والمعطلة ناقضوهم؛ فجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل.
وقد جاء التنصيص على هذه القاعدة في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وتلميذه ابن القيم -﵀-، ومن بعدهما.
قال شيخ الإسلام -﵀-: «من أبلغ العلوم الضرورية: أنّ الطريقة التي بعث الله بها أنبياءه ورسله، وأنزل بها كتبه، مشتملة على الإثبات المفصّل، والنفي المجمل» (^٢).
وقال في موضع آخر: «فالله سبحانه بعث الرسل بما يقتضي الكمال من إثبات أسمائه وصفاته على وجه التفصيل، والنفي على طريق الإجمال للنقص والتمثيل، فالرب تعالى موصوف بصفات الكمال التي لا غاية فوقها، منزه عن النقص بكل وجه ممتنع، وأن يكون له مثيل في شيء من صفات الكمال، فأما صفات النقص فهو منزه عنها مطلقًا، وأما صفات الكمال فلا يماثله، بل ولا يقاربه فيها شيء من
_________________
(١) «الصفات الإلهية» (ص ٢٠٢).
(٢) الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٣٧)، وانظر: منهاج السنة النبوية (٢/ ١٥٦ - ١٥٧، ١٨٥، ٥٦٢)، مجموع الفتاوى (٢/ ٤٧٨ - ٤٧٩، ٦/ ٣٧، ٦٦، ٥١٥، ١١/ ٤٨٠، ٢٠/ ١١١، ١٢٦)، درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٦٣، ٦/ ٣٤٨)، الصفدية (١/ ١١٦)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٦٣)، النبوات (٢/ ٦٤٣)، التسعينية (١/ ١٧١)، الجواب الصحيح (٤/ ٤٠٦)، التدمرية ص (٨)، الكيلانية، ضمن مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٣٢)، الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٠٩)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٦٩)، توضيح المقاصد (١/ ١٤٨، ٢/ ٤٣٦)، شرح القصيدة النونية (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، الرد على القائلين بوحدة الوجود ص (٤٢)، التحفة المهدية ص (٣٦)، شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (١/ ١٤٥ - ١٤٦).
[ ١ / ٢٠٣ ]
الأشياء» (^١).
فإنَّ الرسل أخبرت كما أخبر الله في كتابه الذي بعث به رسوله: أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه حكيم عزيز، غفور ودود، وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه كلم موسى تكليمًا، وتجلى للجبل فجعله دكًّا، وأنه أنزل على عبده الكتاب. إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته.
وقال في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥].
وهؤلاء الملاحدة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فقالوا في النفي: ليس بكذا ولا كذا، فلا يَقرب من شيء ولا يَقرب منه شيء، ولا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا غير ذلك، ولا يُشار إليه ولا يتعين، ولا هو مُباين للعالم ولا حالٌّ فيه، ولا داخله ولا خارجه.
إلى أمثال العبارات السلبية التي لا تَنطبق إلا على المعدوم.
ثم قالوا في الإثبات: هو وجود مُطلق، أو وجود مقيد بالأمور السلبية (^٢).
وبذلك عكسوا منهج القرآن والسنة؛ فأكثروا مِنْ وصف الله تعالى بالأمور السلبية التي لم يَرد بها النص، وأفرطوا في ذلك إفراطًا عجيبًا، بينما أنكر بعضهم جميع الصفات الثبوتية، والبعض الآخر لم يُثبت سوى القليل منها.
فأهل السنة والجماعة حينما استنبطوا هذه القاعدة وطبقوها، خالفوا بذلك منهج المعطِّلة في الصفات، حيث جاءوا بعكس طريقة الأنبياء، فنجدهم يجملون في
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٢/ ١٥٦ - ١٥٧).
(٢) «الصفدية» (١/ ١١٦).
[ ١ / ٢٠٤ ]
الإثبات ويفصِّلون في النفي، زعمًا منهم أن ذلك أعظم وأبلغ في التنزيه، وأحوط في تفادي تشبيه الله -﷿- بخلقه، وبتطبيقهم لطريقتهم هذه، حصل عكس مرادهم، فوقعوا في شر من الذي فروا منه، فأساءوا الأدب مع مليكهم، وجردوه من كماله الذي وصف به نفسه، فشبهوه بالناقصات من مخلوقاته، بل نفيهم لصفاته أوقعهم في تشبيهه بالمعدومات والممتنعات، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
فالمعطِّلة النفاة إذا تكلموا في النفي، وصفوه -﷾- بالسُّلوب على وجه التفصيل؛ فيقولون مثلًا: ليس بكذا، ولا بكذا … يقولون: ليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة، ولا لحم، ولا دم، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض، ولا بذي لون، ولا طعم، ولا رائحة، ولا طول، ولا عرض، ولا عمق، ولا اجتماع، ولا افتراق، ولا يتبعض، ولا يتجزأ، ولا يقرُب من شيء، ولا يقرُب منه شيء، ولا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ونحو ذلك، ولا يُشار إليه، ولا هو مباين للعالم، ولا داخله، ولا خارجه … إلى أمثال هذه العبارات السلبية التي لا تنطبق إلا على المعدوم بل الممتنع.
وإذا أرادوا الإثبات: أثبتوا شيئًا مجملًا يجمعون فيه بين النقيضين، ويُقدرون وجودًا مطلقًا لا حقيقة له إلا في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان، فبعضهم يصفونه بالسُّلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وبعضهم يثبت له الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات، وبعضهم يثبت له الأسماء وعددًا محدودًا من الصفات (^١).
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين ص (١٥٥ - ١٥٦)، منهاج السنة النبوية (٢/ ١٨٧، ٥٦٢)، الصفدية (١/ ١١٦)، مجموع الفتاوى (٦/ ٦٦، ٥١٦، ١١/ ٤٨٣ - ٤٨٤، ٢٠/ ١١١ - ١١٢، ١٢٦)، درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٦٣)، النبوات (٢/ ٦٤٣)، الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٦٣)، التدمرية ص (١٢ - ١٩)، التسعينية (١/ ١٧٢ - ١٧٤)، الكيلانية، ضمن مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٣٢)، الحجج العقلية والنقلية فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية والصوفية، ضمن مجموع الفتاوى (٢/ ١٩٨)، الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٠٩)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٦٩ - ٧٠)، توضيح المقاصد (١/ ١٤٨، ٢/ ٤٣٦)، شرح القصيدة النونية (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨).
[ ١ / ٢٠٥ ]
وحقيقة حالهم كما ذكر شيخ الإسلام -﵀-: «وهؤلاء جميعًا (^١)، يفرون من شيء، فيقعون في نظيره وفي شر منه، مع ما يلزمهم من التحريفات والتعطيلات، ولو أمعنوا النظر لسوَّوا بين المتماثلات، وفرَّقوا بين المختلفات، كما تقتضيه المعقولات، ولكانوا من الذين أوتوا العلم الذين يرون أن ما أُنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدي إلى صراط العزيز الحميد (^٢)، ولكنهم من أهل المجهولات المُشَبَّهَة بالمعقولات، يسفسطون في العقليات، ويقرمطون في السمعيات» (^٣).