إذا كان الاسم مشتقا من أفعاله القائمة به، فإن كان الفعل ورد مقيدا فإنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له منه اسم مطلق، كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى "المضل، الفاتن، الماكر تعالى الله عن قوله، فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلا أفعالا مخصوصة معينة فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة، والله أعلم) ٢.
قال ابن القيم ﵀: (الفعل أوسع من الاسم، ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالا لم يتسم منها أسماء الفاعل، كأراد، وشاء، وأحدث. ولم يسم "بالمريد" و"الفاعل" و"المتمن" وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه. فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء. وقد أخطأ-أقبح خطأ-من اشتق له من كل فعل اسما، وبلغ بأسمائه زيادة على الألف فسماه "الماكر، والمخادع، والفاتن، والكائد" ونحو ذلك) (^١).
وقال الشيخ حافظ حكمي: (اعلم أنه قد ورد في القرآن أفعال أطلقها الله ﷿ على نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة، وهي فيما سيقت فيه مدح وكمال،
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٤١٥.
[ ١ / ١٧٣ ]
لكن لا يجوز أن يشتق له تعالى منها أسماء ولا تطلق عليه في غير ما سيقت فيه من الآيات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾ النساء: الآية: ١٤٢. وقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ الأنفال: الآية: ٣٠. وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ التوبة: الآية ٦٧.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ البقرة: الآيتان ١٤ - ١٥. ونحو ذلك، فلا يجوز أن يطلق على الله تعالى مخادع، ماكر، ناس، مستهزئ، ونحو ذلك مما تعالى الله عنه، ولا يقال: الله يستهزئ ويخادع ويمكر وينسى على سبيل الإطلاق، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) (^١).
وقال ابن القيم ﵀: (إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى، ومن ظن من الجهال المصنفين في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمائه تعالى الماكر، المخادع، المستهزئ، الكائد- فقد فاه بأمر عظيم تقشعر منه الجلود، وتكاد الأسماع تصم عند سماعه، وغز قذا الجاهل أنه ﷾ أطلق على نفسه هذه الأفعال، فاشتق له منها أسماء، وأسماؤه تعالى كالها حسنى فأدخلها في الأسماء الحسنى وقرنها بالرحيم، الودود، الحكيم، الكريم، وهذا جهل عظيم، فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقا، بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله تعالى مطلقًا، فلا يقال إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد، فكذلك بطريق الأولى لا يشتق له منها أسماء ويكفى بها، بل إذا كان لم يأت في أسمائه الحسنى المريد والمتكلم ولا الفاعل ولا الصانع لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم، وإنما يوصف بالأنواع المحمودة منها كالحليم والحكيم والعزيز والفعال لما يريد، فكيف يكون منها الماكر والمخادع والمستهزئ.
_________________
(١) معارج القبول (١/ ٧٦).
[ ١ / ١٧٤ ]
ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى الداعي، والآتي، والجائي، والذاهب، والقادم، والرائد، والناسي، والقاسم، والساخط، والغضبان، واللاعن، إلى أضعاف ذلك من التي أطلق تعالى على نفسه أفعالها من القرآن، وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل، والمقصود أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق فكيف من الخالق ﷾) اهـ (^١)
ومن هنا يتبين لك خطأ ما عده بعضهم ومنهم ابن العربي المالكي في كتابه أحكام القرآن، حيث سماه بالفاعل والزارع، فإن الفاعل والزارع إذا أطلقا بدون متعلق ولا سياق يدل على وصف الكمال فيهما فلا يفيدان مدحا، أما في سياقها من الآيات التي ذكرت فيها فهي صفات كمال ومدح وتوحد كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الأنبياء: الآية ١٠٤، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ الواقعة: الآيتان ٦٣، ٦٤. الآيات، بخلاف ما إذا عدت مجردة عن متعلقاتها وما سيقت فيه وله، وأكبر مصيبة أن عد في الأسماء الحسنى رابع ثلاثة، وسادس خمسة مصرحا قبل ذلك بقوله: وفي سورة المجادلة اسمان فذكرهما. وهذا خطأ فاحشة، فإن الآية لا تدل على ذلك ولا تقتضيه بوجه، لا منطوقا ولا مفهوما، فإن الله ﷿ قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ =-هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أنى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾] المجادلة: الآية ٧ [. الآية. وأين في هذا سياق رابع ثلاثة، سادس خمسة؟ وكان حقه اللائق بمراده أن يقول: رابع كل ثلاثة في نجواهم وسادس كل خمسة كذلك، فإنه تعالى يعلم أفعالهم ويسمع
_________________
(١) مختصر الصواعق ٢/ ٣٤.
[ ١ / ١٧٥ ]
أقوالهم كما هو مفهوم صدر الآية، ولكن لا يليق بهذا المعنى إلا سياق الآية والله تعالى أعلم) (^١).
أقسام الأسماء بحسب ورودها.
تنقسم الأسماء الحسنى بحسب ورودها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأسماء المفردة.
القسم الثاني: الأسماء المقترنة.
القسم الثالث: الأسماء المزدوجة.
فالقسم الأول: الأسماء المفردة.
وضابطها: ما يسوغ أن يطلق عليه مفردا.
وهذا يقع في غالب الأسماء.
مثالها: الرحمن، السميع، الرحيم، القدير، الملك …
وهذا القسم يسوغ أن يُدعى به مفردًا، فتقول: يا عزيز، أو يا حكيم، أو يا غفور، أو يا رحيم.
ومقترنا بغيره، فتقول: يا عزيز يا حكيم، يا جواد يا عظيم.
وهكذا في حال الثناء عليه أو الخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد مثل أن تقول: الله غفور، أو الله رحيم.
أو الجمع، مثل أن تقول: الله غفور رحيم، الله عزيز حكيم.
القسم الثاني: الأسماء المقترنة.
وضابطها: ما يُطلق عليه مقترنا بغيره من الأسماء.
_________________
(١) معارج القبول ١/ ٧٦، ٧٨.
[ ١ / ١٧٦ ]
وهذا أيضا يقع في غالب الأسماء.
مثالها: العزيز الحكيم، الغفور الرحيم، الرحمن الرحيم، السميع البصير.
وهذا القسم يسوغ أن يُدعى به مفردا، فتقول: يا عزيز، أو يا حكيم، أو يا غفور، أو يا رحيم.
ومقترنا بغيره فتقول: يا عزيز يا كريم، أو يا غفور يا رحيم
وهكذا في حال الثناء عليه أو الخبر عنه بما يسوغ لك:
الإفراد مثل أن تقول:
الله عزيز، الله كريم.
أو الجمع:
مثل أن تقول: الله العزيز الحكيم، الله الرحمن الرحيم.
وكما يكون الحسن في أسماء الله باعتبار كل اسم على انفراده فكذلك يكون باعتبار جمعه إلى غيره فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمالٌ فوق كمال.
مثال ذلك: "العزيز الحكيم" فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرا، فيكون كل منهما دالا على الكمال الخاص الذي يقتضيه وهو: العزة في العزيز؛ والحُكمُ والحكمة في الحكيم.
والجمع بينهما دال على كمال آخر وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظُلما وجورا وسوء فعل كما قد يكون من أعزّاء المخلوقين. فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسيءُ التَّصرف.
وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعزِّ الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته، فإنهما يعتريهما الذُّلُّ (^١).
قال ابن القيم ﵀: "وهناك صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو: الغني الحميد، العفو القدير، الحميد
_________________
(١) القواعد المثلى: ص: ٧ - ٨
[ ١ / ١٧٧ ]
المجيد؛ وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن، فإن الغنى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغِنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما، وكذلك العفوُّ القدير، الحميد المجيد، العزيز الحكيم، فتأمله فإنه من أشرف المعارف" (^١)
القسم الثالث: الأسماء المزدوجة:
وضابطها: ما لا يُطلق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله؛ لأن الكمال في اقتران كل اسم منها بما يقابله.
الأسماء المزدوجة يجب أن تجري مجرى الاسم الواحد ولا يُفصل بينها.
مثل: "الأول-الآخر" ودليله: قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ (الحديد: الآية: ٣).
ومثل: "الظاهر-الباطنُ" ودليله: قوله تعالى: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (الحديد: الآية: ٣) ..