حُكم ما يضاف إلى الله تعالى من الأسماء والصفات
قال شيخ الإسلام:
"القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه ﷿ فإنه يجب الإيمان به سواء عرفنا معناه أو لم نعرف؛ لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه.
وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسنة، متفقًا عليه بين سلف الأمة.
وما تنازع فيه المتأخرون نفيًا وإثباتًا فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده فإن أراد حقًا قُبلَ، وإن أراد باطلًا رُدَّ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقًا، ولم يرد جميع معناه، بل يُوقف اللفظ ويفسر المعنى كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك.
فلفظ "الجهة" قد يُراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقًا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السموات، وقد يُراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم.
ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ "الجهة" ولا نفيه، كما فيه إثبات "العلو" و"الاستواء" و"الفوقية" و"العروج إليه" ونحو ذلك.
وقد عُلِم أنه ما ثمّ موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين
[ ٢٢٥ ]
للمخلوق ﷾، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
فيُقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات. أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم، بائنٌ من المخلوقات.
وكذلك يُقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم، أم تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأولَ فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطلٌ.
وكذلك لفظ "المتحيِّز"، إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] .
وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: "يقبض الله الأرض ويطوي السموات
بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض"١.
وفي حديث آخر: "وإنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة"٢.
وفي حديث ابن عباس: "ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يدِ أحدكم"٣.
وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، منفصل عنها، ليس حالًا فيها، فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سمواته على عرشه، بائنٌ من خلقه".
_________________
(١) ١ متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ أخرجه البخاري في صحيحه (٨/٥٥١) برقم (٤٨١٢)، ومسلم في صحيحه (٤/٢١٤٨) برقم (٢٧٨٧) . ٢ أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٤/١٧) سورة الزمر بنحوه، وأورده ابن القيم في الصواعق (١/٤٢ - ٤٣) . ٣ أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٤/١٧) في تفسير سورة الزمر.
[ ٢٢٦ ]
معاني الكلمات:
ما أخبر به الرسول: من الصفات كالنزول والضحك والمجيء وغير ذلك.
هذا الباب: أي باب الأسماء والصفات.
يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسنة: يخرج بذلك الإجماع فلا تثبت صفة إلا بنص.
المتأخرون: هم أهل التعطيل وأهل التمثيل.
عناصر الموضوع:
١ - موضوع القاعدة الثانية:
موضوع القاعدة الثانية هي حكم ما يضاف إلى الله من الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة، وكذا ما أطلقه المتأخرون في الألفاظ وتنازعوا فيها.
٢ - على من يرد شيخ الإسلام بالقاعدة الثانية؟
يرد شيخ الإسلام بالقاعدة الثانية على طائفتين:
١ - الممثلة: حيث أطلقوا على الله ألفاظًا لم ترد في الكتاب والسنة كلفظ الجسم حيث يطلقه الكرامية على الله ﷾.
٢ - المعطلة: حيث أطلقوا على الله ألفاظًا لم ترد في الكتاب والسنة كلفظ الجهة والمتحيز وغير ذلك.
٣ - الصلة بين القاعدتين الأولى والثانية:
الصلة بينهما: أن المؤلف ذكر عن المعطلة أنهم يقتصرون على صفات النفي فلا يصفونه إلا بالصفات السلبية، بدون كمال الضد، لذا توسعوا في إطلاق الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة أو التي هي نفي محض كما سبق بيان طريقتهم.
[ ٢٢٧ ]
٤ـ شرح القاعد الثانية:
تقدم أن القواعد المقررة في أصول أهل السنة والجماعة في الصفات التوقف على ما ورد، فما أخبر الله به في كتابه وأخبر به رسوله وجب علينا الإيمان به، سواء عرفنا معناه أم لم نعرفه، لأن خبر الله تعالى صادر عن علم تام، فهو أعلم بنفسه وبغيره، ولأن خبر الله أصدق الأخبار، ولأن الله تعالى يريد بما أنزل على عباده من الوحي أن يهتدوا ولا يضلوا، وهكذا خبر النبي ﷺ صادر عن علم، فهو ﵇ أعلم الناس بربه وأسمائه وصفاته وأحكامه.
فقد اجتمع في خبر الله وخبر رسوله كمال العلم وكمال الصدق وكمال البيان وكمال القصد والإرادة، وهذه هي مقومات قبول الخبر.
وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها وجب قبوله، وعامة هذا الباب "باب الأسماء والصفات" منصوص عليه بالكتاب والسنة متفق عليه بين سلف الأمة.
٥ - ما تدور عليه هذه القاعدة:
مدار القاعدة على أن ما يذكر من الألفاظ في باب الأسماء والصفات نوعان:
١ - ما ورد في الكتاب والسنة وهذه يؤمن بها، ويعمل بمقتضاها.
٢ - ما لم يرد في الكتاب والسنة وهذه ألفاظ مجملة فيها حق وباطل، والواجب فيها الاستفصال، فيقبل الحق، ويرد الباطل، مع الإنكار على من يستعمل مثل هذه الألفاظ المجملة كما سيأتي قريبًا.
٦ - ليس في كلام الله وكلام رسوله شيء لا يعرف له معنى:
ليس في كلام الله وكلام رسوله شيء لا يعرف له معناه جميع الأمة، بل لا بد أن يكون معروفًا لجميع الأمة أو بعضها لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، ولأنه لو كان فيه ما لا يعلم معناه أحد لكان بعض الشريعة مجهولًا للأمة.
[ ٢٢٨ ]
٧ - حكم ما أخبر الرسول ﵇ عن ربه في باب الصفات:
يجب الإيمان بما أخبر الرسول عن ربه في باب الصفات سواء عرفنا معناه أو لم نعرفه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٧.] وغيرها من الآيات
٨ - حكم الألفاظ التي لم ترد في الشرع وتنازع فيها المتأخرون:
ما تنازع فيه المتأخرون مما ليس في الكتاب ولا في السنة ولا عند سلف الأمة فليس لأحد أن يثبته أو ينفيه، لعدم ورود السمع به، وليس له أن يقبل معناه أو يرده حتى يعلم المراد منه، فإن كان حقًا واجبًا وجب قبوله، وإن كان باطلًا وجب رده. ولذلك أمثلة منها:
أـ الجهة: أي لو قال قائل: إن الله في جهة، أو هل لله جهة؟ فإذا أجريناه على القاعدة قلنا: أما اللفظ فلا نثبته ولا ننفيه لعدم ورود ذلك، وأما المعنى فينظر ماذا يراد بالجهة: أيراد بالجهة شيء مخلوق محيط بالله ﷿؟ فهذا معنى باطل؛ لأن الله لا يحيط به شيء من مخلوقاته، أم يراد بالجهة ما فوق العالم؟ فهذا حق ثابت فإن الله فوق خلقه عالٍ عليهم.
ب - الحيز أو المتحيز: فإذا قال قائل: هل نصف الله بأنه متحيز أو في حيز؟ فإذا أجريناه على القاعدة قلنا: أما اللفظ فلا نثبته ولا ننفيه لعدم ورود ذلك، وأما المعنى فينظر ماذا يراد بالحيز أو المتحيز:
أيراد بالحيز أن الله تعالى منحاز عن المخلوقات؟ أي مباين لها منفصل عنها ليس حالًاّ ولا هي حالة فيه؟ فهذا ثابت؛ لأن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه.
أم يُراد بالحيز أن الله تحوزه المخلوقات وتحيط به؟ فهذا معنى باطل؛ لأن الله أعظم وأكبر من أن تحيط به المخلوقات.
٩ - الأسئلة والأجوبة الواردة على القاعدة الثانية:
س١ - ما الموقف من هذه الألفاظ التي أحدثها المحدثون؟
[ ٢٢٩ ]
ج - معلوم أن ما لم يرد به دليل شرعي فلا يثبت ولا ينفى حتى يعرف المراد، فإن كان المراد حقًا قُبل المعنى مع التوقف في إثبات اللفظ لعدم ورود الدليل فيه، وإن كان المعنى باطلًا رُدَّ كما رد اللفظ.
س٢ - ما الواجب في الألفاظ المضافة إلى الله وورد بها الدليل الشرعي؟
ج - الواجب فيها الإيمان والتصديق سواء عرفنا معنى اللفظ أم لم نعرفه وذلك لأمور منها:
١ - لأن خبر الله تعالى أصدق الأخبار.
٢ - ولأن الله تعالى أخبر بهذه الألفاظ، وأنزل إلى عباده هذا الوحي وقد أراد بذلك الاهتداء لهم حتى لا يضلوا.
٣ - كمال البيان فقد أنزل القرآن بينًا واضحًا.
٤ - كمال القصد والإرادة.
وهكذا خبر الرسول ﷺ صادر عن علم، فهو أعلم الناس بربه فقد اجتمع في خبر الله وخبر رسوله الأمور المذكورة آنفًا.
س٣ - هل في كلام الله وكلام رسوله ﷺ شيء لا يعرف معناه؟
ج - ليس فيهما شيء لا يعرف معناه بل لا بد أن يكون معروفًا لجميع الأمة، أو لبعضها وهم العلماء وقد دلت على ذلك الأدلة الكثيرة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] . ثم لو كان فيهما شيء لا يعرف معناه لكان بعض الشريعة المتعبد بها مجهولة ولما قامت الحجة على الناس بإنزال الشرع.
س٤ - ما الحكم في الألفاظ التي أحدثها المحدثون ولم يرد بها الدليل الشرعي؟
ج - الحكم فيها أنه ليس لأحد أن يثبت لفظًا أو ينفيه وذلك لعدم ورود الدليل به، وليس له أن يقبل معنى اللفظ أو يرده حتى يعلم المراد منه، فإن
[ ٢٣٠ ]
كان المراد منه حقًا قُبل المعنى ويقال له عبّر عن هذا المعنى باللفظ الشرعي الوارد، وإن كان المعنى باطلًا وجب رده.
* مثال ذلك لفظ: "الجهة والحيز والجسم"
ـ فإن أرادوا بالجهة أن الله تعالى تحيط به الجهات فهذا منتف عن الله ﷿، وإن أرادوا أن الله عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه فهذا المعنى صحيح.
ـ والحيز: إن أرادوا به أن الله تحيط به المخلوقات فهذا منتفٍ عن الله ﷿، وإن أرادوا أن الله ﷿ مستوٍ على عرشه فهذا المعنى الصحيح.
ـ والجسم إن أرادوا به الصفات التي وردت في الكتاب والسنة فهذا المعنى الصحيح، وإن أرادوا به البدن الكثيف فهذا منتف عن الله ﷿.
س٥ - مما تنازع فيه المتأخرون لفظة "الجهة" بيّن ذلك، وما المقصود من هذا اللفظ؟ وهل جاء في الشرع إثبات الجهة أو نفيها؟ ناقش من قال بنفيها أو إثباتها مبينًا الصحيح مما تقول مع التعليل؟
ج - لفظ الجهة قد يراد به شيئان: موجود غير الله فيكون مخلوقًا كما إذا أريد بالجهة العرش أو السموات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى كما أريد بالجهة ما فوق العالم، فالأول وجودي والثاني عدمي.
* ولفظ الجهة لم يرد في الكتاب ولا في السنة نفيًا ولا إثباتًا.
* المناقشة: يقال لمن نفي الجهة إن أردت بالجهة أنها شيء موجود مخلوق كالسموات فنفيك صحيح، لأن الله ليس داخلًا بالمخلوقات، وإن أردت بالجهة ما وراء العالم فنفيك باطل لأن الله فوق العالم مباين للمخلوقات، فكأنك قلت: إن الباري ليس بموجود وهذا باطل؛ لأنه لا موجود فوق العرش إلا الله تعالى.
* وأما المثبت: فيقال له إن أردت بذلك أن الله فوق العالم عال على عرشه فهذا صحيح لأنك مثبت لوجود الله ومؤمن به. وإن أردت أن الله داخل
[ ٢٣١ ]
المخلوقات فهذا باطل لأنه ليس داخلًا في شيء من مخلوقاته.
س٦ - هل هناك صفات وأسماء لله ﷿ غير مذكورة في الكتاب والسنة؟
ج - نعم هناك صفات وأسماء لله ﷾ استأثر بها في علم الغيب عنده.. كما دلت على ذلك النصوص في الكتاب والسنة ومنها حديث: "اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" رواه أحمد وهو حديث صحيح.
[ ٢٣٢ ]