هناك قاعدة مهمة يجدر التنبه لها لفهم مسائل هذا الباب بل ولفهم جميع مسائل الدين، فإذا كانت الحكمة هي وضع الشيء في موضعه والله يقول: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة: ٢٦٩].
قال أبو إسماعيل الهروي: "الحِكْمَة اسم لإحكام وضع الشيء في موضعه" (^١).
وقال ابن القيِّم: "الحِكْمَة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي. (^٢) "
فإن من الحكمة أن تدرك أن هذه القسمة الثنائية للتوحيد يرجع أصلها إلى أن النظر إلى الشريعة يكون من عدة اعتبارات، ومن بين تلك الاعتبارات أننا لو نظرنا للشرع من جهة ما يجب على الإنسان، باعتبار أن هذا الوحي أنزل ليخاطب الإنسان، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣].
وبما أن الإنسان مركب من (جسد وروح).
وهذا الجسد خلق من تراب؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، وقد جعل الله غذاء هذا الجسد وقوامه إنما يكون من الأرض وما يخرج منها، وما يعيش عليها. فهذا هو أصل الجسد أصله من التراب، ويعيش على ما يخرج من التراب.
_________________
(١) «منازل السائرين» للهروي (ص ٧٨).
(٢) «مدارج السالكين» لابن القيم (٢/ ٤٤٩).
[ ١ / ٢٥ ]
وأما الجزء الثاني من الإنسان فهو (الروح)؛ فقد قال جل وعلا: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وهذه الروح نحن لا نعلم طبيعتها ولا حقيقتها، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، ولكن الروح لها غذاء كغذاء البدن، وحياة كحياة البدن، ولكن غذاء الروح هو العلم النافع والعمل الصالح، وإذا لم تتناول الروح هذا الغذاء فإنها سوف تمرض أو تموت، كما أن الجسد إذا لم يتناول غذاءه سيمرض أو يموت.
قال ابن القيم ﵀: «ومدار الصحة على حفظ القوة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة … فالقلب محتاج إلى ما يحفظ عليه قوته، وهو الإيمان وأوراد الطاعات، وإلى حمية عن المؤذي الضار، وذلك باجتناب الآثام والمعاصي، وأنواع المخالفات، وإلى استفراغه من كل مادة فاسدة تعرض له، وذلك بالتوبة النصوح» (^١).
وحياة القلب والروح وغذاؤهما إنما يكون بما أنزله الله تعالى من دينه وشرعه.
وهذه الروح قد تكلم العلماء في بعض ما يتعلق بها كالعقل، وهل هو هذه المضغة التي تسمى بالقلب والتي قال عنها النبي ﷺ: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله» (^٢)، أم هي ما يدور في الدماغ من الأفكار والإرادات ونحوها، أم هو مجموع الأمرين؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " لفظ القلب قد يُرَادُ به:
ا-المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن، التي جوفها علقة سوداء، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت
_________________
(١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم (١/ ١٦).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٢٠ رقم ٥٢) ومسلم (٣/ ١٢١٩ رقم ١٥٩٩) عن النعمان بن بشير ﵁.
[ ١ / ٢٦ ]
صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" متفق عليه (^١).
٢ - وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقًا، فإن قلب الشيء باطنه، كقلب الحنطة، واللوزة والجوزة، ونحو ذلك، ومنه، سمي القُليب قُليبًا، لأنه أخرج قلبه وهو باطنه، وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا فالعقل متعلق بدماغه أيضًا، ولهذا قيل: إن العقل في الدماغ كما يقوله كثير من الأطباء، ونقل ذلك عن الإمام أحمد، ويقول طائفة من أصحابه: (إن أصل العقل في القلب، فإذا كمل انتهى إلى الدماغ).
والتحقيق "أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا، لكن:
مبدأ الفكر والنظر في الدماغ.
ومبدأ الإرادة في القلب.
والعقل يراد به العلم، ويراد به العمل، فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريدًا إلا بعد تصور المراد، فلابد أن يكون القلب متصورًا، فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ وآثاره صاعدة إلى الدماغ، فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء.
وكلا القولين له وجه صحيح" (^٢).
ولو نظرنا إلى طبيعة الإنسان لوجدنا أن الله ﷿ ركب ركَّب في الإنسان:
- قوةً في التفكير والعلم والنظر.
- وقوةً في الإرادة والعمل.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه ١/ ١٢٦ ح ٥٢، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات ٥/ ٥٠ - ٥١
(٢) رسالة في العقل والروح ٢/ ٤٨ - ٤٩ (مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية)
[ ١ / ٢٧ ]