القلب معناه: الباطن، ومنه سمي البئر قليبًّا؛ لأنه يحتوي على الماء في باطنه.
وهل القلب هو الباطن فقط أم يتعلق به الأفكار التي هي في الدماغ؟
عندما ننظر نجد أنه يقصد به مجموع الأمرين، فعندما زكى ربنا تعالى النبي ﷺ زكاه بأمرين فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢].
وعندما زكى النبي ﷺ الخلفاء زكاهم بقوله: «الرَّاشدين المهديين» (^١)، فعندما تجمع بين الآية والحديث تجد أنهما متقابلين فنفي الضلال هو الرشد ونفي الغواية هو الهدى.
والرشد يكون في العقل، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
وهاتان القوتان (قوة العلم وقوة العمل) جمع بينهما النبي بقوله (أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ" (^٢) لأن معنى (حارث) أي: عامل، ومعنى (همام): مريد.
قال ابن القيم ﵀: «وينبغي أن يعرف أن هاتين القوتين لا تتعطلان في القلب، بل إن استعمل قوته العلمية في معرفة الحق وإدراكه، وإلا استعملها في معرفة ما يليق به ويناسبه من الباطل، وإن استعمل قوته الإرادية العملية في العمل به، وإلا استعملها في ضده، فالإنسان حارث هَمَّام بالطبع، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: «أَصْدَقُ الأَسْمَاءِ: حَارِثٌ وَهَمَّامٌ"، فالحارث: الكاسب العامل، والهمام: المريد، فإن النفس متحركة بالإرادة، وحركتها الإرادية لها من لوازم ذاتها، والإرادة تستلزم مرادًا يكون متصوَّرًا لها، متميزًا عندها، فإن لم تتصور الحق وتطلبه وتريده
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٤ رقم ٢٦٧٦) عن العرباض بن سارية ﵁.
(٢) أخرجه أبو داود (٤/ ٢٨٧ رقم ٤٩٥٠).
[ ١ / ٢٨ ]
تصورت الباطل وطلبته، وأرادته ولا بد" (^١).
وتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾] الحاقة: ٤٠ - ٤١ - ٤٢ [
وقوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾] الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢ - ٢٢٣ [.
والسؤال: لماذا جمع بين الشاعر والكاهن في السورتين؟
الجواب: جمع بينهما لأن كلًّا منهما يؤثر على العلم والإرادة، فالشاعر يؤثر على الجانب العملي في القلب، الذي هو الإرادة، فيلهب المشاعر، ويحرك القلوب، وأما الكاهن فإنه يؤثر على الجانب العلمي فيتلاعب بالحقائق العلمية.
والخلاصة: أن الإنسان فيه قوتان: قوة العلم والفكر والنظر، وقوة الإرادة والعمل، ولذلك قال أهل السنة: الإيمان قول وعمل، فيقصدون بالقول: العلم، وقول القلب هو التصديق الذي هو العلم بالله تعالى وشرعه.
والإسلام منهج كامل يحوي جانب العلم وجانب العمل، فإذا صلح القلب الذي هو الباطن فلا بد أن يصلح الظاهر، فما الذي يجعل شخصًا يمر على الأغاني فيحبها ويطرب لها، ويمر عليها آخر فيبغضها ويتضجر منها؟
إن الفرق هو ما اشتمل عليه قلب كل منهما من العلم والعمل.
ومن النصوص الدالة على وجود هاتين القوتين:
قول الله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢].
وقول النبي ﷺ: ««اللهم إني أستهديك لأرشد أموري وأعود بك من شر
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١/ ٢٥).
[ ١ / ٢٩ ]
نفسي»» (^١)،
وقول النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (^٢).
وضع خطوطًا تحت ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، وقوله ﷺ: «اللهم إني أستهديك لأرشد أموري وأعود بك من شر نفسي»» (^٣)، وقوله ﷺ: «الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (^٤).
ستجد إرشادًا ودليلًا على أن في الإنسان:
قوةً في العلم: فإذًا هو أُلهِم الرشد، وسَلِم من الغواية؛ استقامت عنده قوة العلم.
وقوة في العمل: فإذا هو هُدِي لطريق الحق وعرفه، وسَلِم من الضلال، فعند ذلك تسقيم عنده قوة العمل.
فإذًا قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، دليل على سلامة علمه وفكره واعتقاده، وسلامة عمله وسلوكه.
ولذلك قال النبي -ﷺ- في تزكية أصحابه: «الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ»، والرشد ضد الغواية، والهدى ضده الضلال، فلذلك كما نعلم أن النبي -ﷺ- أوتي جوامع الكلم، فكان يدعو بهذا الدعاء ««اللهم إني أستهديك لأرشد أموري وأعود بك من شر نفسي»».
لأنك إذا أُلهمت الرشد استقام وسُدِّد فكرك، وإن سلمت من شر النفس؛ فبالتالي استقام عملك وسلوكك، وبعد ذلك حصلت لك الهداية في الدنيا وفي
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه، برقم: (٨٩٨).
(٢) انظر سنن أبي داود برقم (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٣)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ (١٧١٤٢)، والدارمي (٩٦)، قال الشيخ الالباني في صحيح الجامع الجزء الثاني صفحة (٨٠٥): صحيح.
(٣) تقدم تخريجه انظر الصفحة رقم (٣).
(٤) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٣٠ ]
الآخرة؛ لأن الإنسان يُخشى عليه من أمرين: الشهوات والشبهات، فهما جيشان من الباطل الشيطان يغزوك بهما، جيش الشهوات المحرمة، وجيش الشبهات المضللة، فأنت إن نجوت من الشهوات المحرمة ومن الشبهات المضللة؛ فبالتالي تكون قد نلت الخير كله.
فلا بد أن تسقيم عند الإنسان كل من القوَّتين.
فقوة التفكير والعلم: يتم بناؤها على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌، وليس على الفلسفة والمنطق، وعلى آراء الرجال.
وقوة العمل والسلوك: ينبغي كذلك أن يكون العمل الذي يطبِّقه العبد ويعمله مبنيًا على نصوص الكتاب والسُنَّة.
فينبغي ألا تغيب هذه المسألة؛ لأنها مسألة أساسية، ما دام العبد قد اختار لنفسه طريق العلم، فعليه أن يدخل من باب السُنَّة، ويتعمق ويقرأ، ويستقرئ هذا المنهج من خلال القرآن، ومن خلال السُنَّة ومن خلال كلام السلف الصالح، وحينها سيجد ينابيع العلم.
وعلى هذا الأساس فما من مسألة من مسائل الدين إلا وهي تخاطب الإنسان في هذين الجانبين وتجد فيها هذه القسمة الثنائية، ومن الأمثلة على ذلك
مسألة الإيمان بالله فإن الإنسان لا يعد مؤمنًا بالله إلا بأمرين هما:
أن يعرف الله.
وأن يعبد الله.
وكذلك الإيمان بالقرآن لا يتم إلا بأمرين هما:
أن يصدق بأخباره.
وأن يتبع أوامره.
[ ١ / ٣١ ]
وهكذا الإيمان بالنبي ﷺ لا يتم إلا بأمرين هما:
أن يصدقه بما أخبر.
وأن يتطيعه فيم أمر.
تقسيم آيات القرآن إلى أخبار وأوامر هو من هذا الباب:
[ ١ / ٣٢ ]