«والدليل» على هذا «قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]». فأمر بعبادته ونهى عن الشرك به، فيجب على كل مسلم أن يجتهد في تحقيق التوحيد، وأن يحذر من الشرك الأكبر، يقول ابن القيم:
والشركُ فاحذره فشركٌ ظاهرٌ … ذا القسم ليس بقابلِ الغفرانِ
وهو اتخاذ الند للرحمن أيًا … كان من حجر ومن إنسان
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦).
[ ١٦ ]