يقول الإمام ابن القيم: "الإلحاد في أسمائه: هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها" (^٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
قال الإمام البغوي: "قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته بما لم يَتَسَمَّ به، ولم ينطق به كتابُ الله ولا سُنَّة رسوله ﷺ" (^٣).
وقال ابن حجر: "قال أهل التفسير: مِنْ الإلحاد في أسمائه: تسميته بما لم يَرد في الكتاب أو السنة الصحيحة" (^٤).
ثالثًا: أنواع الإلحاد في أسماء الله تعالى وصفاته:
قال ابن القيم: الإلحاد في أسمائه تعالى أنواع:
أحدها: أن يسمى الأصنام بها كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلها، وهذا إلحاد حقيقة فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة.
_________________
(١) انظر: المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (ص: ٧٣٧).
(٢) انظر: بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٦٩).
(٣) «معالم التنزيل» (٣/ ٣٥٧).
(٤) «فتح الباري» (١١/ ٢٢١).
[ ١ / ١٥٧ ]
قال ابن عباس ومجاهد: «عدلوا بأسماء الله تعالى عما هى عليه، فسموا بها أوثانهم؛ فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من الله، والعُزَّى من العزيز، ومَناة من المنَّان» (^١).
الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له (أبًا) وتسمية الفلاسفة له (موجبا بذاته) أو (علة فاعلة بالطبع) ونحو ذلك، وذلك لأنَّ أسماء الله- تعالى- توقيفية، فتسميته تعالى بما لم يُسَم به نفسه ميلٌ بها عما يجب فيها، كما أنَّ هذه الأسماء التي سَموه بها نفسها باطلة يُنزه الله تعالى عنها.
قال ابن حزم: «مَنع تعالى أن يُسَمَّى إلا بأسمائه الحسنى، وأخبر أنَّ مَنْ سَمَّاه بغيرها فقد ألحد» (^٢).
وفي قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومَن جعله تسبيحًا للاسم يقول: المعنى: إنَّك لا تسم به غير الله، ولا تُلحد في أسمائه، فهذا ما يستحقُّه اسم الله» (^٣).
فأسماء الله توقيفية، ومخالفة ذلك وتسميته تعالى بما لم يُسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها؛ فالإقدام على فِعل شيء من ذلك هو نوع من الإلحاد في أسماء الله.
وثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص كقول أخبث اليهود إنه فقير وقولهم إنه استراح بعد أن خلق خلقه وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته.
ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها كقول من يقول من
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ٣٠).
(٢) «المحلى» (١/ ٢٩).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٩٩).
[ ١ / ١٥٨ ]
الجهمية وأتباعهم إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد ويقولون لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلًا وشرعًا ولغة وفطرة وهو يقابل إلحاد المشركين فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها فكلاهما ملحد في أسمائه ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب وكل من جحد شيئا عما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد ألحد في ذلك فليستقل أو ليستكثر.
وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوا كبيرًا، فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة فإن أولئك نفوا صفة كماله وجحدوها وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم طرقه وبرأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه ولم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه ولم يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظا ولا معنى بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات فكان إثباتهم بريئا من التشبيه وتنزيههم خليا من التعطيل لا كمن شبه حتى كأنه يعبد صنما أو عطل حتى كأنه لا يعبد إلا عدما وأهل السنة وسط في النحل كما أن أهل الإسلام وسط في الملل" (^١).
المتن
قال المصنف ﵀: "فَطَرِيقَتُهُمْ تَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مَعَ نَفْيِ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ، إثْبَاتًا بِلَا تَشْبِيهٍ وَتَنْزِيهًا بِلَا تَعْطِيلٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
_________________
(١) انظر: بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٦٩ - ١٧٠).
[ ١ / ١٥٩ ]
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١ [. فَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رَدٌّ لِلتَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رَدٌّ لِلْإلْحَادِ وَالتَّعْطِيلِ».
الشرح
وفيه هذا النص مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الأسماء والصفات والفرق بينهما.
المسألة الثانية: أن قول أهل السنة في هذا الباب مبني على أصلين هما:
أحدهما: أن الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا كالسنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات.
المسألة الأولى: تعريف الأسماء والصفات والفرق بينهما.
ويمكن توضيح هذه المسألة من خلال الجوانب الآتية:
الجانب الأول: أن النصوص جاءت بثلاثة أبواب هي:
"باب الأسماء"
و"باب الصفات"
و"باب الإخبار".
وعليه يجب أن يعلم:
أولًا: أن باب الأسماء هو أخص تلك الأبواب، فما صح اسما صح صفة وصح خبرا وليس العكس.
وباب الصفات أوسع من باب الأسماء، فما صح صفة فليس شرطا أن يصح اسما، فقد يصح وقد لا يصح، مع أن الأسماء جميعها مشتقة من صفاته.
أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته،
[ ١ / ١٦٠ ]
فالله يخبر عنه بالاسم وبالصفة وبما ليس باسم ولا صفة كألفاظ "الشيء" و"الموجود" و"القائم بنفسه" و"المعلوم"، فإنه يخبر بهذه الألفاظ عنه ولا تدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا.
الجانب الثاني: كل من باب الأسماء والصفات توقيفيان.
فالأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيهما عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه
وأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء والصفات إطلاقًا (^١)
قال الإمام أحمد ﵀: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة"
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وطريقة سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ" (^٢)
أما باب الإخبار فالسلف لهم فيه قولان:
القول الأول: أن باب الإخبار توقيفي، فإن الله لا يُخْبَرُ عنه إلا بما ورد به النص، وهذا يشمل الأسماء والصفات، وما ليس باسم ولا صفة مما ورد به النص كـ (الشييء) و(الصنع) ونحوها
_________________
(١) -رسالة في العقل والروح لشيخ الإسلام ابن تيمية، مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (٢/ ٤٦ - ٤٧).
(٢) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣).
[ ١ / ١٦١ ]
وأما مالم يرد به النص فإنهم يمنعون استعماله (^١)
القول الثاني: إن باب الإخبار لا يشترط فيه التوقيف، فما يدخل في الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كـ (الشيء) و(الموجود) و(القائم بنفسه)، فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فالإخبار عنه قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيِّئ، أي باسم لا ينافي الحسن، ولا يجب أن يكون حسنًا، ولا يجوز أن يخبر عن الله باسم سيِّئ (^٢) فيخبر عن الله بما لم يرد إثباته ونفيه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حَقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله ﷿ وجب رده (^٣).