إن أكثر من يستدل بالمتشابه في هذا العصر هم العصرانيون الجدد، وهم الذين يأتون ويفتون الناس بتحليل المحرمات، فالربا عندهم حلال، والغناء حلال، والاختلاط بين الرجال والنساء حلال ونحو ذلك، حتى إنك تعجب في بعض الأحيان من استدلالاتهم ومن طريقتهم في البحث.
فمثلًا يقول أحدهم في مقابلة أو في برنامج تلفزيوني مشهور: لماذا تجعلون هناك حاجزًا بين الرجال والنساء؟ إلى متى نصبح بهذه الطريقة القديمة التقليدية؟ لماذا لا نجعل الرجال مع النساء يجتمعون ويحضرون المحاضرة سويًا؟ الحجاب عنده أن تكشف المرأة وجهها، هذا على أصله وفكره! فإذا قيل له: ما هي المصلحة من اختلاط الرجال بالنساء؟ قال: لعل شابًا عزبًا يرى فتاة فتعجبه فيتكون من هذه الرؤية منزل وأسرة مسلمة.
انظروا العبث، وهذا يقوله الدكتور يوسف القرضاوي مع الأسف! نقول: لماذا تفترض أن هذا الرجل لابد أن تقع عينه على امرأة غير متزوجة، فقد ينظر إلى امرأة متزوجة ويراها جميلة فتعجبه، فماذا سيقول الدكتور القرضاوي لمثل هذا الشاب؟ هل يطالب زوج هذه المرأة أن يطلقها ليتزوجها هذا، أم أنه ستقع الحسرة في نفسه بسبب هذه الرؤية وبسبب هذا الاقتراح الذي اقترحه؟ إذًا: يا إخواني هذا الفكر الذي يسهل للناس الفساد، هو يعتمد في الأصل على المتشابه ويهمل المحكم، فإن من قواعد الدين الأساسية سد الذرائع، سواء في مجال العقائد أو في مجال الأحكام.
ولهذا تجدون هؤلاء الناس دائمًا يريدون نسف هذه القاعدة من الدين بالكلية، فيقولون: ليس هناك سد ذرائع، إما حلال وإما حرام، وينسون أن الطريق المؤدية للحرام حرام، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وغير ذلك من البينات والقواعد الأساسية في دين الله ﷿، والله ﷿ يقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] هنا النهي عن قرب الزنا، وليس النهي عن الزنا نفسه، فالنهي عن الزنا نفسه له نصوص أخرى.
وهكذا يأتون في موضوع الغناء مثلًا، فتجد من يستدل على إباحة الغناء بحديث في صحيح البخاري وهو: (أن أبا بكر الصديق ﵁ دخل على رسول الله ﷺ وعنده جاريتان في يوم عيد تغنيان بغناء بعا) وبعاث: هي معركة كانت قديمة بين الأوس والخزرج، قيل فيها أشعار.
فيأتي هؤلاء فيقولون: أرأيتم الرسول ﷺ يسمع الغناء، إذًا: الغناء حلال، فكيف تقولون: إن الغناء حرام؟ ونسي هذا الجاهل أن الغناء المراد به في هذا الحديث هو الغناء اللغوي، وهو تزيين الصوت، وليس المقصود به وجود موسيقى ووجود آلات للطرب، وإنما كان النبي ﷺ عنده جاريتان تنشدان إنشادًا عاديًا بدون موسيقى وبدون آلات عزف، وهذا يسمى غناء في لغة العرب.
ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ: (من لم يتغن بالقرآن فليس من).
إذًا: هذا الفهم الأعوج لنصوص الكتاب والسنة هو الذي يركبه هؤلاء العصرانيون.
ولهذا نسوا أن النبي ﷺ في صحيح البخاري يقول: (يأتي في آخر الزمان أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ويسمونها بغير اسمه).
والمعازف: هي آلات العزف.
ثم بعضهم يأتي ويقول: إن العالم الفلاني أفتى بإباحة الغناء، مثل ابن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى، وهؤلاء لاشك أنهم أصحاب هوى؛ لأنهم لو أرادوا أن يلتزموا بمذهب ابن حزم الأندلسي لشق ذلك عليهم؛ لأن مذهب ابن حزم قوي، يعمل بالظواهر، وفيه شدة عليهم، لكنهم يتلاعبون بدين الله، يأخذون من ابن حزم هذه الفتوى التي شذ فيها، ويأخذون من زفر ما شذ فيه، ويأخذون من فلان ما شذ فيه، ويقولون: هذا عالم يقول بهذا القول.
ثم لو وافقنا على أن هذا العالم قال بهذا القول، فنقول: ما هو الغناء الذي أباحه؟ فإن الغناء في زمانه كان بآلة واحدة، وكانت جارية تغني فأباح هذا الغناء؛ لعدم قناعته بالنصوص الشرعية، ولخطأ رأيه.
مع هذا ينزلون هذا الحكم على الأغاني الموجودة الآن التي تكون فيها فرقة موسيقية، ويكون فيها مجموعة من الرجال، ومجموعة من النساء يرددون، والآن مع وجود القنوات الفضائية كما يذكرون في الصحف يأتون بفيديو يسمونه فيديو كليب، ينقل صورة المرأة راقصة هنا وهناك، ثم ينزلون هذه الفتوى على هذه الواقعة الشنيعة الموجودة في هذا الزمان، وهو الغناء الموجود في هذا الزمان.
ولهذا أي إنسان عنده ريح التدين، ويريد أن يكون صادقًا مع نفسه، لو رأى الغناء الموجود في هذا العصر واشتراك النساء فيه، والعبث الموجود بالنساء فيه، لعرف أنه محرم، وأن علاقته بأصول الدين واضحة؛ لأن هذا الدين ليس لعبًا، يأتي بالمرأة ويلعب بها وهي لابسة بناطيل مثلًا، وشعرها مكشوف ووجهها مكشوف ونحرها مكشوف، ويتلاعب بها وقد يرفعها وقد يضعها، ونحو ذلك، ثم يقولون بعد ذلك: ابن حزم رحمه ا
[ ٤ / ٧ ]