وأما لفظ التشبيه فيشار فيه إلى ما يلي:
أولا: أن لفظ (التشبيه) لم يرد نفيه وذمه في الكتاب والسنة، وإنما الوارد نفي التمثيل.
ثانيا: أن لفظ (التشابه) ليس مطابقًا في المعنى للفظ (التماثل) الذي ورد نفيه.
قال أبو هلال العسكري في فروقه اللغوية: "إن الشيء يشبه بالشيء من وجه واحد لا يكون مثله في الحقيقة إلا إذا أشبهه من جميع الوجوه لذاته" (^١).
ويقال في اللغة: إن هذا يشبه هذا، وفيه شبه من هذا: إذا أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفة له في الحقيقة (^٢)، فالتشبيه في اللغة .. قد يقال بدون التماثل في شيء من الحقيقة، كما يقال للصورة المرسومة في الحائط: إنها تشبه الحيوان، ويقال: هذا يشبه هذا في كذا وكذا، وإن كانت الحقيقتان مختلفتين» (^٣).
ومما يبين ذلك أن الله تعالى قد قال في كتابه عن نعيم أهل الجنة: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها) [البقرة: ٢٠].
قال قتادة وعكرمة (^٤): "يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيب" (^٥)، وهذا أحد
_________________
(١) الفروق للعسكري (١٧٦)، وانظر: نقد الشعر لقدامة بن جعفر (١٢٤)، سر الفصاحة للخفاجي (٢٤٦).
(٢) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٤٤٥).
(٣) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٧٧).
(٤) عكرمة بن عبد الله، أبو عبد الله البربري، المدني، الحبر، العالم، المفسر، الثقة، مولي ابن عباس، روى عن مولاه، وعائشة، وأبي هريرة، مات سنة (١٠٤ هـ). ينظر: طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢٨٦)، وطبقات المفسرين للأدنه وي (١٢).
(٥) تفسير الطبري (١/ ٣٩١)، تفسير ابن كثير (١/ ٢٠٥).
[ ١ / ١١٧ ]
التفسيرين في الآية، فقد وصفت الآية ثمر الجنة بمشابهته لثمر الدنيا، وهي مشابهة واشتراك من بعض الوجوه، مع القطع بنفي المماثلة بينهما، بل بينهما تباين عظيم في الكيفية والحقيقة، فالمشابهة ها هنا ثابتة، والمماثلة منفية، مما يدل على ثبوت الفرق بين المشابهة والمماثلة (^١).
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أقوال الناس في لفظي (التشبيه) و(التمثيل)، وهل هما بمعنى واحد، فقال:
وقد تنازع الناس: هل لفظ (الشبه) و(المثل) بمعنى واحد أو معنيين، على قولين:
أحدهما: أنهما بمعنى واحد، وأن ما دل عليه لفظ (المثل) مطلقا ومقيدًا يدل عليه لفظ (الشبه)، وهذا قول طائفة من النظار.
والثاني: أن معناهما مختلف عند الإطلاق لغة، وشرعا، وعقلًا، وإن كان مع التقيد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر، وهذا قول أكثر الناس».
ثم بين ﵀ مبنى هذا الاختلاف في الإطلاق فقال:
"وهذا الاختلاف مبني على مسألة عقلية، وهو أنه هل يجوز أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه؟ وللناس في ذلك قولان:
فمن منع أن يشبهه من وجه دون وجه قال: المثل والشبه واحد.
ومن قال إنه قد يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه فرق بينهما عند الإطلاق، وهذا قول جمهور الناس.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٥/ ٣٤٧) (٦/ ١١٣) (١٣/ ٢٧٩)، درء تعارض العقل والنقل (٦/ ١٢٣ - ١٢٥).
[ ١ / ١١٨ ]
فإن العقل يعلم أن الأعراض -مثل الألوان-تشتبه في كونها ألوانًا، مع أن السواد ليس مثل البياض، وأيضًا فمعلوم في ظاللغة أنه يقال: (هذا يشبه هذا)، و(فيه شبه من هذا) إذا أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفة له في الحقيقة» (^١).
وهذا التفريق بين معنى التشبيه والتمثيل قد أقر به جمع من المتكلمين، فقد قرر ابن الهمام الحنفي من الماتريدية أن «المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات، والتشبيه لا يقتضيه» (^٢)، وبين أبو المعين النسفي أن الشخصين لو اشتركا في الفقه أو الطب أو غير ذلك من العلوم والصناعات، ولم يكن بينهما في ذلك النوع مساواة ينوب أحدهما مناب صاحبه ويسد مسده، فإنه لا يستجيز أحد من أرباب اللسان أن يقول: فلان مثل فلان في علم كذا، أو صنعة كذا (^٣).
فتحصل بذلك أن لفظ التشابه والتماثل غير متطابقين في المعنى، بل لفظ التشابه أعم من لفظ التماثل، إذ التشابه يطلق على مطلق مشاركة الشيء للشيء ولو من بعض الوجوه، وأما التماثل فهو مشاركة الشيء للشيء من كل الوجوه، وإن كان قد يطلق لفظ التشبيه ويراد به التمثيل، وكذا العكس، وذلك يعلم بسياق الكلام وقرائنه.
ثالثًا: ومع ذلك يقال: إن مسمى (التشبيه) قد ورد نفيه في كلام جمع من السلف، مثل: عبد الرحمن بن مهدي (^٤)، ويزيد بن هارون (^٥)، وأحمد بن حنبل،
_________________
(١) الجواب الصحيح (٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥).
(٢) المسامرة شرح المسايرة (٣٠٨)، وانظر: تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي (١/ ١٥٠ - ١٥١).
(٣) انظر: تبصرة الأدلة (١/ ١٥٠).
(٤) هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن، أبو سعيد العنبري البصري، من كبار حفاظ الحديث، وأئمة السنة، ولد بالبصرة سنة ١٣٠ هـ، توفي سنة ١٩٨ هـ انظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٩٧)، تاريخ بغداد (١٠/ ٢٤٠)، سير أعلام النبلاء (٩/ ١٩٢).
(٥) هو يزيد بن هارون بن وادي، ويقال: زاذان بن ثابت السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ولد سنة (١١٨ هـ)، وكان أحد الاعلام الحفاظ المشاهير الثقات العلماء بالسنة، وكان عابدًا عرف بحسن الصلاة وطولها، وكان يعد من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر مات سنة (٢٠٦ هـ). انظر: التاريخ الكبير (٨/ ٣٦٨)، طبقات ابن سعد (٧/ ٣١٤)، تاريخ بغداد (١٤/ ٣٣٧)، تذكرة الحفاظ (١/ ٣١٧)، تهذيب التهذيب (١١/ ٣٢١).
[ ١ / ١١٩ ]
وإسحاق بن راهويه، ونعيم بن حماد الخزاعي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وغيرهم، وقد تقل جمع من الأئمة اتفاق السلف على نفي التشبيه، كما ذكر ذلك الإمام الصابوني، والحافظ عبد الغني المقدسي (^١)، وابن قدامة المقدسي -﵏وغيرهم (^٢)، بل إن السلف قد حكموا بكفر من شبه صفات الله بصفات خلقه، وقالوا بردته ووجوب قتله (^٣).
_________________
(١) هو تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور لمقدسي، أبو محمد الجماعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي، الحافظ الإمام محدث الإسلام، ولد سنة (٥٤١ هـ)، كان غزير الحفظ، من أهل الإتقان والتجويد، قيمًا بجميع فنون الحديث، وكان كثير العبادة ورعًا متمسكًا بالسنة على قانون السلف، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، وكتب ما لا يوصف كثرة، ومن ذلك: الكمال في أسماء الرجال، والمصباح ونهاية المراد في السنن، قال ابن رجب: امتحن الشيخ ودعي إلى أن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فأبي، فمنع من التحديث وأفتي أصحاب التأويل بإراقة دمه، فسافر إلى مصر، وأقام بها إلى أن مات، وكانت وفاته كل سنة (٦٠٠ هـ). انظر: العبر في خبر من غبر (٤/ ٣١٣)، تاريخ الإسلام (٤٢/ ٤٤٢)، تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٧٢)، شذرات الذهب (٤/ ٣٤٥)، الوافي بالوفيات (٣/ ٢١٩).
(٢) انظر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني (١٦٠ - ١٦٣)، الاقتصاد في الاعتقاد للحافظ عبد الغني المقدسي (٧٨)، لمعة الاعتقاد لابن قدامة (١٤)، ذم التأويل له (١١، ١٥، ١٦).
(٣) انظر في ذلك: نقض الدارمي على المريسي (١/ ٢١٨ - ٢١٩)، (٢/ ٩٠٩)، أصول السنة لابن أبي زمنين (٧٤)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي-في سياق ما روي في تكفير المشبهة (٣/ ٥٢٨ - ٥٣٣)، شرح السنة للبغوي (١٧٠)، المختار في أصول السنة لابن البنا الحنبلي (٩١)، الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٩٦)، تحريم النظر في كتب الكلام لابن قدامة (٥٠ - ٥٩)، لمعة الاعتقاد له (٧)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٠٩)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٤/ ١٥٣)، بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٧٢ - ١٧٣)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢٣٧)، شرح القواعد المثلى (الكتاب والشرح لابن عثيمين) (٢١٣ - ٢١٤).
[ ١ / ١٢٠ ]
ولذلك يقال: إن نفي مسمى التشبيه عن الله حق، وهو لازم وواجب (^١). وإنما وجب نفي مسمى (التشبيه) على ما فيه من إجمال، لأن الإجمال الذي لحق بهذا الاسم لم يكن من جهة لفظ (التشبيه ومسماه، وإنما كان من جهة ما ألحقه به النفاة من معان غير داخلة فيه بأصل الوضع، وقد بين شيخ الإسلام ذلك في موضع آخر حيث قال: «لفظ التشبيه في كلام هؤلاء النفاة المعطلة لفظ مجمل» (^٢)، فبين أن الإجمال الذي في لفظ (التشبيه) إنما هو في عرف خاص خاطئ، فلا يمنع ذلك من نفيه باعتبار معناه الصحيح الذي قصده السلف من نفيهم للتشبيه، ولذا قال شيخ الإسلام بعد كلامه السابق بأسطر في ذكر مذهب أهل السنة: "ينزهونه عن النقص والتعطيل، وعن التشبيه والتمثيل، إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل" ..
رابعًا: وإذا كان نفي مسمى التشبيه لازمًا، فإن الألزم من ذلك هو بيان معنى التشبيه الذي ذمه السلف.
وذلك أن التشبيه-وإن كان نفيه صحيحًا-إلا أنه كما تقدم قد دخل عليه من جهة الاصطلاح معان باطلة جعلته من الألفاظ المجملة التي يلزم فيها التفصيل؛ إذ لفظ التشبيه فيه إجمال واشتراك وإيهام، بخلاف لفظ التمثيل الذي دل عليه القرآن، ونفي موجبه عن الله ﷿» (^٣).