التمثيل والتشبيه هنا بمعنى واحد، وإن كان هناك فرق بينهما في أصل اللغة (^١).
فالمماثلة: هي مساواة الشيء لغيره من كل وجه.
والمشابهة: هي مساواة الشيء لغيره في أكثر الوجوه.
ولكن التعبير هنا بنفي "التمثيل" أولى لموافقة لفظ القرآن.
في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١ [.
وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾] النحل الآية: ٧٤ [.
ويخلط كثير من الناس في هذا المقام بين مفهوم (التمثيل) ومفهوم (التشبيه).
فالأول هو الذي نفته النصوص الشرعية، كقوله تعالى: (لَيس كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.
بخلاف لفظ (التشبيه) فإنه لفظ مجمل، قد يراد به التمثيل، وقد يراد به ما ليس تمثيلًا، وقد فرّق-تعالى-بينهما في قوله: (وَقَالَ الَذِينَ لا يَعلَمُونَ لَولا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تًَاتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَذِينَ مِنْ قَبلِهِم مِّثلَ قَولِهِم تَشَابَهَت قُلُوبُهُمْ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فوصفَ القولين بالتماثل، والقلوب بالتشابه لا بالتماثل، فإن القلوب - وإن اشتركت في هذا القول - فهي مختلفة لا متماثلة، وقال النبي: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من
_________________
(١) القواعد المثلى ص ٢٧
[ ١ / ١١٢ ]
الناس»، فدل على أنه يعلمها بعض الناس، وهي في نفس الأمر ليست متماثلة بل بعضها حرام وبعضها حلال" (^١)
فالتشابه، إذا أطلق، يتضمن الموافقة من بعض الوجوه دون بعض، أما المماثلة فهي الموافقة من جميع الوجوه، بحيث يستوي الشيء ومثله في كل جانب ويجوز ويمتنع على أحدهما من الخصائص واللوازم.
فالمحذور شرعًا هو التمثيل، أما (التشبيه (فإن أريد به التمثيل فهو ممتنع، وإن أريد به الموافقة من بعض الوجوه دون بعض فليس في ذلك محذور، وذلك أن جماهير العقلاء يعلمون أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، ونفس ذلك القدر المشترك ليس هو نفس التمثيل والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه، وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله﷾إذ هو-سبحانه-ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله" (^٢).، وشبه الشيء بالشيء يكون لمشابهته له من بعض الوجوه، وذلك لا يقتضي التماثل الذي يوجب أن يشتركا فيما يجب ويجوز ويمتنع. وإذا قيل هذا حي عليم قدير، وهذا حي عليم قدير، فتشابها في مسمى الحي والعليم والقدير، لم يوجب ذلك أن يكون هذا المسمى مماثلًا لهذا المسمى من كل وجه، بل هنا ثلاثة أشياء:
أحدها: القدر المشترك الذي تشابها فيه، وهو معنى كلي لا يختص به أحدهما، ولا يوجد كليًّا عامًّا إلا في علم العالم (^٣)
_________________
(١) الجواب الصحيح، جـ ٣ ص ٤٤٦.
(٢) درء التعارض، جـ ٥ ص ٢٢٧.
(٣) أي في الذهن وليس في الخارج
[ ١ / ١١٣ ]
الثاني: ما يختص به هذا، كما يختص الرب بما يقوم به من الحياة والعلم والقدرة.
الثالث: ما يختص به ذاك، كما يختص به العبد، من الحياة والعلم والقدرة، فما اختص به الرب﷿لا يشركه فيه العبد، ولا يجوز عليه شيء من النقائص التي تجوز على صفات العبد، وما يختص به العبد لا يشركه فيه الرب، ولا يستحق شيئًا من صفات الكمال التي يختص بها الرب﷿-. وأما القدر المشترك كالمعنى الكلي الثابت في ذهن الإنسان، فهذا لا يستلزم خصائص الخالق ولا خصائص المخلوق، فالاشتراك فيه لا محذور فيه". (^١)