قال ابن القيم: "حقيقة الشرك هو:
١ - التشبه بالخالق.
٢ - التشبيه للمخلوق به.
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٩٩).
(٢) شرح الطحاوية (ص ١٠٤) بتصرف.
[ ١ / ١٢٤ ]
هذا هو التشبيه في الحقيقة" (^١).
وإذا كان التشبيه هو حقيقة الشرك كما ذكر ابن القيم، فإنه يمكن توضيح صوره بناءً على أقسام التوحيد الثلاثة المعروفة وذلك على النحو التالي:
أولًا: التمثيل في جانب الربوبية
وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومثاله:
١ - شرك القدرية القائلين بأن العبد هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته.
٢ - شرك غلاة عباد القبور الذين يعتقدون في أصحاب القبور أنهم يتصرفون وينفعون ويضرون من دون الله.
ولا شك أن من خصائص الرب التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، -فضلًا عن غيره-شبيهًا لمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيده، ومرجعها إليه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
فمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات (^٢).
القسم الثاني: التشبه بالخالق، ومن أمثلته:
١ - من تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم (^٣).
_________________
(١) الجواب الكافي (١٥٩).
(٢) الجواب الكافي (ص ١٥٩ - ١٦٠).
(٣) المصدر السابق (ص ١٦١).
[ ١ / ١٢٥ ]
ففي الصحيح عنه ﵁ قال: "يقول الله ﷿: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته".
ثانيًا: التمثيل في جانب الألوهية.
وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومن أمثلة ذلك:
السجود لغير الله، والذبح لغير الله، والتوبة لغير الله، والحلف بغير الله.
فمن خصائص الإلهية، العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما:
١ - غاية الحب
٢ - مع غاية الذل
هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه.
فإذا عرف هذا، فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به.
ومنها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.
ومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.
ومنها الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به (^١).
القسم الثاني: التشبه به، ومثاله:
_________________
(١) انظر الجواب الكافي (ص ١٦٠ - ١٦١).
[ ١ / ١٢٦ ]
من دعا الناس إلى تعليق القلب به خوفًا، ورجاءً، وتوكلًا، والتجاءً، واستعانةً (^١)، كما يفعله بعض مشايخ طرق الصوفية مع مريديهم.
أقسام التمثيل في باب الأسماء والصفات:
ينقسم التمثيل في باب الأسماء والصفات إلى قسمين:
القسم الأول: تمثيل المخلوق بالخالق.
وهذا ما زعمه النصارى في شأن عيسى ﵇ إذ أعطوه خصائص الخالق ﷿ وجعلوه إلهًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والنصارى يصفون المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها، ويشبهون المخلوق بالخالق، حيث قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة، وقالوا المسيح ابن الله" (^٢).
ومن هذا القسم كذلك السبيئة (^٣) من غلاة الروافض: الذين شبهوا عليًا ﵁ بالله، وجعلوه إلهًا، وقالوا: أنت الله حتى حرقهم، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له. فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو.
فقال: ويحكم هذا كفر، فارجعوا عنه، وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام- فلما لم يرجعوا، أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كندة، وقذفهم في تلك النار، وروي عنه أنه قال:
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٦١).
(٢) منهاج السنة (٥/ ١٦٩).
(٣) السبيئة: نسبة إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي أظهر الإسلام، وكاد للمسلمين كيدًا عظيمًا، وهو الذي قال لعلي: أنت الله. انظر: الفرق بين الفرق (ص ٢٣٣)، والملل والنحل (١/ ١٧٤).
[ ١ / ١٢٧ ]
لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا … أججت ناري ودعوت قنبرًا" (^١)
القسم الثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق
وهذا ما زعمه اليهود قاتلهم الله إذ وصفوا الخالق ببعض صفات المخلوقين، كما ذكر الله ذلك عنهم في كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقال تعالى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فاليهود تصف الرب بصفات النقص التي يتصف بها المخلوق، كما قالوا: إنه بخيل، وإنه فقير، وإنه لما خلق السموات والأرض تعب" (^٢).
وإنّه رمد وعادته الملائكة وإنّه بكى على طوفان نوح ﵇ (^٣).
ويدخل في هذا القسم المشبهة الذين جعلوا ما ورد من صفات الله جل وعلا مماثلًا ومشابهًا لصفات المخلوقين كقولهم له يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري.