تنقسم الصفات باعتبار ورودها في النصوص إلى ثلاثة أقسام:
١ - الصفات الثبوتية
٢ - الصفات السلبية (أي: المنفية عن الله تعالى).
٣ - صفات من باب الإخبار عن الله تعالى.
القسم الأول: الصفات الثبوتية
تعريفها: أنها هي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.
والصفات الثبوتية كثيرة جدًّا؛ منها: العلم- والحياة- والعزة- والقدرة- والحكمة- والكبرياء- والقوة- والاستواء- والنزول- والمجيء، وغيرها.
والصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية.
إضافة إلى أن معرفة الله تعالى الأصل فيها صفات الإثبات، وأما السلب فهو تابع ومقصوده تكميل الإثبات، بل كل تنزيه مدح به الرب ففيه إثبات.
أقسام الصفات الثبوتية:
الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات الذاتية:
وهي الصفات التي لا تنفكُّ عن الذَّات (^٢). أو: التي لم يَزل- ولا يزال- الله
_________________
(١) انظر: رسالة العقل والروح مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية (٢/ ٣٨ - ٣٩).
(٢) «الكواشف الجلية» (٤٢٩).
[ ١ / ١٨١ ]
متصفًا بها. أو: الملازمة لذات الله تعالى (^١).
ومنها: (الوجه- اليدين- العينين (^٢) - الأصابع- القَدَم- العِلم- الحياة- القدرة- العزة- الحكمة).
فهذه الصفات لا تنفك عن الذات، وملازمة لها لا تنفك عنها.
القسم الثاني: الصفات الفعلية:
وهي الصفات التي تنفكُّ عن الذَّات. أو: التي تتعلق بالمشيئة والقدرة (^٣).
ومنها: (الاستواء- المجيء- الإتيان- النزول- الخلق- الرزق- الإحسان- العدل).
وكِلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات له تعالى أزلًا وأبدًا، لم يزل متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال ربِّ العالمين (^٤).
والفرق بين القسمين:
أنَّ الصفات الذاتية لا تنفكُّ عن الذات، أمَّا الصفات الفعلية يمكن أن تنفك عن الذات على معنى: أنَّ الله إذا شاء لم يفعلها.
ولكن مع ذلك فإنَّ كلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات لله تعالى أزلًا وأبدًا لم يزل- ولا يزال- متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال الله ﷿ (^٥).
_________________
(١) «التعريفات» للجرجاني (ص ١٣٣).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٦٨).
(٣) «التعريفات» للجرجاني (ص ١٣٣).
(٤) شرح العقيدة الطحاوية» (١٢٧).
(٥) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ١٢٧).
[ ١ / ١٨٢ ]
صفة ذاتية وفعلية معًا:
وهناك صفات يصدق عليها أنها ذاتية وفعلية معًا مثل صفة الكلام، فإنها باعتبار أصلها صفة ذات، وباعتبار تعلقها بالمشيئة صفة فعل.
فالكلام (صفةُ ذاتٍ وفعلٍ)؛ فهو- سبحانه- يتكلم بمشيئته وقدرته كلامًا قائمًا بذاته.
وكلُّ ما كان بعد عدمه- فإنَّما يكون بمشيئة الله وقدرته (^١)، وما تعلق بالمشيئة مما يتصف به الرب فهو مِنْ الصفات الاختيارية (^٢)، والصفات الصادرة عن الأفعال موصوف بها في القِدَم، ولم تتغير ذاته من أفعاله، ولم يكتسب عن أفعاله صفات كمال، فهو- سبحانه- لم يزل كريمًا خالقًا.
تقسيم آخر للصفات الثبوتية:
تنقسم الصفات الثبوتية باعتبار لزومها وتعديها إلى قسمين:
١ - صفات متعدية
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢١٩).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٤٤).
[ ١ / ١٨٣ ]
٢ - صفات لازمة
وتنقسم الصفات الثبوتية أيضًا من جهة أخرى إلى قسمين:
١ - صفات لازمة: أي لازمة للذات لا تنفك عنها.
٢ - صفات عارضة: أي متعلقة بالمشيئة.
وتنقسم هذه الصفات اللازمة إلى قسمين:
١ - صفات ذاتية
٢ - صفات معنوية
وتنقسم الصفات العارضة (وتسمى: الاختيارية) إلى قسمين:
١ - صفات من باب الأفعال
٢ - صفات من باب الأقوال
٣ - صفات من باب الأحوال
شرح هذا التقسيم السابق:
تنقسم الصفات من جهة تعلقها بمتعلقها إلى قسمين:
١ - الصفات المتعدية: وهي ما تعدَّت لمفعولها بلا حرف جرٍّ؛ مثل: (خَلَقَ، ورَزَقَ، وهَدَى، وأَضَلَّ)، ونحوها.
٢ - الصفات اللازمة: وهي ما تتعدى لمفعولها بحرف جر؛ كـ (الاستواء والمجيء والإتيان والنزول)، ونحوها.
وإنَّما قسمت كذلك نظرًا للاستعمال القرآني من جهة، ولكونها في اللغة كذلك (^١)؛ قال ابن القيم: «فأفعاله نوعان: لازمة ومتعدية، كما دلَّت النصوص التي هي أكثر من أن تُحصر على النوعين» (^٢).
وقال ﵀: «(المجيء والإتيان والذهاب والهبوط) هذه من أنواع الفعل اللازم القائم به، كما أنَّ (الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والقبض، والبسط) أنواع الفعل المتعدي، وهو- سبحانه- موصوف بالنوعين، وقد يجمعهما كقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾» (^٣).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٣٣)، (٥/ ٥١٨)، «التنبيهات السنية» (ص ٦٩).
(٢) «مختصر الصواعق» (٢/ ٢٢٩).
(٣) «مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٤)، بتصرف يسير.
[ ١ / ١٨٤ ]
فأثبت أهلُ السنة جميع الصفات؛ الذاتية- منها- والفعلية، وأثبتوا أن الله متصف بذلك أزلًا، وأنَّ الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القِدَم، وإن كانت المفعولات مُحدثة (^١).
شرح التقسيم الآخر للصفات الثبوتية:
وتنقسم الصفات الثبوتية من جهة أخرى إلى قسمين:
القسم الأول: الصِّفات اللازمة
وتعريفها: هي الصفات اللازمة للموصوف لا تُفارقه إلا بعدم ذاته.
أو بعبارة أخرى: هي الصفات التي لا تنفكُّ عن الذات (^٢).
وتنقسم هذه الصفات اللازمة إلى قسمين:
١ - الصفات الذاتية:
وهي التي لا يُمكن تصور الذات مع تصور عدمها.
ومنها: (الوجه- اليد- الأصبع- العين- القَدَم) (^٣).
٢ - الصفات المعنوية:
وهي ما يُمكن تصور الذات مع تصور عدمها.
ومنها: (الحياة- العلم- القدرة- العزة- العظمة- الكبرياء- الملك- الحكمة- السمع- البصر). فإنها أمور معنوية.
القسم الثاني: الصفات العارضة
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٩، ٥٢٠، ٥٢٥).
(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٣٢١ - ٣٢٤).
(٣) ليس المقصود بالذاتية: ما يَلزم الذَّات؛ إذ الجميع لازم الذات.
[ ١ / ١٨٥ ]
وتسمى الصفات الاختيارية، وهي الصفات التي يُمكن مفارقتها للذات مع بقاء الذات. أو: الصفات التي تنفكُّ عن الذات. أو: الصفات التي تتعلق بالمشيئة والقدرة.
تقسيم الصفات العارضة (الاختيارية)
١ - صفات مِنْ باب الأفعال: كـ (الاستواء، والاتيان، والمجيء، والنزول).
٢ - صفات من باب الأقوال والكلمات: (التَّكليم والنداء، والمناجاة، والقول).
٣ - صفات من باب الأحوال: كـ (الفرح، والغضب، والرِّضا، والضحك) (^١).
فكلُّ ما كان بعد عدمه، فإنَّما يكون بمشيئة الله وقدرته، وهذا ضابط ما يدخل في الصفات الاختيارية (^٢). وضابطها: هي الأمور التي يتصف بها الربُّ ﷿؛ فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته (^٣).
والصفات الاختيارية أعمُّ من الصفات الفعلية؛ لأنها تشمل بعض الصفات الذاتية التي لها تعلق بالمشيئة؛ مثل: (الكلام، السمع، البصر، الإرادة، المحبة، الرضا، الرحمة، الغضب، السخط).
كما أنها- أي: الصفات الاختيارية- تشمل الصفات الفعلية غير الذاتية.
مثل: (الخلق، الإحسان، العدل)، وهذه فعلية متعدية.
ومثل: (الاستواء، المجيء، الإتيان، النزول)، وهذه فعلية لازمة.
القسم الثاني: الصفات السلبية:
تعريفها: هي ما نفاه الله سبحانه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.
_________________
(١) «درء تعارض العقل والنقل» (٤/ ٢٣)، بتصرف.
(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٤٤)، بتصرف.
(٣) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢١٧).
[ ١ / ١٨٦ ]
والصفات المنفية كلها صفات نقص في حقه، ومن أمثلتها: النوم- الموت- الجهل- النسيان- العجز- التعب - الظلم. فيجب نفيها عن الله ﷿ مع إثبات أن الله موصوف بكمال ضدها.
تقسيم الصفات السلبية:
إن سلب النقائص والعيوب عن الله نوعان:
النوع الأول: سلبٌ لمُتَّصِل:
وضابطه: نفي كل ما يناقض صفة من صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ؛ كنفي الموت المنافي للحياة، والعجز المنافي للقدرة، والسِّنة والنوم المنافي لكمال القيومية، والظلم المنافي للعدل، والإكراه المنافي للاختيار، والذل المنافي للعزة …، إلخ.
النوع الثاني: سلبٌ لِمُنفصل:
وضابطه: تنزيه الله سبحانه عن أن يشاركه أحد مِنْ خلقه في شيء من خصائصه التي لا تَنبغي إلا له.
وذلك كنفي الشريك له في ربوبيته؛ فإنَّه منفرد بتمام الملك والقوة والتدبير.
وكنفي الشريك له في أُلوهيته، فهو وحده الذي يجب أن يُؤلهه الخلق، ويُفردوه بكل أنواع العبادة والتعظيم.
وكنفي الشريك له في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فليس لغيره من المخلوقين شِركة معه سبحانه في شيء منها.
وكذلك نفي الظَّهير الذي يُظاهره أو يعاونه في خلق شيء أو تدبيره؛ لكمال قدرته وسَعة علمه ونفوذ مشيئته، وغيره من المخلوقين عاجز فقير لا حول له ولا قوة إلا بالله؛ فالشريك والظهير مَنفيان عنه بإطلاق.
[ ١ / ١٨٧ ]
وكذلك ينفى عنه سبحانه اتخاذ الصاحبة والولد الذي نَسَبه إليه النصارى عابدو الصُّلبان، والصابئة الذين يقولون: إن الملائكة بنات الله؛ قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلّ﴾ (^١).
تقسيم الأشاعرة للصفات:
قسم الأشاعرة الصفات إلى أربعة أقسام:
١ - صفات المعاني ٢ - الصفات المعنوية
٣ - الصفات السلبية ٤ - الصفة النفسية.
ويثبتون من صفات المعاني سبعة منها فقط، وهي: (الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام). ونفوا ما عداها من صفات المعاني كالرأفة والرحمة والحلم، وغيرها.
المسألة الثانية: أن قول أهل السنة في هذا الباب مبني على أصلين هما:
أحدهما: أن الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا كالسنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات.
بين المصنف الفرق بين عقيدة أهل السنة وعقيدة أهل التعطيل من جهة وعقيدة أهل التمثيل من جهة أخرى.
الجانب الأول: موقف أهل السنة.
_________________
(١) انظر: «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٥٦ - ٥٨)، و«الصفات الإلهية- تعريفها، أقسامها»، للشارح (ص ٦٣، ٦٤)، نشر دار أضواء السلف، الرياض، السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠٢ م.
[ ١ / ١٨٨ ]
فأهل السنة قولهم في الصفات مبني على أصلين:
أحدهما: أن الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا كالسنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات" (^١).
فيعتقدون أن ما اتصف الله به من الصفات لا يُماثله فيها أحد من خلقه، فالله ﷿ قد أخبرنا بذلك بنصِّ كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، فإذا ورد النص بصفة من صفات الله تعالى في الكتاب أو السنة-فيجب الإيمان به والاعتقاد الجازم بأن ذلك الوصفَ بالغٌ من غايات الكمال والشرف والعلو مما يَقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين؛ فالشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يَسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تُشبه صفة المخلوق، فعلى القلب المؤمن المُصَدِّق بصفات الله التي تمدح بها أو أثنى عليه بها نبيه ﷺ، أن يكون معظِّمًا لله جل وعلا غير مُتنجس بأقذار التشبيه؛ لتكون أرضُ قلبِه طيبةً طاهرة قابلة للإيمان بالصفات على أساس التنزيه أخذًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١ (^٢).
فمن أصول أهل السنة والجماعة وجوب صيانة توحيد الأسماء والصفات مما يضاده، وعقيدة المسلم من أن يتطرق إليها ما يُناقضها من الاعتقاد الفاسد في ذات الله تعالى وصفاته؛ لأن من الواجب أن يُقَدِّر الله حق قدره، ويُعظِّمَهُ حق تعظيمه، ولا يتأتى ذلك إلا بإثبات صفات الله تعالى كما وردت، وتنزيهه عن التعطيل
_________________
(١) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣).
(٢) انظر: «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص ٢١، ٢٢).
[ ١ / ١٨٩ ]
والتمثيل، وعدم وصفه بما لم يصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ، والحذر من الأمور المفضية إلى التشبيه أو التعطيل، من تحريف مفضٍ إلى التعطيل، أو تكييف مفضٍ إلى التمثيل" (^١).
ومن تقرير العلماء لهذين الأصلين في باب أسماء الله وصفاته:
• قال الإمام أبو عثمان الصابوني (^٢) -﵀-: «وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف، والتشبيه، والتكييف، ومَنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله -﷿-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]) (^٣).
• وقال الإمام أبو القاسم التيمي الأصبهاني (^٤) -﵀-: «وإنما نقول: وجب إثباتها (^٥)؛ لأن الشرع ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، كذلك قال علماء السلف في أخبار الصفات: أمروها كما جاءت» (^٦).
• وقال الخطيب البغدادي﵀مشيرًا إلى هذا المعنى الجليل: "أما الكلام في
_________________
(١) مقالة التشبيه (١/ ٣٥٧).
(٢) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد النيسابوري، أبو عثمان الصابوني، الإمام المفسر المحدث الواعظ، من أئمة أهل السنة في زمانه، له كتاب عقيدة السلف وأصحاب الحديث، توفي سنة ٤٤٩ هـ. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٠)، شذرات الذهب (٣/ ٢٨٢).
(٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص (١٦٢ - ١٦٤).
(٤) إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي، أبو القاسم الأصبهاني، الإمام العلامة الحافظ، الملّقب بقَوَّام السُنَّة، صاحب الترغيب والترهيب، والحجة في بيان المحجة، ودلائل النبوة، توفي سنة ٥٣٥ هـ. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٠)، الوافي بالوفيات (٩/ ٢١١).
(٥) أي: الصفات.
(٦) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٨٨).
[ ١ / ١٩٠ ]
الصفات، فإن ما رُوي منها في السنن الصحاح، مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها، وقد نفاها قومٌ فأبطلوا ما أثبته الله، وحقّقها قومٌ من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضروب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي والمقصر عنه … " (^١).
• وقال الإمام ابن القيم﵀-"فلم يتلوثوا بشيء من أوضار هذه الفرق وأدناسها، وأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم وسطًا بين مذهبين، وهدًى بين ضلالتين، خرج من بين مذاهب المعطلِّين، والمخيِّلين، والمجهلِّين، والمشبِّهين، كما خرج اللبن من بين فرثٍ ودمٍ لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، فقالوا نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تشبيهٍ ولا تمثيل، بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات" (^٢).
فقد بيّنوا﵏منهج السلف في الصفات، فذكروا أنه منهج يتميز بالوسطية؛ لجمعه بين الإثبات والتنزيه، إثبات صفات الله -﷿- كما وردت، مع تنزيه الله تعالى عن مماثلة المخلوقين.
الجانب الثاني: مواقف المخالفين.
كل من فريقي التعطيل والتشبيه قد كذَّب بمضمون قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١ [.
فالمشبِّهة: كذَّبوا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وبكل نصوص تنزيه الله -﷿- عن مماثلة المخلوقين.
_________________
(١) جواب سؤال بعض أهل دمشق عن الصفات ص (٦٤ - ٦٥).
(٢) الصواعق المرسلة (٢/ ٤٢٦)، وانظر: (١/ ٢٢٩).
[ ١ / ١٩١ ]
والمعطِّلة: كذَّبوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وبكل نصوص إثبات الصفات لله -﷿- على الوجه اللائق به سبحانه.
أمَّا أهل التعطيل: فإنَّهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات التي لا وجود لها إلا في أفهامهم الفاسدة.
فعقيدة هؤلاء المعطلة جمعت بين التمثيل والتعطيل، وهذا الشر إنَّما جاء من تنجس قلوبهم وتدنسها بأقذار التشبيه، فإذا سمعوا صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه؛ كاستوائه على عرشه ومجيئه يوم القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال.
فإن أول ما يخطر في أذهانهم أن هذه الصفة تشبه صفات الخلق؛ فيتلطخ القلب بأقذار التشبيه؛ فلم يقدر الله حقَّ قدره، ولم يُعَظِّم الله حقَّ عظمته؛ حيث سبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيكون أولًا نجَّس القلب بأقذار التشبيه، ثم دعاه ذلك إلى أن ينفي صفة الخالق جلَّ وعلا عنه بادِّعاء أنها تشبه صفات المخلوق، فيكون فيها أولًا مشبهًا، وثانيًا معطلًا ضالًّا ابتداءً وانتهاءً متهجمًا على ربِّ العالمين يَنفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق (^١).
وأمَّا عقيدة أهل التمثيل: فهي تقوم على دعواهم أن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نَعقل، فإذا أخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة؛ فشَبَّهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا: له يد كيدي، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
فالمشبهة تعمقوا في شأن كيفيات صفات الله وتَقَوَّلوا على الله بغير علم، فقالوا: له بصرٌ كبصري، ويدٌ كيدي، وقَدَمٌ كقدمي، تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.
وكل مَنْ تجرأ على شيء من ذلك فقوله من الغُلو في الدين والافتراء على الله
_________________
(١) انظر: «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص ١٩، ٢٠).
[ ١ / ١٩٢ ]
﷿، واعتقاد ما لم يأذن به الله ولا يليق بجلاله وعظمته ولم ينطق به كتاب ولا سنة، ولو كان ذلك مطلوبًا من العباد في الشريعة لبَيَّنه الله تعالى ورسوله ﷺ، فهو لم يَدَع ما بالمسلمين إليه حاجة إلا بَيَّنه ووَضَّحه، والعباد لا يعلمون عن الله تعالى إلا ما عَلَّمَهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾؛ فليؤمن العبد بما عَلَّمه الله تعالى وليقف معه، وليُمسك عما جهله، وليكل معناه إلى عالمه» (^١).
وخلاصة القول: أن عقيدة أهل السنة تتميز عن عقيدة المشبهة، بأن أهل السنة يُفَوِّضون علم كيفية اتصاف الباري ﷿ بتلك الصفات إلى الله ﷿، فلا عِلم للبشر بكيفية ذات الله ﵎، «ولا تفسير كُنه شيء من صفات ربنا تعالى؛ كأن يقال: استوى على هيئة كذا.
فالعارفون به، المُصدقون لرسله، المُقرون بكماله فهم يُثبتون لله جميع صفاته، ويَنفون عنه مشابهة المخلوقات، فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل، فمذهبهم حسنة بين سَيئتين، وهدًى بين ضلالتين.