المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: «وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَا بُدَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يُثْبِتَ لِلَّهِ مَا يَجِبُ إثْبَاتُهُ لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَيَنْفِي عَنْهُ مَا يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْهُ مِمَّا يُضَادُّ هَذِهِ الْحَالَ، وَلَا بُدَّ لَهُ فِي أَحْكَامِهِ مِنْ أَنْ يُثْبِتَ خَلْقَهُ وَأَمْرَهُ فَيُؤْمِنَ بِخَلْقِهِ الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ قُدْرَتِهِ وَعُمُومَ مَشِيئَتِهِ، وَيُثْبِتَ أَمْرَهُ الْمُتَضَمِّنَ بَيَانَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَيُؤْمِنَ بِشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ إيمَانًا خَالِيًا مِنْ الزَّلَلِ.
وَهَذَا يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ فِي عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ فِي الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعَمَلِ، وَالْأَوَّلُ يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ فِي الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ سُورَةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَدَلَّ عَلَى الْآخَرِ سُورَةُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَهُمَا سُورَتَا الْإِخْلَاصِ، وَبِهِمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ».
الشرح
قوله: "وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ" أي بعد أن قرر المصنف ﵀ هذين الأصلين العظيمين، وبَيَّنَ أن الأصل الأول (التوحيد والصفات) راجعٌ إلى الخبر، وأن الأصل الثاني (الشرع والقدر) راجعٌ إلى الإنشاء.
أراد أن بَيَّنَ ما الذي يجب على المكلف تجاه كل نوع منهما،
فقوله: "فَلَا بُدَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يُثْبِتَ لِلَّهِ مَا يَجِبُ إثْبَاتُهُ لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَيَنْفِي عَنْهُ مَا يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْهُ مِمَّا يُضَادُّ هَذِهِ الْحَالَ".
فأوضح أنه يجب على العبد في الأصل الأول وهو باب (التوحيد والصفات)
[ ١ / ٤٨ ]
الذي هو الجانب العلمي الخبري أن يؤمن به وأن يثبت ما أثبته الله لنفسه وأن ينفي ما نفاه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأصل دين المسلمين أنهم … يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه" (^١)
فقوله: "وَلَا بُدَّ لَهُ فِي أَحْكَامِهِ مِنْ أَنْ يُثْبِتَ خَلْقَهُ وَأَمْرَهُ فَيُؤْمِنَ بِخَلْقِهِ الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ قُدْرَتِهِ وَعُمُومَ مَشِيئَتِهِ، وَيُثْبِتَ أَمْرَهُ الْمُتَضَمِّنَ بَيَانَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَيُؤْمِنَ بِشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ إيمَانًا خَالِيًا مِنْ الزَّلَلِ"
وأنه يجب عليه في الأصل الثاني الذي هو باب (الشرع والقدر) والذي هو الجانب العملي أن يؤمن به وأن ينقاد له ويستسلم له في:
١ - في قدره الذي هو أحكامه الكونية.
٢ - وفي شرعه الذي هو أحكامه الدينية.
وقوله: وَهَذَا يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ فِي عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ فِي الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعَمَلِ، وَالْأَوَّلُ يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ فِي الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ"
فيه إشارة إلى أقسام التوحيد وقد تَنَوَّعَت عباراتُ علماء أهل السُّنَّة في التعبير عن أنواع التوحيد، ولكنها مع ذلك التنوع متفقة في المضمون، ولعل السبب في ذلك هو أن تلك التقسيمات مأخوذ من استقراء النصوص، ولم يُنص عليها باللفظ مباشرة، ولذلك فمن العلماء (^٢) مَنْ قَسَّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، هي:
_________________
(١) الجواب الصحيح (٤/ ٤٠٥).
(٢) انظر: «طريق الهجرتين» (ص. ٣)، و«شرح الطحاوية» (ص ٧٦)، و«لوامع الأنوار» للسفاريني (١/ ١٢٨)، و«تيسير العزيز الحميد» (ص ١٧ - ١٩).
[ ١ / ٤٩ ]
١ - توحيد الرُّبوبية: وهو إفراد الله بأفعاله كالخلق والرزق.
٢ - توحيد الأسماء والصفات: وقد تقدم ذكر تعريفه.
٣ - توحيد الألوهية: وهو إفراد الله بأفعال العباد التعبدية؛ كالصلاة، والصوم، والدعاء.
ومن العلماء من قَسَّم التوحيد إلى قسمين، وهذا هو الأغلب في كلام أهل العلم المتقدمين؛ لأنهم يَجمعون بين توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وذلك بالنظر إلى أنهما يُشكلان بمجموعهما جانب العلم بالله ومعرفته ﷿؛ فجمعوا بينهما لذلك، بينما توحيد الألوهية يُشكل جانب العمل لله.
وتَقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام راجع إلى اعتبار مُتَعَلَّق التوحيد، وتقسيمه إلى قسمين راجع إلى اعتبار ما يجب على المُوَحِّد.
فمن العلماء من يقول: التوحيد قسمان (^١):
القسم الأول: توحيد المعرفة والإثبات:
ويُريد به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسُمِّي بتوحيد المعرفة؛ لأن معرفة الله ﷿ إنما تكون بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.
والإثبات: أي: إثبات ما أثبته اللهُ لنفسه من الأسماء والصفات والأفعال.
القسم الثاني: توحيد القَصد والطَّلب:
ويُراد به الألوهية، وسُمِّي بتوحيد القصد والطلب؛ لأن العبد يتوجه بقلبه ولسانه وجوارحه بالعبادة لله وحده؛ رغبة ورهبة، ويُقصد بذلك وجه الله وابتغاء مرضاته.
_________________
(١) مِمَّنْ ذكر ذلك ابنُ القيم في كتابه «مدارج السالكين» (٣/ ٤٤٩).
[ ١ / ٥٠ ]
ومن العلماء مَنْ يُقَسِّم التوحيد إلى قِسمين هما (^١):
القسم الأول: التوحيد العلمي الخبري:
والمقصود به: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
وسُمِّي بالتوحيد العلمي: لأنَّه يَعتني بجانب معرفة الله، فالعلمي أي: (العلم بالله).
والخبري: لأنَّه يَتوقف على الخبر، أي: (الكتاب والسنة).
القسم الثاني: التوحيد الإرادي الطلبي:
والمقصود به: توحيد الألوهية، وسُمِّي بالتوحيد الإرادي؛ لأن العبد له في العبادات إرادة، فهو إمَّا أن يقوم بتلك العبادة أو لا يقوم بها، وسمي بالطلبي؛ لأن العبد يطلب بتلك العبادات وجه الله ويقصده ﷿ بذلك.
_________________
(١) مِمَّنْ ذكر ذلك ابنُ القيم في كتابه «مدارج السالكين» (٣/ ٤٥٠)، وابن تيمية في «الصَّفدية» (٢/ ٢٢٨).
[ ١ / ٥١ ]
ومِن العلماء مَنْ يُقَسِّم التوحيد إلى قسمين؛ فيقول (^١):
القسم الأول: التوحيد القولي:
والمراد به: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسُمِّي بالقولي؛ لأنه في مقابل توحيد الألوهية الذي يُشكل الجانب العلمي من التوحيد، وأما هذا الجانب فهو مختص بالجانب القولي العلمي.
القسم الثاني: التوحيد العملي:
والمراد به: توحيد الألوهية، وسُمِّي بالعملي؛ لأنه يشمل كلًّا من عمل القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح التي تشكل بمجموعها جانب العمل من التوحيد.
فالتوحيد له جانبان: جانب تصديقي علمي. وجانب انقيادي عملي.
ومِن العلماء مَنْ يُقَسِّم التوحيد إلى قسمين؛ فيقول:
القسم الأول: توحيد السِّيادة:
ويُعنى بذلك: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسُمِّي بذلك؛ لأن تفرد الله بأفعاله وأسمائه وصفاته يُوجب له القيادة المطلقة والتصرف التام في هذا الكون خلقًا ورزقًا وإحياء وإماتة وتصرُّفًا وتدبيرًا ﷾، فمن واجب الموحد أن يُفرد الله بذلك.
والقسم الثاني: توحيد العبادة:
المراد به: توحيد الألوهية، وتسميته بذلك واضحة لا تحتاج إلى مزيد تفصيل.
وهذا ما وقفت عليه من تقسيمات العلماء للتوحيد، وهي واحدة من حيث مضمونها، كما سبق إيضاح ذلك من خلال ربطها بالتقسيم الأول، ولذا فإن الاختلاف بينها مُنحصر في الألفاظ فقط، والله أعلم.
قال المصنف: "كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ سُورَةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَدَلَّ عَلَى الْآخَرِ سُورَةُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَهُمَا سُورَتَا الْإِخْلَاصِ".
أراد المصنف أن يستدل على صحة هذا التقسيم، وأن القرآن اشتملت سوره على تقسيم التوحيد إلى قسمين:
فبَيَّن المصنف ﵀ أن سورة الإخلاص (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) تشتمل على بيان النوع الأول من أنواع التوحيد وهو التوحيد العلمي الخبري، فإن السورة تقرر وحدانية الله، وتصفه بأنه الصمد الذي يصمد إليه الخلائق في قضاء حوائجهم، وتنزهه جل وعلا عن الولد والوالد، وتقرر أنه لا نظير له ولا ند له ﵎.
قال شيخ الإسلام﵀-: "فهذان الاسمان العظيمان "الأحد الصمد" يتضمنان تنزيهه عن كل نقص وعيب، وتنزيهه في صفات الكمال أن لا يكون له مماثل في شيء
_________________
(١) ممن ذكر ذلك شيخُ الإسلام ابنُ تيمية. انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ٣٦٧).
[ ١ / ٥٢ ]
منها، واسمه الصمد يتضمن إثبات جميع صفات الكمال، فتضمن ذلك إثبات جميع صفات الكمال ونفي جميع صفات النقص، فالسورة تضمنت كل ما يجب نفيه عن الله، وتضمنت أيضًا كل ما يجب إثباته من وجهين:
من اسمه الصمد، ومن جهة أن ما نفي عنه من الأصول والفروع والنظراء مستلزم ثبوت صفات الكمال أيضًا؛ فإن كل ما يُمدح به الرب من النفي فلابد أن يتضمن ثبوتًا، بل وكذلك كل ما يُمدح به شيء من الموجودات من النفي فلابد أن يتضمن ثبوتًا، وإلا فالنفي المحض معناه عدم محض والعدم المحض ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون صفة كمال" (^١).
وأن سورة الكافرون- والتي سماها المصنف سورة الإخلاص الثانية لأنها تأمر بإخلاص العبادة لله وحده- تشتمل على النوع الثاني من أنواع التوحيد وهو توحيد القصد والطلب وهو توحيد الألوهية والعبادة، بأن لا يقصد العبد إلا ربه، وهذا هو الذي أمره به الله تعالى وطلبه منه، وأمره أن يتبرأ مما يعبده الكافرون بقوله لهم: لا أعبد ما تعبدون، وهو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله.
والقرآن كله دعوة للتوحيد.
قال ابنُ القيم ﵀: «كلُّ سُورة في القرآن هي متضمنة للتوحيد، بل نقول قولًا كليًّا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه.
فإن القرآن:
١ - إمَّا خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري.
٢ - وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي.
_________________
(١) تفسير سورة الإخلاص، ضمن مجموع الفتاوى (١٧/ ١٠٨ - ١٠٩).
[ ١ / ٥٣ ]
٣ - وإمَّا أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته.
٤ - وإمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يُكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده.
٥ - وإمَّا خبر عن أهل الشرك، وما فُعل بهم في الدنيا من النِّكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم توحيده.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجَزائهم» (^١).
وأما عن (العلاقة بين هذه الأقسام للتوحيد)، فأقول:
هذه الأقسام تُشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي نُسميه التوحيد، فلا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فهي متكافلة متلازمة يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح-ولا يقوم-توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أيِّ نوع منها هو خلل في التوحيد كله، (فمعرفة الله لا تكون بدون عبادته، والعبادة لا تكون بدون معرفة الله، فهما متلازمان) (^٢).
وقد أوضح بعضُ أهل العلم العلاقة بين أنواع التوحيد بقوله: «هي علاقة تلازم وتضمن وشمول».
فتوحيد الربوبية مُستلزم لتوحيد الألوهية.
وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية.
وتوحيد الأسماء والصفات شامل للنوعين معًا.
_________________
(١) «مدارج السَّالكين» (٣/ ٤٤٩، ٤٥٠).
(٢) «تحذير أهل الإيمان» (١/ ١٤٠)، (ضمن «مجموعة الرسائل المنيرية»).
[ ١ / ٥٤ ]
بيان ذلك: أنَّ مَنْ أقرَّ بتوحيد الربوبية، وعلم أنَّ الله سبحانه هو الرب وحده لا شريك له في ربوبيته لَزمه (^١) من ذلك الإقرار أن يُفرد الله بالعبادة وحده ﷾؛ لأنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان ربًّا خالقًا مالكًا مدبرًا، وما دام كله لله وحده وجب أن يكون هو المعبود وحده.
ولهذا جَرَت سُنَّة القرآن الكريم على سوق آيات الربوبية مَقرونة بآيات الدعوة إلى توحيد الألوهية، ومن أمثلة ذلك:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وأمَّا توحيد الألوهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية؛ لأنَّ مَنْ عبد الله ولم يُشرك به شيئًا فهذا يدل ضمنًا على أنه قد اعتقد بأن الله هو ربه ومالكه الذي لا ربَّ غيره.
وهذا أمر يشاهده المُوحد من نفسه، فكونه قد أفرد الله بالعبادة ولم يَصرف شيئًا منها لغير الله، ما هو إلا لإقراره بتوحيد الربوبية، وأنه لا ربَّ ولا مالك ولا متصرف إلا الله وحده.
وأمَّا توحيد الأسماء والصفات فهو شامل للنَّوعين معًا، وذلك لأنه يقوم على إفراد الله تعالى بكلِّ ما له من الأسماء الحسنى والصفات العُلى التي لا تنبغي إلا له ﷾، والتي من جملتها: الرَّب-الخالق-الرازق-الملك، وهذا هو توحيد الربوبية.
ومن جملتها: الله-الغفور-الرحيم-التَّواب، وهذا هو توحيد الألوهية (^٢)
_________________
(١) اللازم هنا قد يتخلف، كما هو الحال في كفار قريش؛ فهم يُقرون بتوحيد الربوبية، كما دَلَّت على ذلك النصوص، ولكنهم لم يُحققوا اللازم مِنْ إقرارهم بتوحيد الربوبية.
(٢) انظر: «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» للشيخ عبد العزيز السلمان (ص ٤٢١، ٤٢٢).
[ ١ / ٥٥ ]
وقول المصنف: "وَبِهِمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ"
أولًا: قوله: "فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ" ثبت ذلك عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ (قَرَأَ فِي رَكعَتَي الفَجرِ "قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ " و" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ") (^١)
ثانيًا: "وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ" ثبت ذلك في حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ: (كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون) (^٢).
وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵄ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (^٣)
وقوله: "وَغَيْرِ ذَلِكَ" يعني بذلك:
ثالثًا: الوتر، ثبت ذلك عن عدد من الصحابة ومن ذلك ما ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ: بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (^٤)
رابعًا: الركعتان بعد المغرب، وثبت ذلك عن ابن عمر ﵄ قال: (رَمَقتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِشرِينَ مَرَّةً يَقرَأُ فَي الرَّكعَتَينِ بَعدَ المَغرِبِ، وَفِي الرَّكعَتَينِ قَبلَ الفَجرِ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ " و" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ") (^٥)
_________________
(١) رواه مسلم: (١/ ٥٠٢) رقم: (٧٢٦)، وابن عمر كما في الترمذي: (٢/ ٤٧٠).
(٢) رواه مسلم: (٢/ ٨٨٦). رقم: (١٢١٨) وغيره.
(٣) رواه النسائي (١٧٣٠) وابن ماجه (١١٧١) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
(٤) رواه أحمد (٢٧١٥) والترمذي (٤٦٢) وصححه الألباني في صحيح الترمذي، وأبو داود: (٤/ ٢٩٩)،، وابن ماجه: (١١٧٣) وانظر صفة صلاة النبي ﷺ (٩٧).
(٥) رواه النسائي (٩٩٢) وقال النووي في "المجموع" (٣/ ٣٨٥): إسناده جيد. وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٣٣٢٨) والشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند (٨/ ٨٩). وأحمد (٤٧٦٣)، ورواه ابن مسعود في الترمادي: (٥٠٦/ ٢)، وابن ماجه (١١٦٦)، وانظر صحيح سنن النسائي (١/ ٢١٤) رقم (٩٤٨).
[ ١ / ٥٦ ]