وقد وقع في التمثيل والتكييف "المشبهة" الذين بالغوا في إثبات الصفات إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق.
والتمثيل نزعة يهودية الأصل، "فإن اليهود كثيرا ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التي
_________________
(١) منهاج السنة (١/ ٣٠٧).
(٢) منهاج السنة (٥/ ١٦٨).
(٣) منهاج السنة (٢/ ٦٢٧).
[ ١ / ١٢٨ ]
يجب تنزيهه عنها، وهي من صفات خلقه" (^١)
فقد حكي الله عنهم ذلك في كتابه، كقوله -تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقوله ردًا على وصفه سبحانه بالتعب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق الآية: ٣٨].
وأول ظهوره في هذه الأمة على يد الرافضة الغلاة. قال البغدادي -﵀-: "وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة" (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "أول من قال: إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي (^٣) " (^٤).
ولعل سبب ظهور مقالة التمثيل راجع إلى أمرين:
الأمر الأول: مضاهاة أهل الكتاب -وخاصة اليهود-في مقالاتهم؛ حيث إن الإسرائيليات طافحة بتمثيل الباريء سبحانه بالمخلوقين، كما أن اليهود والنصارى ضاهوا الرومان والإغريق والهنود وغيرهم في عقائدهم. قال -تعالى-: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [التوبة:
_________________
(١) مجموع الفتاوي ١٠/ ٥٥.
(٢) الفرق بين الفرق ٣٢٥.
(٣) هشام بن الحكم الكوفي الرافضي، المشبه المعثر، وله نظر وجدل وتواليف كثيرة قال في مختلف الحديث: كان من الغلاة ويقول بالجبر الشديد، وذكر عنه ابن حزم أنه يزعم أن ربه طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، ويزعم أن علم الله محدث. مات بعد نكبة البرامكة بمديدة مستترًا وقيل عاش إلى خلافة المأمون. لسان الميزان ٦/ ١٩٤.
(٤) الفتاوي ٣/ ١٨٦.
[ ١ / ١٢٩ ]
الآية: ٣٠].
فاليهود وقعوا في تمثيل الخالق بالمخلوق، والنصارى وقعوا في تمثيل المخلوق بالخالق. وكذلك جرى في هذه الأمة -كما سيأتي عند ذكر فرق الممثلة - قال ﷺ: «لتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب تبعتموهم، قلنا: با رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!» (^١).
الأمر الثاني: مقابلة التعطيل بضده، فقد ظهر مذهب التعطيل فقوبل بالتمثيل، وإلى هذا المعني بشير الذهبي -﵀بقوله: (وظهر بخراسان: الجهم بن صفوان، ودعا إلى تعطيل الرب ﷿ وخلق القرآن، وظهر بخراسان في قبالته مقاتل بن سليمان المفسر، وبالغ في إثبات الصفات حتى جسم) (^٢).
قال ابن رجب الحنبلي: "وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوما وظنوا أن من لم يكن عالمًا بها فهو جاهل أو ضال فكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها. فمن ذلك ما أحدثته المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال للَّه". (^٣)
إلى أن قال ﵀: "وينقسم هؤلاء إلى قسمين:
أحدهما: من نفى كثيرًا مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه عنده للتشبيه بالمخلوقين كقول المعتزلة لو رؤي لكان جسما لأنه لا يرى إلا في جهة: وقولهم لو كان له كلام يسمع لكان جسما ووافقهم من نفى الاستواء فنفوه لهذه الشبهة: وهذا طريق المعتزلة والجهمية وقد اتفق السلف على تبديعهم
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب الاعتصام ٨/ ١٥١، ورواه مسلم، كتاب العلم ٦.
(٢) تذكرة الحفاظ ١٥٩، ١٦٠.
(٣) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٢
[ ١ / ١٣٠ ]
وتضليلهم وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين.
والثاني: من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر ورد على أولئك مقالتهم كما هي طريقة مقاتل بن سليمان ومن تابعه كنوح بن أبي مريم وتابعهم طائفة من المحدثين قديمًا وحديثًا. وهو أيضًا مسلك الكرامية فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظا وإما معنى. ومنهم من أثبت للَّه صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة.
وقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقل وبالغوا في الطعن عليه (^١). "
قال ابن رجب الحنبلي: "الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه فما سكت من سكت من كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلا ولا عجزًا ولكن سكتوا عن علم وخشية للَّه. وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم لاختصاصه بعلم دونهم ولكن حبًا للكلام وقلة ورع كما قال الحسن وسمع قوما يتجادلون هؤلاء قوم ملوا العبادة وخف عليهم القول وقل ورعهم فتكلموا. " (^٢)