فالإجمال في النفي أدلُّ على التنزيه فإنه كلّما كثرت صفات الكمال الثبوتية، مع
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١١٢) بتصرف.
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١١٢).
[ ١ / ١٩٦ ]
تنوّع دلالاتها، كلّما ظهر من كمال الموصوف بها -وهو الله -﷿- ما هو أكثر وأعظم، وكلّما أُجمل في النفي، كان أدلّ على التنزيه من كل وجه، وأبلغ في تعظيم الموصوف، فإن تفصيلها لغير سبب يقتضيه فيه سخرية وتنقُّص للموصوف (^١).
«فإنَّ السلب لا يُراد لذاته، وإنما يقصد لما يتضمنه من إثبات الكمال، فكل ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص-فإنه متضمن للمدح، والثناء على الله بضد ذلك النقص من الأوصاف الحميدة والأفعال الرشيدة» (^٢).
ومقصود أهل السنة والجماعة بأن النفي يكون مجملًا: أن ينفى عن الله -﷿- كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص (^٣)، وذلك بتسليط النفي على ما يُضاد الكمال من النقائص والعيوب في سياق عام مستغرق لأفراده بلا تعيين (^٤).
ومرادهم من أن النفي يأتي مجملًا، والإثبات مفصلًا، إنما ذلك لو فيما قارنا جانب النفي مع جانب الإثبات، ولا يقال أبدًا أن ما ذُكر من أمثلة قد تظهر أنها كثيرة، معارض لهذه القاعدة؛ فإن جانب الإثبات لا يمكن أن يحاط به بحال، وله -﷾- من الكمالات التي يحمد عليها ما لم يطلِّع عليه أحد، وما لا يُطلَّع عليه إلا يوم القيامة، كما دل على ذلك الحديث المشهور بسيد الاستغفار، وفيه عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا أَصَابَ عَبْدًا قَطٌ هَمٌّ وَلَا غَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمِ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ
_________________
(١) انظر: تقريب التدمرية ص (١٨ - ١٩).
(٢) «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٥٥).
(٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٢٩).
(٤) انظر: القواعد الكلية ص (١٥٣).
[ ١ / ١٩٧ ]
فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ …» الحديث (^١).
والشاهد من الحديث قوله: «أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ …»، دليل على أن أسماء الله -﷿- منها ما هو غير معلوم للبشر، وأسماؤه -﷾- مشتقة
من صفاته، فدلَّ على أنَّ له صفات أخرى لم يطلع عليها أحد.
وقوله ﷺ في سجوده: «اللَّهُمَ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (^٢).
ووجه الشاهد قوله: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»، فإنه لو أحصى ثناءً عليه، لأحصى أسماءه، وبالتالي يحصي صفاته؛ لأنها مشتقة منها.
ومما يدلّ على كثرة الإثبات أيضًا أن ما من نفي ورد في النصوص إلا وهو متضمن لإثبات كمال ضد ذلك الأمر المنفي.
وهذا كله يدلُّ على أن صفاته الثبوتية أكثر مما نعلم ولا يطيق أحدٌ حصرها
ولا عدَّها، وفي ذلك دليل على قلة ما ورد من النفي بجانب الإثبات (^٣).
طريقة القرآن والسنة الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات
فهذا هو المنهج الذي جاءت به الرسل، ودلَّ عليه القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وسار عليه السلف الصالح -رضوان الله عليهم- أهل السنة والجماعة، حيث آمنوا بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، بأنه الله الواحد الأحد،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٦/ ٢٤٦) برقم (٣٧١٢) (ط/ الرسالة)، وابن حبان، انظر: موارد الظمآن رقم (٢٣٧٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٠٩)، والطبراني في الكبير رقم (١٠٣٥٢)، وصححه الألباني -﵀كما في السلسلة الصحيحة (١/ ٣٣٦) رقم (١٩٩).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٤٢٦ مع النووي)، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم (١٠٩٠).
(٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٣٠).
[ ١ / ١٩٨ ]
خالق السموات والأرَضين، المستوي على عرشه الكريم، بكل شيءٍ عليم، وعلى كل شيءٍ قدير، عزيز حكيم، غفور رحيم، سميع بصير، يحب تعالى عباده المؤمنين ويرضى عنهم، ويكره الكفر والكافرين ويسخط عليهم، كلَّم موسى تكليمًا، وخلق آدم بيده، ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة يستجيب لعباده ويغفر لهم، صفات الكمال كلها له، ولا تنبغي على الوجه اللائق به لأحد سواه، من تدبر الكتاب والسنة، وجدهما يدلان على ذلك غاية الدلالة.
وأما النفي والتنزيه؛ فإنه جاء على طريق الإجمال، فقال عزَّ من قائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]، وقال ﵎: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾] النحل الآية: ٧٤]، ونحوها من الآيات الدالة على نفي ما لا يليق بالله -﷿- على وجه الإجمال، فنفى المماثلة مطلقًا، والمشابهة مطلقًا، والمساماة مطلقًا، ولم ينف المماثلة في شيء معيَّن، كأن يقول: لا سمي له في علمه، أو في قدرته، أو في استوائه، أو لا مثل له في رضاه، ومحبته، ونحو ذلك.
أما التفصيل في النفي، فهو: أن ينزه الله عن كل واحد من هذه العيوب والنقائص بخصوصه (^١).
وهو قليل، بالنسبة للإثبات، ولا يأتي إلا لسبب معيَّن، وهو إنما يراد به إثبات كمال ضدّ ما نُفِيَ عن الله -﷿-؛ لأن النفي المحض ليس فيه مدح، ولا يدل على كمال المنفي عنه ذلك الأمر، إلا إذا تضمن إثبات ضده.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -﵀- في بيان هذه القاعدة وتوضيحها: «واعلم أن الصفات الثبوتية التي وصف الله بها نفسه كلها صفات كمال، والغالب فيها
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٢٩).
[ ١ / ١٩٩ ]