التشبيه نوعان:
النوع الأول: تشبيه المخلوق بالخالق: ومعناه إثبات شيء للمخلوق مما يختص
الخالق من الأفعال والحقوق والصفات.
_________________
(١) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٣
(٢) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٤
[ ١ / ١٣١ ]
النوع الثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق: ومعناه أن يثبت الله -تعالى-في ذاته أو صفاته من الخصائص مثل ما يثبت للمخلوق من ذلك (^١).
وقد وقع كلا النوعين في هذه الأمة على درجات متفاوتة بين الكفر والبدعة. ونسوق ها هنا تصنيف عبد القاهر البغدادي -﵀لفرق المشبهة مختصرًا: (المشبهة الذين ضلوا بتشبيه ذاته بغيره أصناف مختلفة، وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة:
• فمنهم «السبئية»: الذين سموا عليا إلها، وشبهوه بذات الله …
• ومنهم «البيانية»: أتباع بيان بن سمعان (^٢) الذي زعم أن معبوده إنسان من نور على صورة الإنسان في أعضائه، وأنه يفني كله إلأ وجهه.
• ومنهم «المغيرية» أتباع المغيرة بن سعيد العجلي، الذي زعم أن معبوده ذو أعضاء وأن أعضاءه على صور حروف الهجاء.
• ومنهم «المنصورية»، أتباع أبي منصور العجلي (^٣)، الذي شبه نفسه بربه وزعم أنه صعد إلى السماء …
• ومنهم «الخطابية»، الذين قالوا بإلهية الأئمة، وبإلهية أبي الخطاب
_________________
(١) ن فتح رب البرية بتلخيص الحموية ١٥.
(٢) بيان بن سمعان التيمي النهدي اليمني، ظهر بالعراق في أوائل القرن الثاني الهجري، زعم أن جزءًا إلهيًا حل في علي ثم في محمد بن الحنفية ثم في ابنه أبي هاشم ثم في بيان نفسه، فلما ظفر به خالد بن عبد الله القسري قتله. الفرق بين الفرق ٢٣٧، الملل والنحل ١/ ١٥٢، مقالات الإسلاميين ٥.
(٣) أبو منصور العجلي، رجل من عبد القيس، عزا نفسه إلى أبي جعفر الباقر أولا، فلما تبرأ منه زعم أنه هو الإمام ودعا الناس إلى نفسه. وزعم أن عليا هو الكسف الساقط، وأنه عرج به إلى السماء، حتى وقف على قصته يوسف بن عمر الثقفي فصلبه. الملل والنحل ١/ ١٧٨، مقالات الإسلاميين ٩، الفرق بين الفرق ٢٤٣.
[ ١ / ١٣٢ ]
الأسدي (^١)، ومنهم الذين قالوا بإلهية عبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر (^٢).
• ومنهم «الحلولية»، الذين قالوا بحلول الله في أشخاص الأثمة، وعبدوا الأئمة لأجل ذلك.
• ومنهم «الحلولية الحلمانية»، المنسوبة إلى أبي حلمان الدمشقي (^٣) الذي زعم أن الإله بحل في كل صورة حسنة، وكان يسجد لكل صورة حسنة.
• ومنهم «المقنعية المبيضة» في دعواهم أن المقنع (^٤) كان إلها، وأنه مصور في كل زمان بصورة مخصوصة.
• ومنهم «العذافرة»، الذين قالوا بإلهية ابن أبي العذافر المقتول ببغداد.
وهذه الأصناف خارجون عن دين الإسلام وإن انتسبوا في الظاهر إليه …
وبعد هذا فرق من المشبهة عدهم المتكلمون في فرق الملة لإقرارهم بلزوم أحكام القرآن، وإقرارهم بوجوب أركان شريعة الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام والحج عليهم، وإقرارهم بتحريم المحرمات عليهم، وإن ضلوا وكفروا في بعض
_________________
(١) محمد بن أبي زينب الأسدي، كان يزعم أولا أن الأئمة أنبياء، ثم زعم أنهم آلهة، ثم ادعى الألوهية لنفسه، وخرج في أيام المنصور فقتله عيسي بن موسي والي الكوفة سنة ١٤٣ هـ. الملل والنحل ١/ ١٧٩، الفرق بين الفرق ٢٤٧، مقالات الإسلاميين ١٠.
(٢) عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب. كان فتاكا سيء الحاشية واتهم بالزندقة، طلب الخلافة في أواخر دولة بني أمية سنة ١٢٧ هـ بالكوفة. مات سنة ١٣١ هـ. الأعلام ٤/ ١٣٩، تاريخ ابن خلدون ٣/ ١٢١، لسان الميزان ٣/ ٢٦٣.
(٣) أبو حلمان الدمشقي، كان أصله من فارس، ومنشؤه حلب، وأظهر بدعته بدمشق، وكان يقول بحلول الإله في الأشخاص ذوي الصور الحسنة، وكان يقول بالإباحية. الفرق بين الفرق ٢٥٩.
(٤) اسمه عطاء ويعرف بالمقنع الخراساني مشعوذ مشهور، ادعى الربوبية من طريق التناسخ، وتبعه قوم وقاتلوا في سبيله وكان مشوه الخلقة فاتخذ وجهًا من ذهب تقنع به، واشتهر أمره سنة ١٦١ هـ فثار الناس عليه فاعتصم بقلعة فاحتسي سما فمات بها سنة ١٦٣ هـ. الأعلام ٤/ ٢٣٥، الكامل ٦/ ١٧، وفيات الأعيان ١/ ٣١٩.
[ ١ / ١٣٣ ]
الأصول العقلية، ومن هذا الصنف:
• «الهشامية» منتسبة إلى هشام بن الحكم الرافضي الذي شبه معبوده بالإنسان، وزعم لأجل ذلك أنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه جسم ذو حد ونهاية، وأنه طويل عريض، عميق، وذو لون وطعم ورائحة.
وقد روي عنه أن معبوده كسبيكة الفضة، وكاللؤلؤة المستديرة، وروي عنه أنه أشار إلى أن جبل أبي قبيس أعظم منه. وروي عنه أنه زعم أن الشعاع من معبوده متصل بما يراه …
• ومنهم «الهشاميةة، المنسوبة إلى هشام بن سالم الجواليقي (^١) الذي زعم أن معبوده على صورة الإنسان، وأن نصفه الأعلى مجوف، ونصفه الأسفل مصمت، وأن له شعرة سوداء وقلبًا تنبع منه الحكمة.
• ومنهم «اليونسية» المنسوبة إلى يونس بن عبد الرحمن القمي (^٢) الذي زعم أن الله-تعالى-بحمله حملة عرشه، وإن كان هو أقوى منهم كما أن الكركي تحمله رجلاه وهو أقوى من رجليه.
• ومنهم «المشبهة»، المنسوبة إلى داود الجواربي (^٣)، الذي وصف معبوده بأن
_________________
(١) هشام بن سالم الجواليقي، نسج على منوال هشام بن الحكم في التشبيه، وزعم أن الله نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس … إلخ تخريفاته وضلالاته. الملل والنحل ١/ ١٨٤، مقالات الإسلاميين ٢٠٩.
(٢) يونس بن عبد الرحمن مولي علي بن يقطين، فقيه إمامي عراقي، من أصحاب موسي بن جعفر، له نحو ثلاثين كتابًا، توفي سنة ٢٠٨ هـ، الأعلام ٨/ ٢٦١، ابن النديم ٢٢٠.
(٣) داود الجواربي مشبه أخذ مفالته عن هشام بن سالم الجواليقي، وزعم أن الله جسم وأنه جثة على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم … إلخ. وقال ابن حجر: رأس في الرافضة والتجسيم من مرامي جهنم، وقال يزيد بن هارون: الجواربي والمريسي كافران. انظر مقالته في: الملل والنحل ١/ ١٨٧، مقالات الإسلاميين ٢٠٩، لسان الميزان ٢/ ٤٢٧.
[ ١ / ١٣٤ ]
له جميع أعضاء الإنسان إلأ الفرج واللحية.
• ومنهم «الإبراهيمية» المنسوبة إلى إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي (^١).
• ومنهم «الخابطية»، من القدرية وهم منسوبون إلى أحمد ابن خابط (^٢) … شبه عيسى ابن مريم بربه، وزعم أنه الإله الثاني، وأنه هو الذي يحاسب الخلق في القيامة.
• ومنهم «الكرامية»، في دعواها أن الله-تعالى-جسم له حد ونهاية وأنه محل الحوادث، وأنه مماس لعرشه … فهؤلاء مشبهة له-تعالى-بخلقه في ذاته.
فأما المشبهة لصفاته بصفات المخلوقين فأصناف:
• فمنهم الذين شبهوا إرادة الله -تعالى-بإرادة خلقه، وهذا قول المعتزلة البصرية … ومنهم الذين شبهوا كلام الله -﷿بكلام خلقه …
• ومنهم «الزرارية، أتباع زرارة بن أعين الرافضي (^٣) في دعواها حدوث جميع صفات الله -﷿وأنها من جنس صفاتنا …
• ومنهم الذين قالوا من الروافض بأن الله -تعالى-لا يعلم الشيء حتى يكون،
_________________
(١) إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، مولاهم، قال فيه الإمام أحمد: كان قدريًا جهميًا معتزليًا كل بلاء فيه، وقال البخاري: جهمي تركهـ ابن المبارك والناس، وقال العجلي: كان قدريا معتزليا رافضيًا، توفي سنة ١٨٤ هـ. تهذيب التهذيب ١/ ١٥٨.
(٢) أحمد بن خابط: معتزلي منتسب إلى النظام، له مقالات شنيعة وغيره، منها قوله: إن للعالم خالقين الله هو القديم، والثاني محدث وهو الكلمة، ومن ضلالاته قوله بالتناسخ، وينفي قدرة الله على زيادة نعيم أهل الجنة أو عذاب أهل النار. الفرق بين الفرق ٢٧٣، لسان الميزان ١/ ١٤٨.
(٣) زرارة بن أعين الشيباني بالولاء، رأس الفرقة الزرارية، من غلاة الشيعة، ونسبتها إليه، كان متكلمًا شاعرًا، وهو من أهل الكوفة، وكانت وفاته سنة ١٥٠ هـ. الأعلام ٣/ ٤٣، لسان الميزان ٢/ ٤٧٣، اللباب ١/ ٤٩٨، خطط المقريزي ٢/ ٣٥٣.
[ ١ / ١٣٥ ]
فأوجبوا حدوث علمه كما يجب حدوث علم العالم منا (^١)
ويلاحظ من هذا السياق لفرق المشبهة الملاحظات الآتية:
ا-أن التشبيه نشأ في أحضان الرافضة وترعرع فيها.
٢ - تفاوت هذه الفرق على النحو التالي:
(١) الغلاة: وهم الذين مثلوا ذات الخالق بذات مخلوق معين، أو زعموا أن الله حاك فيه -سبحانه-وهؤلاء خارجون عن الملة إجماعًا، وغالبا ما يجمعون إلى هذا الكفر كفرًا آخر من الزندقة الباطنية كالفرق العشر الأولى.
(ب) المكيفة: وهم الذين يكيفون صورة معبودهم بأوصاف وكيفيات معهودة في الذهن والخارج لكن غير مقيدة بمماثل معين، كالهشاميين.
(ج) ممثلة الأفعال: الذين يمثلون الخالق بالمخلوق، والمخلوق بالخالق في الأفعال كالمعتزلة.