قال شيخ الإسلام:
"إنما دين الله ما بعث به رسله وأنزل به كتبه، وهو الصراط المستقيم، وهو طريق أصحاب رسول الله ﷺ خير القرون، وأفضل الأمة وأكرم الخلق على الله تعالى بعد النبيين قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فرضي عن السابقين الأولين رضًا مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان، وقد قال النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة: "خير القرون القرن الذي بُعثتُ فيهم ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"١.
وكان ابن مسعود ﵁ يقول: "من كان منكم مستنًّا فليستنّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تُؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ، أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلّفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".
وقال حذيفة بن اليمان ﵁: يا معشر القراء، استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا٢.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه (٥/٢٥٩ برقم ٢٦٥٢)، ومسلم في صحيحه (٤/١٩٦٢ برقم ٢٥٣٣) بطرق متعددة وألفاظ مختلفة. ٢ صحيح البخاري (١٣/٢٥٠ برقم ٧٢٨٣) .
[ ٤٥٥ ]
وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: خطَّ لنا رسول الله ﷺ خطًا، وخطَّ خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: "هذا سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
وقد أمرنا ﷾ أن نقول في صلاتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، قال النبي ﷺ: "اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون"، وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه، والنصارى عبدوا الله بغير علم، ولهذا كان يقال: تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]، قال ابن عباس ﵄: تكفَّل الله لمن قرأ القرآن، وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، وقرأ هذه الآية.
وكذلك قوله ﵎: ﴿ا؟لم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥]، فأخبر ﷾ أن هؤلاء مهتدون مفلحون، وذلك خلاف المغضوب عليهم والضالين.
فنسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا صراطه المستقيم: صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين،
[ ٤٥٦ ]
وصلى الله على خير خلقه عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين".
معاني الكلمات:
الصراط: هو الطريق.
المستقيم: البين الواضح الذي لا اعوجاج فيه.
القرلا: جمع قرن؛ والقرن: مئة سنة.
السابقون: هم الصحابة المهاجرون والأنصار.
التابعون: هم الذين أخذوا عن الصحابة الدين وكانوا على الصراط المستقيم.
عناصر الموضوع:
١ - ينحصر موضوع الخاتمة في مسألتين:
١ - الدين الصحيح وما جاء به الرسل.
٢ - طلب الهداية إلى الصراط المستقيم والثبات عليه.
٢ - الصلة بين الخاتمة وما سبق:
بعد أن بيَّن شيخ الإسلام أصلين من أصول الدين وهما: التوحيد والصفات، والشرع والقدر؛ ناسب أن بيّن أن هذا هو الدين الصحيح الذي بعث الله به رسوله محمدًا ﷺ وهو الصراط المستقيم.
٣ - الدين الصحيح وما جاء به الرسول ﷺ:
الدين الصحيح هو ما بعث الله به رسوله محمدًا ﷺ وأنزل كتبه، وهو طريق الصحابة الكرام أفضل الناس بعد الأنبياء وخير القرون، فالله سبحانه أخبر عنهم أنه رضي عنهم رضاءً مطلقًا، وشرط فيمن جاء بعدهم أن يتبعهم بإحسان حتى ينالوا رضى الرحمن، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فمن ﵁ فلا يسخط عنه أبدًا، وهداية المتأخرين
[ ٤٥٧ ]
منوطة باتباع الدين الذي كان عليه الرسول ﷺ.
٤ - الدين الصحيح هو الصراط المستقيم:
الدين الذي بعث الله به رسوله هو الصراط المستقيم، الطريق الواضح الموصل إلى الله وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به، ولزوم دين الإسلام وترك ما سواه من الأديان.
٥ - مراتب الهداية:
الهداية على أربعة مراتب هي كما يأتي:
١ - الهداية العامة لجميع المخلوقات منذ خلقها الله، فيولد الصغير ويهتدي إلى الرضاع وغير ذلك؛ فهذه هداية فطرية ويدل عليها قوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي آعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] .
٢ - هداية البيان والدلالة؛ وقد سبقت هي والتي تليها في المقدمة، وهي الهداية التي جاءت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام.
٣ - هداية التوفيق والإلهام وهي بعد البيان ومترتبة عليها.
٤ - الهداية على الصراط يوم القيامة، وهي مترتبة على هداية التوفيق، فمن وُفق وهُدي في الصراط إلى الجنة ويدل عليها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٦] .
٦ - أقسام الناس في الهداية:
قسم الله عباده بحسب الهداية وعدمها إلى ثلاثة أقسام:
١ - أهل الهداية: وهم المهتدون في الدنيا ولهم الأمن في الآخرة يوم الفزع الأكبر، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون ومن تبعهم بإحسان.
٢ - المغضوب عليهم: وهم الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود وغيرهم.
[ ٤٥٨ ]
٣ - الضالون: وهم الذين تركوا الحق على جهل وضلال كالنصارى ونحوهم.
٧ - آخر ما قاله شيخ الإسلام في هذه الرسالة المباركة:
"فنسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه عبده ورسوله محمد ﷺ وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين".
يختم شيخ الإسلام هذه الرسالة المباركة بسؤال الله له ولإخوانه المسلمين بطلب الهداية إلى الصراط المستقيم الذي أنعم الله به على الأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.
٨ - الأسئلة والأجوبة على ما تقدم:
س١ - ما حكم الاحتجاج بالقدر في المعاصي، وعلى ماذا يحمل احتجاج آدم به مع موسى؟
ج: لا يحتج بالقدر في المعاصي بل يجب الاستغفار، ويحمل احتجاج آدم به على موسى: أن موسى لم يكن عتبه على آدم لأجل الذنب - فإن آدم كان قد تاب منه - ولكن لأجل المصيبة التي لحقتهم وهو إخراجهم من الجنة.
س٢ - بين أصْلَي الشر (الأمر) وأصلي القدر مع الأدلة.
ج: للشرع أصلان:
أـ أصل قبله: وهو الاجتهاد والامتثال علمًا وعملًا.
ب - وأصل بعده: وهو الاستغفار من التفريط في الأوامر، وتعدية الحدود.
* أما الأمر فقد شرع أن تختتم جميع العبادات بالاستغفار؛ وأمثلة ذلك ما يلي:
[ ٤٥٩ ]
١ - قال تعالى: ﴿وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فقاموا الليل ثم ختموه بالاستغفار.
٢ - أن النبي ﷺ كان إذا انصرف من صلاته، استغفر ثلاثًا.
* وللقدر أصلان:
أـ أصل قبله: وهو الاستعانة.
ب - وأصل بعده: وهو الصبر.
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] فالتقوى فعل المأمور وترك المحظور، وهو الشرع، والصبر يكون على المقدور وهو القدر.
٢ - قوله ﷺ: "واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر" ومعنى ذلك أن الإيمان بالقضاء السابق والتقدير الماضي يعين العبد على أن ترضى نفسه بما يصيبه فيصبر على المصائب.
أصلا الشرع
قبله بعده
الاجتهاد والامتثال الاستغفار
أصلا القدر
قبله بعده
الاستعانة الصبر
س٣ - اذكر مواقف الناس من العبادة والاستعانة.
ج - للناس فيها أربع مواقف؛ وهي كما يلي:
[ ٤٦٠ ]
١ - من يعبد الله ويستعين به، وهم أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام.
٢ - من يعبده ولا يستعين به، وهم كثيرو الأسى وقليلو الصبر.
٣ - من يستعين به ويتوكل عليه ولا يعبده، وهم المتصوفة.
٤ - من لا يعبده ولا يستعين به، وهم شر هذه الأقسام.
س٤ - بين فضائل الصحابة.
ج - من فضائلهم ما يلي:
١ - أنهم أصحاب القرون الثلاثة المفضلة.
٢ - أن الله اختارهم لصحبة نبيه ﷺ وحمل رسالته.
٣ - أن الله رضي عن السابقين منهم رضاء مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان.
٤ - أنهم أبر هذه الأمة قلوبًا.
٥ - أنهم أعمق هذه الأمة علمًا وأقلها تكلفًا.
٦ - أنهم أفضل الأمة وأكرم الخلق على الله بعد النبيين.
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] .
* قول النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة: "خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
* وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: "من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ، أبر هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم فإنهم على الهدى المستقيم".
[ ٤٦١ ]
س٥ - ما وجه حاجة الناس إلى الهداية وطلبها على الدوام؟
ج - وجه ذلك ما يلي:
١ - أنه لا يستغني أحد عن طلب هذه الهداية، بل ضرورته إليها فوق كل ضرورة.
٢ - أن الله تعالى قد أمرنا أن نسأله الهداية على الدوام في جميع الصلوات، فنقرأ قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] .
٣ - أن من كملت عنده الهداية الثابتة كان سؤاله للهداية هو سؤال تثبيت واستقامة واستمرار ومداومة. كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
٤ - وكما قال ﷺ: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم"، فالعبد مضطر إلى الهداية على الدوام. وهذا الحديث رواه الحاكم وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح رقم ١٥٨٥) .
س٦ - ما مراتب الهداية؟
ج - للهداية أربع مراتب؛ وهي كما يلي:
١ - الهداية العامة لجميع المخلوقات منذ خلقها؛ فيولد الصغير ويهتدي إلى أمه وإلى الرضاع وغير ذلك؛ فهذه هداية فطرية ويدل عليها قوله تعالى: ﴿الَّذِي آعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] .
٢ - هداية البيان والدلالة: وهي الهداية التي جاء بها الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] .
٣ - هداية التوفيق والإلهام وهي بعد البيان ومترتبة عليها.
٤ - الهداية على الصراط يوم القيامة، وهي مترتبة على هداية التوفيق، فمن وفق وهدي في هذه الدنيا هدي في الصراط إلى الجنة، ويدل عليها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ *
[ ٤٦٢ ]
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٥] .
ثم قسم الله عباده بحسب الهداية وعدمها إلى ثلاثة أقسام:
١ - أهل الهداية: هم العلماء العاملون؛ وهم أتباع الرسل.
٢ - المغضوب عليهم: هم العلماء الجاحدون؛ والمراد بهم اليهود ومن على شاكلتهم.
٣ - الضالون: هم الجاهلون بالحق؛ والمراد بهم النصارى ومن على شاكلتهم.
[ ٤٦٣ ]
ويرد بهذا المثال على: نفاة الصّفات بحجة أن إثباتها يستلزم التشبيه والحق أن الاتفاق في الاسم والمعنى لكي لا يستلزم التشبيه.
* مذاهب الناس في أمور الآخرة والأخبار الغيبية عن الله:
١ - أهل التنزيل: آمنوا بجميع ذلك مع علمهم بالمباينة بين ما في الآخرة، وما في الدنيا، وأن مباينة الله لخلقه أعظم.
٢ - أهل التعطيل: أثبتوا ما أخبر الله به عن الآخرة ونفوا كثيرًا مما أخبر به عن نفسه.
٣ - أهل التخييل: (القرامطة والفلاسفة المشاؤون) فزعموا أن أخبار اليوم الآخر خيالات.
* الأمثال والأقيسة في حق الله:
الأقيسة على ثلاثة أنواع: قياس التمثيل والشمول، لا يجوز في حقه قياس الأولى.
* المثل الثاني الروح: يبين أنه قد تعلم معاني الأشياء وتجهل كيفياتها، ومن جحد صفات الروح الواردة في النصوص كان معطلًا، فكذلك من نفى صفات الله تعالى كان جاحدًا من باب أولى.
الخاتمة الجامعة لسبع قواعد نافعة:
* القاعدة الأولى: صفات الله نفيٌ وإثبات:
هذه القاعدة رد على شبهة أهل التعطيل: الذين زعموا أنه ليس في النصوص وصفٌ ثبوتي لله تعالى، وإن ورد فهو على غير ظاهره، وأهل التشبيه: زعموا أنه ليس في النصوص إلا وصف ثبوتي. أما التنزيهي فلا يوجد، والحق أنه تعالى وصف نفسه بالإثبات ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]، ووصف نفسه بالنفي: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وهو متضمن لإثبات كمال الضد: كما حياته وقيوميته، أما النفي المحض فليس فيه مدح ولا كمال.
[ ٤٦٦ ]
* القاعدة الثانية: ما يضاف إلى الله من الأسماء والصفات: ومدارها على مسألتين:
أـ الرد على أهل التفويض: زعموا أن نصوص الصفات غير ظاهرة المعاني، فيفوضون المعنى إلى الله. والحق: أن ما أخبر الله تعالى وأخبر به رسوله ﷺ وجب الإيمان به مطلقًا عرفناه أو لا.
التعليل:
أـ لأن خبر الله أصدق الأخبار.
ب - صادرٌ عن علم تام فهو أعلم بنفسه من خلقه.
ج - اجتمع في كلام الله كمال البيان وكمال القصد والإرادة.
ومذهب أهل السنة: ليس في كلام الله ولا رسوله ﷺ ما لا يُعرف معناه، بل لا بد أن يكون معروفًا للأمة.
الدليل: ﴿وَأنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .
الرد على أهل التفويض:
١ - لو كان ما أخبر الله به من صفات لا يعلم لها معنى لكان بعض الشريعة مجهولًا للأمة.
٢ - لو كان نصوص الصفات غير معلومة المعنى لناقض وصف الله لكتابه بالبيان ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] .
٣ - أنه قدحٌ في كمال الدين: ﴿الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] .
ب - الرد على أهل التعطيل والتأويل: زعموا أن ظاهر نصوص الصفات تؤدي إلى التحيز والتجسم والقول بأنه في جهة. والسلف وضعوا قاعدة لهذه الألفاظ المحدثة (التحيز - الجهة - الجسم): اللفظ يتوقف فيه فلا يستخدم لعدم وروده، أما المعنى فيستفصل عنه: فإن كان باطلًا رد وإن كان حقًا قلنا لهم: عبّروا عنه باللفظ الشرعي الوارد.
مثاله: (الجهة) يتوقف في اللفظ، والمعنى يستفصل: إن أريد بها شيءٌ
[ ٤٦٧ ]
مخلوق محيط بالله تعالى فهذا معنى باطل. وإن أراد بها ما فوق العالم (العلو): فهو معنى ثابت: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] .
* القاعدة الثالثة: معنى ظاهر النّصوص وحكم القول بأنّ ظاهرها مراد أولا: مدار هذه القاعدة على مسألتين:
أـ معنى ظاهر النصوص: المراد بظاهر الكلام هو المعنى المتبادر إلى فهم ذي الفهم السليم العارف بلغة المتكلم، واختلف الناس في ظاهر نصوص الصّفات:
١ - السلف: ظاهر النصوص يليق بالله ولا يَقتضي التشبيه، فيجب إجراء النصوص على ظاهرها.
٢ - عامة المتكلمين: ظاهرها التمثيل والكفر. غلطوا من وجهين:
أـ يجعلون المعنى الفاسد هو الظاهر يحتاج إلى التأويل.
ب - وقد يفسرون الظاهر بمعنى صحيح لكنهم يردونه لأنه باطل عندهم.
أدلتهم: ١ - قوله ﷺ: "الحجر الأسود يمين الله في أرضه " ظاهره محالٌ، فكذلك ظواهر النصوص محالة.
الرد: الحديث ضعيف، وعلى فرض صحته: فإنه مقيّد بـ "الأرض"، وفي قوله: "فكأنما صافح الله" تشبيه وهو يقتضي المغايرة فليس الحجر هو عين يمين الله.
٢ - قوله ﷺ في الحديث القدسي: "مرضت فلم تعدني ".
الرد: آخر الحديث يوضّح أوله: "أما علمت أن عبدي فلانًا مرض ".
٣ - قوله ﷺ: "قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن " فظاهره أن الأصابع في جوف القلب وهو محال
الرد: البينيّة لا تقتضي الاختلاط كما أن السحاب بين السماء والأرض وليس مختلطًا أو مماسًا لها.
هناك فرق بين قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فالآية الأولى: أضاف الخلق إلى اليد، وجمع
[ ٤٦٨ ]
الضمير، ولم يتعد الفعل بالباء. والثانية: أضاف الخلق إلى نفسه وأفرد الضمير وثنى اليد وعدي الفعل بالباء.
ب - حكم من قال: إن ظاهر النصوص مراد أو غير مراد:
١ - إن كان يعتقد أن الظاهر هو التمثيل فلا ريب أنه مخطئ، فليس التمثيل هو ظاهر الصفات فضلًا أن يكون مرادًا.
٢ - وإن كان يعتقد باعتقاد السلف وهو أن الظاهر على ما يليق بالله فهو المراد.
* القاعدة الرابعة: المحاذير التي يقع فيها من يتوهّم التمثيل ثم ينفي الصفات:
١ - تمثيل ما فهمه من صفات الله بصفات المخلوقين.
٢ - تمثيل الله بالمنقوصات من الجمادات أو الأموات أو المعدومات.
٣ - تعطيل النصوص عمّا دلت عليه من الصفات.
٤ - تعطيل الله تعالى عن صفات الكمال.
من الأمثلة المضروبة على القاعدة:
١ - الاستواء: من ينفيه يقول: إن إثباته فيه تشبيه باستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، ويلزم منه الاحتياج إلى العرش.
الرد:
١ - ليس في لفظ "الاستواء" ما يدل على المماثلة لأن الله تعالى أضاف الاستواء إلى نفسه، كما أضاف سائر أفعاله وصفاته إليه: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] .
٢ - الله تعالى ليس مثل خلقه فكذلك استواؤه ليس مثل استوائهم.
٣ - ثبت بالضرورة عنى رب العالمين عن الخلق فلا يلزم من استوائه افتقاره إلى العرش.
٤ - جميع الصّفات لا يتوهم فيها النقص فكذلك الاستواء.
٥ - ثبت أنّ بعض المخلوقات بعضها فوق بعض ومع ذلك فليس الأعلى
[ ٤٦٩ ]
مفتقرًا إلى الأدنى: كالسماء والأرض، فالله أولى بعدم الافتقار.
٢ - العلو: من توهم أن معنى قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] أي: داخلُ السماء ثم نفى العلو.
يرد عليه:
١ - أن السماء يراد به العلو فيكون المعنى: (في العلو) .
٢ - أن (في) تأتي بمعنى (على) فإذا قدّر أن السماء يراد بها الأفلاك المعهودة كان المعنى: (على السماء) .
الفرق بين العلو والاستواء:
١ - (العلو) ثابت بالنقل والعقل والفطرة، و(الاستواء) ثابت بالنقل فقط.
٢ - (العلو) على جميع المخلوقات و(الاستواء) لا يضاف إلا إلى العرش.
٣ - (العلو) صفة ذاتية ملازمة لله، و(الاستواء) صفة فعلية اختيارية.
* القاعدة الخامسة: نعلم ما أخبرنا الله به من وجهٍ دون وجه:
أي: إننا نعلم ما أخبرنا الله ورسوله به من المغيبات من وجهٍ وهو المعنى، ونجهلها من وجهٍ آخر وهو الحقيقة والكيفية، والمقصود بهذه القاعدة: صفات الله تعالى.
يرد بهذه القاعدة: على المفوّضة والمشبّهة والمعطّلة.
الدليل على علمنا بمعاني الآيات: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد: ٢٤]، ﴿إِنَّا أنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] .
الدليل على الجهل بالكيفية: ﴿هُوَ الَّذِي آنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] .
خلاف السلف في الوقف في آية ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾:
[ ٤٧٠ ]
١ - جمهور السلف: الوقف عنده ﴿إِلا اللَّهُ﴾ .
٢ - جماعة من السلف: الوصل: ﴿إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ونقل عن ابن عباس القولين.
الجمع بين القولين: لا منافاة بينهما، فمن قال: لا يعلم تأويله إلا الله - أراد أنه لا يعلم حقيقة وكيفية صفاته إلا الله، ومن قال إنه يعلم تأويله - أراد علم تفسيره ومعناه.
معاني التأويل:
١ - صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى المرجوح لدليل يقترن به، كقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، فقد ثبت عن ابن عباس وغيره أن النسيان هنا هو: الترك ولقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
٢ - التفسير: ومنه قول ابن جرير: "اختلف علماء التأويل".
٣ - الحقيقة التي يؤول إليها الكلام: ﴿يا أبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، ولذلك رد السلف على الجهمية لأنهم تأولوا النصوص على غير تأويلها الصحيح (تحريف) .
مذهب أهْل التفويض: إن نصوص الصّفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله، أدلتهم:
١ - قوله ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ وأيات الصفات من المتشابه.
الرد: آيات الصفات متشابهة من جهة الكيف، أما من جهة المعنى فهي محكمة.
٢ - قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ .
الرد: وقد سبق جوابه بأنه لا يعلم حقائق وكنه الصفات إلا الله، أما معانيها فقد بيّنها في كتابه.
[ ٤٧١ ]
هل أسماء الله محصورة بعدد:
١ - ليست محصورة:
أـ لقوله ﷺ: "أسألك بكل اسم هو لك أو استأثرت به في علم الغيب عندك".
ب - قوله: "لا أحصي ثناء عليك".
ـ قال ابن حزم: أسماء الله (٩٩) اسمًا فقط لقوله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا".
الجواب: المقصود منه أن من أحصى هذا العدد دخل الجنة، ولا يمنع أن عدد أسماء الله أكثر من ذلك.
* القاعدة السادسة: الضابط الذي يعرف به ما يجوز وما لا يجوز على الله نفيًا وإثباتًا:
الضابط في ذلك عند المتكلمين هو العقل، ولهم طريقتان في التنزيه:
١ - التنزيه بنفي التشبيه.
٢ - التنزيه بنفي التجسيم.
والضابط عند أهل السنة في هذا الباب نوعان:
أـ الضابط السمعي: بأن لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه ووصفه رسوله ﷺ، وننفي ما نفاه الله عن نفسه وما نفاه عنه رسوله ﷺ، أما ما لا دليل على إثباته ونفيه: فنتوقف فيه فلا يثبت ولا ينفى.
ب - الضابط العقلي: وهو مأخوذ من الشرع، بأن كل كمال لا نقص فيه فالله أحق به، وكل نقصٍ فالله منزّهٌ عنه.
طريقة أهل السنة في التنزيه:
١ - نفي ما نفاه الله تصريحًا.
٢ - نفي النقص والعيب عن الله، وضابطه: كل ما يضاد الكمال فهو نقص، وكل ما كان من لوازم النقص.
[ ٤٧٢ ]
٣ - نفي مماثلة الله لمخلوقاته.
شبهة من يزعم أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه:
* أولًا: - يقول المعتزلة: من أثبت لله صفةً قديمة فقد جعل له شريكًا يماثله في القدم، فلا يجوز القول بتعدد الصفات لأنه قول بتعدد القدماء، وهو تشبيه وكفرٌ بإجماعهم.
الرد:
١ - إن وصف الصفات بالقدم لا يلزم منه تعدّد القدماء ولا إثبات شريك لله لأمرين:
أـ أن القدم إنما هو وصف لذات متصفة بصفات، وليس وصفًا للذات المجردة عن الصفات.
ب - أنه إذا قيل: إن الصفات متصفة بالقدم، فلا تكون إلهًا.
٢ - أن الشرع لم ينف هذا التشبيه، وإنما نفى (المثل) كما في قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]، والفرق بينهما:
أـ التمثيل ورد نفيه بالنص دون التشبيه.
ب - التمثيل مشابهةٌ من جميع الوجوه والتشبيه من بعضها.
٣ - إن الصفات قائمة بالذات، فوصفها بالقدم لا يدل على التمثيل، بل قدم الصفات تابعٌ لقدم الذات.
* ثانيًا - شبهة التجسيم والتحييز:
يقول النفاة: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز، فلو أثبتنا الصفات لكان جسمًا، والأجسام متماثلة فقيام الصفات به يستلزم مماثلته للأجسام وهو التشبيه.
الرد:
١ - قوله: "الصفات لا تقوم إلا بجسم" لا نسلم به، فقد يوصف ما ليس بجسمٍ، كما تقول نهارٌ طويل وبردٌ شديد.
[ ٤٧٣ ]
٢ - قولكم "الأجسام متماثلة": نستفصل فيه: ما مرادكم بالجسم، إن أردتم به الذات التي تُرى ويمكن الإشارة إليها، والمتصفة بالسمع والبصر، فهذا صحيح لا ريب فيه، وإن أردتم أنها مركبة من المادة والصورة أو الجواهر المفردة، فهذا باطلٌ.
ثالثًا - الأصل الثاني: الشرع والقدر:
• أولًا - الواجب في القدر اعتقادًا: الإيمان بمراتبه:
١ - علم الله الأزلي الأبدي.
٢ - كتابة الله لمقادير كل شيء: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ آنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: ٧٠] .
٣ - مشيئته العامة: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] .
٤ - الخلق والإيجاد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] .
• ثانيًا - أـ الواجب في الشرع اعتقادًا:
١ - الله أمر بعبادته وحده: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] .
٢ - خلق الجن والإنس ليعبدوه.
٣ - أرسل رسله وأنزل كتبه لتحقيق عبوديته ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
٤ - من يطع الرسول فقد أطاع الله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] .
العبادة: مأخوذة من "عبّد" إذا ذلل، وتطلق على معنيين:
١ - التعبد.
٢ - المتعبد به.
[ ٤٧٤ ]
ـ دين الأنبياء واحد: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، وقوله ﷺ: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد".
ـ الدين الذي اتفقت عليه الرسل هو الإسلام: في العام هو الاستسلام لله وحده، وفي الخاص هو شريعة القرآن.
ـ جميع الرسل دعوا إلى توحيد الألوهية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .
أنواع الشرك في القرآن:
١ - الشرك بالأصنام.
٢ - الملائكة والأنبياء.
٣ - الكواكب.
٤ - الأحبار والرهبان.
ـ أقر عامة المشركين بالربوبية: ﴿وَلَئِنْ سَآلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] .
ب - أقسام التوحيد:
١ - عند المتكلمين:
أـ توحيد الذات: لا قسيم له، الرد: هذا كلامٌ مجمل، فإن أريد به أنه يمتنع أن يتفرق أو يتجزأ أو ركب من أجزاء فصحيح، وإن أريد نفي علوّه ومباينته لخلقه ووجهه، فهذا باطل هذا ما يدرجون فيه.
ب - توحيد الصِّفات: واحد في صفاته لا شبيه له. الرد: لم يعرف من الأمم من أثبت شبيهًا له في جميع الصفات، وكذلك فإنهم أدخلوا تحته نفي الصفات.
ج - توحيد الأفعال: لا شريك له. الرد: لم تعرف طائفة من الطوائف بإثبات خالقين متماثلين. (فالخطأ أنهم جعلوا هذا غاية التوحيد وأهملوا الألوهية) .
[ ٤٧٥ ]
(الإله) عند المتكلمين: هو القادر على الاختراع. وهذا مخالف للغة والشرع.
٢ - عند الصوفية: أـ توحيد العامة. ب - توحيد الخاصة. ج - توحيد خاصة الخاصة (سبق تفصيله) .
موازنة بين آراء بعض الفرق: نضع هذه الفرق في الشكل التالي:
القدر
غلاة (جبرية) نفاة قدرية
خالصة متوسطة غلاة النفاة مقتصدون (المعتزلة)
الجهمية الأشاعرة (إنكار العلم) إنكار المشيئة وخلق الفعل
الإيمان
خوارج حروريّة
مرجئة وعيدية
معتزلة
الجهمية الأشاعرة والماتريدية الكرامية الحنفية
(المعرفة القلبية) (التصديق القلبي) (اللسان فقط) (القلب واللسان)
خلاصة الموازنة: من ينفي القدر ويثبت الشرع خير ممن ينفي الشرع ويثبت القدر.
* أصل الإسلام: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) وتشتمل على أصلين:
١ - توحيد الألوهية: كان شرك العرب فيه، باتخاذهم وسائط يعبدونها
[ ٤٧٦ ]
ويزعمون أنها شفعاؤهم عند الله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] .
٢ - الرسالة: فحق الرسول ﷺ أن: نؤمن به، نطيعه، نتّبعه، نرضيه، ونحبه، ونسلم لحكمه.
• رابعًا - مذاهب الفرق الضالة في القَدر:
١ - المجوسية: أنكروا القدر وأقروا بالشرع (القدرية) .
٢ - المشركية: أقروا بالقدر ولكنهم غلوا فيه فأنكروا الأمر والنهي: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أشْرَكْنَا وَلا أبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] .
٣ - الإبليسية: أقروا بالأمرين ولكنهم طعنوا في حكمة الله وعدله، كإبليس الذي زعم أنه أمر بالسجود لمن هو دونه.
• خامسًا - الكلام في مسائل:
أـ الأسباب:
١ - قوم أنكروا تأثير الأسباب وجعلوها مجرد علامات يحصل الشيء عندها لا بها.
٢ - وقومٌ جعلوها هي المؤثرة بذاتها فوقعوا في الشرك.
٣ - أهل السنة: للأسباب تأثير لا لذاتها بل بما أودعه الله فيها من القوى.
ب - بطلان أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد: الرد:
١ - ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيءٌ لا واحد ولا اثنان إلا الله، بل كل شيء محتاج إلى غيره في التسبب.
٢ - هذا القول من أعظم الجهل وليس عليه دليل عقلي ولا نقلي بل الله خلق المخلوقات كلها: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] .
٣ - يلزم منه نفي إرادة الله بل هو مجبور. تعالى الله.
[ ٤٧٧ ]
ج - التحْسين والتقبيح:
١ - أهل السنة والماتريدية: إن من أفعال العباد ما يُعلم حسنها وقبحها بالعقل ومنها ما يُعلم بالشرع، الدليل على الأول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٩] فيعلم بالفطرة قبح الظلم والخيانة وحسن الصدق والأمانة، أما الثواب والعقاب وتفاصيل الشرائع شرعي لا يعرف بالعقل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥]، ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠] .
٢ - المعتزلة: إن الأفعال لا يعلم حسنها وقبحها إلا من العقل، فخالفوا النصوص: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
٣ - الأشاعرة: التحسين والتقبيح شرعي فقط وليس للأفعال حسن ولا قبح لذاتها، فخالفوا: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
* ما يبنى على هذه المسألة: لما اتفق الأشاعرة والمعتزلة على نفي المحبة والرضا والسخط والفرح.. وغيرها واتفقوا على تنزيه الله عن فعل ما هو قبيح اختلفوا في سبب ذلك:
١ - الأشاعرة: القبيح في حق الله ممتنعٌ لذاته، فكلّ ما كان داخلًا في قدرة الله فهو حسنٌ وله فعله كتعذيب الطائعين وإكرام الكافرين.
٢ - المعتزلة: الله منزّه عن القبيح لمجرّد كونه قبيحًا عقلًا، وكلّ ما قبّحه العقل فالله منزّه عنه مع قدرته عليه، ومن هنا أدخلوا نفي القدر في العدل.
• سادسًا - النظر في القدر دون الشرع: النظر إلى الحقيقة الكونية دون الحقيقة الشرعية (أمره ونهيه) مخالفٌ للحس والعقل:
١ - الحس والذوق: إن التمييز بين ما ينفع الإنسان ويضرّه هو الحقيقة الشرعيّة الدينيّة، ومن ظنّ أنّ البشر ينتهي إلى حد يستوي عنده الأمران دائمًا فقد خالف ضرورة الحس "حتى السكر والإغماء والنوم لا يسقط الإحساس بالكلية".
[ ٤٧٨ ]
٢ - العقل والقياس: إذا عومل أحدهم بموجب مذهبه بأن يُضرب أو يُجاع، فإن لام من فعل به ذلك فقد نقض قوله، وقيل له: هذا فعلٌ مقضيٌّ مقدور، فإن كان القدر حجةً له أيضًا، وإلا فليس بحجةٍ لك ولا له.
• سابعًا - أنواع الفناء:
١ - الفناء عن إرادة السوى: فيفنى عن عبادة غير الله بعبادته وحده، وهو مطلوب شرعًا، ويسمى بـ (الإحسان والتقوى والإيمان) .
٢ - الفناء عن شهود السوى: ينشغل بالله إلى حدٍّ يترك فيه عبادته بزعم أنّه قد سقطت عنه العبادات وهو باطلٌ مردود:
أـ لأنه لم يقع للنبي ﷺ ولا لصحابته.
ب - غياب العقل ووصول صاحبه إلى حالةٍ كالمجانين ليس فيه مدحٌ بل دمٌّ.
ج - هذا الفناء دليل على ضعف قلب صاحبه لأنه لم يستطع الجمع بين الإيمان بالله وعبادته.
د - فيه تعطيل للشرائع وتضييع للفرائض.
٣ - الفناء عن وجود السوى: يرى وجود الخالق هو عين وجود المخلوق، وهذا قول أهل وحدة الوجود والاتحاد كابن عربي وابن سبعين.
• ثامنًا - أـ الواجب في الشرع عملًا:
١ - العبادة: بفعل المأمور وترك المحظور، شروط العبادة:
أـ الإخلاص لله.
ب - موافقة الرسول ﷺ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أيّكُمْ أحسن عَمَلًا﴾ [هود: ٧] . أي: أخلصه وأصوبه.
٢ - الاستغفار: فتختم جميع العبادات به ﴿وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] .
[ ٤٧٩ ]
ب - الواجب في القدر عملًا:
١ـ الاستعانة.
٢ـ الصّبر على المقدور: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠] .
مراعاة الشرع والقدر توجب العبادة والاستعانة (التوكل) وقد جمع الله بينهما ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] .
ج - أقسام الناس في عبادة الله واستعانته:
١ـ من يعبد الله ويستعين به وهم المؤمنون.
٢ـ من يعبده ولا يستعين به.
٣ـ من يستعين به ويتوكل عليه دون عبادته.
٤ـ من لا يفعل شيئًا منها وهو أضل الأقسام.
• تاسعًا - أـ الدّين الحق هو ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وهو طريق الصّحابة ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] .
ب - الإنسان محتاج إلى طلب الهداية على الدّوام: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]
ج - أنواع الهداية:
١ـ الهداية العامة لجميع المخلوقات.
٢ـ هداية البيان والدلالة (جاء بها الرسل) .
٣ـ هداية التوفيق والإلهام.
٤ـ الهداية على الصراط يوم القيامة.
وصلّى اللهمّ على نبيّنا محمَّد وآله وصحبه وسلّم
[ ٤٨٠ ]