قرر المصنف عقيدة السلف وطريقتهم في باب (التوحيد والصفات) وهو التوحيد العلمي الخبري، فبين أنهم يثبتون لله تعالى كل ما أخبر به عن نفسه ﷾، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه ﷾.
وقد نقل عن غير واحد من أهل السنة هذا المعتقد ومن ذلك:
قول الإمام أبو حنيفة: " لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء، بل يصفه بما وصف به نفسه" (^٣)
قول عبد الرحمن بن قاسم العُتَقي من كبار فقهاء المالكية، صحب مالكًا -﵀-: «لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن» (^٤).
_________________
(١) منهاج السنة ٢/ ٢٢١، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود
(٢) قال شيخ الإسلام: "ولا ريب أنهم (أي الروافض) أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة، ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضد السني إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سني، فإنما معناه: لست رافضيا .. " مجموع الفتاوى ٣/ ٣٥٦
(٣) ذكره في جلاء العينين (٣٦٨)، وقال نقله القاضي أبو العلاء في كتاب الاعتقاد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وانظر شرح الطحاوية (ص ٤٢٧).
(٤) انظر: رياض الجنة بتخريج أصول السنة ص (٧٥) برقم (٢٥)، والصفات أيضًا تؤخذ من السنة الصحيحة، ولعل قول عبد الرحمن بن القاسم جاء على الغالب، والله أعلم.
[ ١ / ٩٠ ]
وقال الإمام الشافعي -﵀-: «حرامٌ على العقول أن تُمثِّل الله تعالى، وعلى الأوهام أن تحدَّه، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى النفوس أن تفكِّر، وعلى الضمائر أن تعمَّق، وعلى الخواطر أن تحيط، وعلى العقول أن تعقل إلا ما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ» (^١).
وقال سحنون -﵀-: «من العلم بالله السكوت عن غير ما وصف به نفسه» (^٢).
وقال الإمام أحمد -﵀-: «ولا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله بلا حد ولا غاية، … ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شُنِّعت» (^٣).
وقال العلامة البربهاري ﵀: «واعلم- رحمك الله- أن الكلام في الرب محدث، وهو بدعة وضلالة، ولا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه في القرآن، وما بين رسول الله ﷺ لأصحابه، وهو- جل ثناؤه- واحد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، ربنا أول بلا متى، وآخر بلا منتهى، يعلم السر وأخفى، وهو على عرشه استوى، وعلمه بكل مكان، ولا يخلو من علمه مكان، ولا يقول في صفات الرب: كيف؟ ولم؟ إلا شاكٌّ في الله" (^٤).
وقال الإمام الخطابي﵀-: «إن صفات الله تعالى لا تؤخذ إلا من كتاب أو من قول رسول الله ﷺ دون قول أحد من الناس كائنًا من كان علت درجته أو نزلت
_________________
(١) انظر: ذم التأويل لابن قدامة ص (٢٣٤ - ٢٣٥) برقم (٣٤).
(٢) انظر: التمهيد (٧/ ١٤٦)، ذم التأويل لابن قدامة ص (٢٣٦) برقم (٣٨).
(٣) انظر: ذم التأويل لابن قدامة ص (٢٣٤) برقم (٣٣). وانظر: المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد (ص: ١١٦).
(٤) انظر: شرح السنة للبربهاري (ص: ٤٠).
[ ١ / ٩١ ]
تقدم زمانه أو تأخر لأنها لا تدرك من طريق القياس والاجتهاد فيكون فيها لقائل مقال ولناظر مجال» (^١).
وقال أيضًا: «ومن علم هذا الباب -أعني الأسماء والصفات-ومما يدخل في أحكامه، ويتعلق به من شرائط، أنه لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يستعمل فيها القياس، فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارض الكلام» (^٢).
وقال الإمام السجزي﵀-: «وقد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفًا، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف … ولا يجوز أن يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ» (^٣).
وقال الإمام ابن عبد البر -﵀-: «… ما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله تعالى إلا ما وصف نفسه به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ» (^٤).
وقال الإمام ابن قدامة المقدسي﵀-: «فإن صفات الله تعالى لا تُثبت ولا تُنفى إلا بالتوقيف» (^٥).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وباب الأسماء والصفات يُتَّبَع فيها الألفاظ الشرعية، فلا نطلق إلا ما يرد به الأثر» (^٦).
وقال أيضًا: «ومن الوجوه الصحيحة أن معرفة الله بأسمائه وصفاته على وجه
_________________
(١) نقلًا عن بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٤٢).
(٢) شأن الدعاء ص (١١١).
(٣) الردّ على من أنكر الحرف والصوت ص (١٢١).
(٤) التمهيد (٧/ ١٤٥).
(٥) ذم التأويل لابن قدامة ص (١٢١).
(٦) قاعدة في المحبة، ضمن جامع الرسائل (٢/ ٢٣٩).
[ ١ / ٩٢ ]
التفصيل لا تعلم إلا من جهة الرسول ﵊، إما بخبره وإما بخبره وتنبيهه ودلالته على الأدلة العقلية، ولهذا يقولون لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ قال الله تعالى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١) (^٢).
وقال -﵀-: «ومعلوم أن الوصف بالنفي كالوصف بالإثبات» (^٣). أي يحتاج فيهما إلى دليل من الكتاب والسنة.
وقال أيضًا: «فالأصل في هذا الباب (^٤)، أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله: نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه» (^٥).
قال ابن عقيل﵀- في الكفاية (^٦): «فصل عجيب يخفى على كثير من الأصوليين: وذلك أنه لا يجوز الإغراق في الإثبات مجاوزة لما أثبته الشرع ودلَّ عليه، كذلك لا يجوز الإغراق في النفي ولا الإقدام على نفي شيء عن الله إلا بدليل؛ لأن النفي أيضا لا يؤمن معه إزالة ما وجب له سبحانه، فالنفي يحتاج إلى دليل كما أن الإثبات يحتاج إلى دليل، كما أن إثبات ما لا يجب له كفر، فنفي ما جُوِّزَ عليه خطأ وفسق، ومثال ذلك: أن يغرق هؤلاء الخطباء والقصاص في نفي النقائص، ثم يدرجون فيها ما وردت به السنن ويقولون ليس بفوق ولا تحت ولا يدرك ولا يعلم
_________________
(١) الآية [١٨٠ - ١٨٢] من سورة الصافات.
(٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٢٤٨).
(٣) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٤٤).
(٤) وهو باب توحيد الأسماء والصفات.
(٥) التدمرية ص (٦ - ٧).
(٦) "كفاية المفتي" في عشر مجلدات، ويسمى أيضًا: "الفصول"، معظمه مفقود، وتوجد منه قطعتان مخطوطتان، إحداهما: بدار الكتب المصرية، والأخرى بالمكتبة الظاهرية بدمشق، انظر: مقدمة تحقيق كتاب "الواضح في أصول الفقه" (١/ ١٩).
[ ١ / ٩٣ ]
ولا يعرف ولا ولا، فربما ساقوا في نفيهم نفي صفة وردت بها السنن» (^١).
وعلق عليه شيخ الإسلام -﵀-: «وهذا هو الصواب عند السلف والأئمة وجماهير المسلمين أنه لا يجوز النفي إلا بدليل كالإثبات، فكيف ينفى بلا دليل ما دل عليه دليل إما قطعي وإما ظاهري، بل كيف يقال: ما لم يقم دليل قطعي على ثبوته من الصفات يجب نفيه أو يجب القطع بنفيه، ثم يقال في القطعي إنه ليس بقطعي، فهذه المقدمات الفاسدة هي وسائل الجهل والتعطيل وتكذيب المرسلين» (^٢).
وقال شيخ الإسلام أيضًا: «فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته» (^٣).
وقال أيضًا: «بل النافي عليه الدليل على نفي ما نفاه، كما على المثبت الدليل على ثبوت ما أثبته، ومن ليس عنده دليل على النفي والإثبات، فعليه أن لا ينفى ولا يثبت فغاية ما عنده التوقف في نفي ذلك وإثباته» (^٤).
وقال أيضًا: «وأصل دين المسلمين أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه في كتبه وبما وصفته به رسله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، ويتبعون في ذلك أقوال رسله، ويجتنبون ما خالف أقوال الرسل، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي: عما يصفه الكفار المخالفون للرسل، ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾، لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥)،
_________________
(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٩).
(٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٩).
(٣) التدمرية ص (١٤٦).
(٤) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٤٤).
(٥) الآية [١٨٠ - ١٨٢] من سورة الصافات.
[ ١ / ٩٤ ]
فالرسل وصفوا الله بصفات الكمال ونزهوه عن النقائص المناقضة للكمال، ونزهوه عن أن يكون له مثل في شيء من صفات الكمال، وأثبتوا له صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه التمثيل، فأتوا بإثبات مفصَّل ونفي مجمل، فمن نفى عنه ما أثبته لنفسه من الصفات كان معطلًا، ومن جعلها مثل صفات المخلوقين كان ممثلًا، والمعطِّل يعبد عدمًا والممثل يعبد صنمًا، وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وهو ردٌّ على الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وهو ردٌّ على المعطِّلة» (^١).
وقال أيضًا: «فالواجب أن ينظر في هذا الباب فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبتته النصوص من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته النصوص من الألفاظ والمعاني» (^٢).
وقال الإمام ابن القيم -﵀-: «إن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي» (^٣).
وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي﵀-: «فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني باب الصفات، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يُعتصم بها في الإثبات والنفي، فنُثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني» (^٤).
وقال ابن الوزير اليمني﵀-: «وأيضا فأسماء الله وصفاته توقيفية شرعية وهو
_________________
(١) الجواب الصحيح (٤/ ٤٠٥).
(٢) منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٥٤).
(٣) بدائع الفوائد (١/ ١٤٧).
(٤) شرح العقيدة الطحاوية (٢٦١).
[ ١ / ٩٥ ]
أعز من أن يطلق عليه عبيده الجهلة ما رأوا من ذلك» (^١).
وقال الملا علي القاري﵀-: «حيث إن أوصاف الله تعالى توقيفية» (^٢).
هذه بعض النقول من بعض الأئمة فيها بيان أن توحيد الأسماء والصفات عمومًا وباب الصفات منه، توقيفيٌ لا يؤخذ إلا من الكتاب والسنة، وهذا شاملٌ للنفي والإثبات، فكما أننا لا نثبت لله -﷿- شيئًا إلا إذا ورد في الكتاب والسنة، فكذلك لا ننفي عن الله -﷿- شيئًا إلا إذا ورد نفيه في الكتاب والسنة.
فكلام هؤلاء الأئمة صريح في أن هذا الباب توقيفي؛ لأنه من باب الغيب الذي لا يُعْلَم إلا بخبر من الله -﷿- على لسان رسوله ﷺ، في كتابه -﷿- أو سنة نبيه ﷺ الصحيحة، والكلام فيه دون توقيف من أعظم الافتراء على الله -﷿-، وهو من الأبواب التي لا يصلح معها النظر العقلي الصِّرف؛ لأن الله -﷿- قرر بأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وإذا كان كذلك، كان لابد من اعتماد على النصوص الشرعية.
وقوله: "وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ طَرِيقَةَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا إثْبَاتُ مَا أَثْبَتَهُ مِنْ الصِّفَاتِ".