_________________
(١) «الصفدية» (١/ ١١٦).
[ ١ / ١٥١ ]
«أن ينفى عن الله تعالى:
أولًا: كل صفة عيب؛ كالعمى، والصمم، والخرس، والنوم، والموت … ونحو ذلك.
ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾] النحل الآية: ٦٠]، فإن ثبوت المثل الأعلى له-وهو الوصف الأعلى-يستلزم انتفاء كل صفة عيب.
ثانيًا: كل نقصٍ في كماله؛ كنقص حياته، أو علمه، أو قدرته، أو عزّته،
أو حكمته … أو نحو ذلك.
ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾] ق الآية: ٣٨ [.
ثالثًا: مماثلة المخلوقين؛ كأن يجعل علمه كعلم المخلوق، أو وجهه كوجه المخلوق، أو استواءه على عرشه كاستواء المخلوق … ونحو ذلك.
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾] الشورى الآية: ١١" (^١).
الأمر السادس: للتفريق بين الصفات السلبية التي ورد بها النص والصفات السلبية التي أحدثها المعطلة النفاة-نقول: إن الصفات السلبية التي ورد بها النص متضمنة لثبوت كمال الضد كما تقدم شرح ذلك.
وأمَّا الصفات السلبية التي هي مِنْ نسج المعطلة واختراعهم-فلا تتضمن ثبوت كمال الضد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «كل تنزيه مُدح به الرب ففيه إثبات، فلهذا كان قول: (سبحان الله) متضمنًا تنزيه الرب وتعظيمه، ففيه تنزيهه من العيوب والنقائص،
_________________
(١) تقريب التدمرية ص (٨٥ - ٨٦).
[ ١ / ١٥٢ ]
وفيه تعظيمه ﷾ (^١).
فالذين لا يَصفونه إلا بالسُّلوب لم يثبتُوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا.
وكذلك مَنْ شاركهم في بعض ذلك؛ كالذين قالوا: لا يتكلم، ولا يُرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يَستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا مجانب له.
إذ هذه الصفات يمكن أن يُوصف بها المعدوم، وليس هي صفة مُستلزمة صفة ثبوت.
فقولهم: إنه لا يتكلم، أو لا يَنزل، ليس في ذلك صفة مدح، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات (^٢).
الأمر السابع: إن سلب النقائص والعيوب عن الله نوعان:
النوع الأول: سلب لمتصل.
«وضابطه: نفي كل ما يناقض صفة من صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ؛ كنفي الموت المنافي للحياة، والعجز المنافي للقدرة، والسِّنة والنوم المنافي لكمال القيومية، والظلم المنافي للعدل، والإكراه المنافي للاختيار، والذل المنافي للعزة …»، إلخ.
النوع الثاني: سلب لمنفصل.
وضابطه: تنزيه الله سبحانه عن أن يشاركه أحد مِنْ خلقه في شييء من خصائصه التي لا تَنبغي إلا له.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١١٢).
(٢) «الرسالة التدمرية» (ص ٢٣).
[ ١ / ١٥٣ ]
وذلك كنفي الشريك له في ربوبيته؛ فإنَّه منفرد بتمام الملك والقوة والتدبير.
وكنفي الشريك له في أُلوهيته، فهو وحده الذي يجب أن يُؤلهه الخلق، ويُفردوه بكل أنواع العبادة والتعظيم.
وكنفي الشريك له في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فليس لغيره من المخلوقين شِركة معه سبحانه في شيء منها.
وكذلك نفي الظَّهير الذي يُظاهره أو يعاونه في خلق شيء أو تدبيره؛ لكمال قدرته وسَعة علمه ونفوذ مشيئته، وغيره من المخلوقين عاجز فقير لا حول له ولا قوة إلا بالله؛ فالشريك والظهير مَنفيان عنه بإطلاق.
وكذلك ينفى عنه سبحانه اتخاذ الصاحبة والولد الذي نَسَبه إليه النصارى عابدو الصُّلبان، والصابئة الذين يقولون: إن الملائكة بنات الله؛ قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلّ﴾] الإسراء الآية: ١١١ [. (^١).
الأمر الثامن: الأدلة السمعية التي وردت في نفي المماثلة تنقسم إلى قسمين:
١ - خبر.
٢ - وطلب.
قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين﵀-: «الأدلة السمعية (^٢) تنقسم
إلى قسمين: خبر، وطلب.
ـ فمن الخبر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، فالآية: فيها نفي صريح للتمثيل.
وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥]، فإن هذا وإن كان إنشاء، لكنه بمعنى
_________________
(١) انظر: «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٥٦ - ٥٨).
(٢) على نفي المماثلة.
[ ١ / ١٥٤ ]
الخبر؛ لأنه استفهام بمعنى النفي.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]، فهذه كلها تدل على نفي المماثلة، وهي كلها خبرية.
ـ وأما الطلب؛ فقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^١)، أي: نظراء مماثلين.
وقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾] النحل الآية: ٧٤]) (^٢).
المتن
قال المصنف ﵀: "مِنْ غَيْرِ إلْحَادٍ، لَا فِي أَسْمَائِهِ وَلَا فِي آيَاتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ الْآيَةَ".
الشرح